في ذكراها ال 72... إستمرارية النكبة

11 أيار 2020 - 08:13 - الإثنين 11 أيار 2020, 20:13:50

بقلم: راغدة عسيران
انسحبت قوات الاحتلال البريطاني من فلسطين في يوم 14 أيار/مايو 1948، وتم الإعلان مباشرة عن إقامة الكيان الصهيوني على 55% من أرض فلسسطين، ولكن تابعت عصابات العدو حربها لضمّ مناطق أخرى، الى أن بلغت مساحة الكيان في العام 1949، 78% من مساحة فلسطين التاريخية. يعتبر يوم 15 أيار/مايو ذكرى النكبة، الذي تمثلت باختفاء فلسطين وتشريد جزء كبير من شعبها من مدنه وقراه التي احتلها الصهاينة، بعد ارتكابه أبشع المجازر بحقه.
في شهر كانون الأول/يناير 2020، أعلن الرئيس الأميركي عن خطة "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، من خلال إنهاء مسألة اللاجئين الفلسطينيين، الذي هجّروا من وطنهم خلال النكبة، وتهويد القدس وضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة الى كيان العدو، الذي كان قد استكمل احتلال فلسطين في العام 1967، وضم مدينة القدس الى كيانه. وقبل أسابيع، وافقت الحكومة الصهيونية على ضم مستوطناتها الى الكيان، إضافة الى ما سمي "مناطق ج" في اتفاقيات أوسلو (1993)، بما فيها منطقة الأغوار الفاصلة بين الأردن والضفة الغربية. 
استمرت النكبة بعد العام 1948 في فلسطين المحتلة بإقامة الحكم العسكري على المناطق الفلسطينية، لتسهيل سرقة الأراضي من جهة وإحكام السيطرة على "الأقلية العربية" من جهة أخرى، ومنع عودة اللاجئين الى وطنهم، والمهجّرين الى قراهم وأحيائهم. واصل العدو زرع مستوطناته في الأراضي المحتلة عام 1967 وضمّ مدينة القدس الى كيانه وباشر بتهويدها، فهدم بعض أحيائها التاريخية وهجّر الآلاف من أهلها، ويدعي اليوم أن بيوتها التاريخية ملك لليهود. 
بين العام 1948 والعام 2020، تواصلت المجازر من كفر قاسم في العام 1956، الى قطاع غزة والحروب الوحشية التي شنّها العدو في 2009-2008 و2014، مرورا بمجزرة الحرم الإبراهيمي (1994) وغيرها، كما تواصل الزحف الاستيطاني وتهجير وإبعاد الفلسطينيين عن مدنهم ووطنهم وتدمير منازلهم، واعتقالهم وفرض عقوبات جماعية عليهم. وتواصلت سرقة المياه وسرقة الأراضي، العامة والخاصة، وعملية تهويد المقدسات التي بدأت مع تهويد مساجد صفد وطبريا وبئر السبع، وإقفال المساجد والكنائس في منطقة الجليل أو تحويلها الى حظائر للحيوانات في بعض القرى المهجّرة. 
لم تكن النكبة يوما واحدا (15 أيار/مايو 1948) بل هي تتويج لقرار التقسيم الذي قدّم للمستوطنين الصهاينة "دولة" على الأرض العربية الفلسطينية، واستمرارا للاحتلال البريطاني الذي دعم استيلاء الحركة الصهيونية على مناطق مركزية من فلسطين، ولوعد بلفور الذي شرعن تطلعات الحركة الصهيونية باقامة "وطن يهودي"، ولاتفاقية سايكس - بيكو التي جزأت المنطقة الى دويلات يتحكم الغرب بقراراتها ويحارب شعوبها، لتسهيل مهمة الصهاينة وإضعاف الشعوب العربية. وبذلك، النكبة هي أيضا نتيجة عجز الحكام العرب عن نجدة شعب فلسطين أو تواطئهم بالموافقة على قرار التقسيم ثم الموافقة على الهدنة التي كرّست احتلال 78% من أرض فلسطين. 
عندما اعترف بعض المؤرخين الصهاينة (الجدد) بالنكبة، وكتبوا عن المجازر والتهجير القسري، فاعتبروا أن عصاباتهم غير مسؤولة عنها، لأن ذلك يحصل في الحروب، وأن كيانهم غير مسؤول عن مصير اللاجئين، وأن النكبة حدث مضى، وأن الاستمرار في تذكير ما حصل يمثل اعتداءا على "إسرائيل". هذا بالتحديد ما تتبناه مشاريع التسوية التي يقترحها العدو، كما جاء في صفقة القرن.  تطمح الصفقة الى التبرؤ من تداعيات النكبة، كما تبرأ منها الصهاينة، في مسألة اللاجئين الفلسطينيين، باختراع مسألة "اللاجئين" اليهود العرب، الذين استقدمتهم الحركة الصهيونية الى فلسطين كمستوطنين ويد عاملة يحلّون مكان أهل فلسطين الأصليين.
النكبة مستمرة مع صفقة القرن، بشرعنة سرقة الأراضي والضم والتهويد في الضفة الغربية المحتلة وهدم المنازل وتهجير الفلسطينيين من القدس ومناطق أخرى، والاعتراف بيهودية الكيان ومحاولة تدمير المقاومة في قطاع غزة، أي شنّ الحروب الوحشية عليها. وقد ساهمت اتفاقيات أوسلو في استمرارية النكبة بعدما شرعنت وجود كيان العدو وإقامة سلطة حكم ذاتي سلّمت أمورها الى مجتمع دولي متواطئ مع العدو، ظنا منها أنه سيجلب لها دولة سيادية على أجزاء من فلسطين. 
رغم استمرارية النكبة، ثمة فوارق مهمة بين العام 1948 والوضع الحالي، حيث يستعد العدو لتوسيع رقعة سيطرته الكاملة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية (المستهدفة منذ وصول أولى المستوطنين الى فلسطين)، بما فيها القدس، ومحاصرة التجمعات الفلسطينية في معازل خانقة. في العام 1948، قاوم الشعب الفلسطيني العصابات الصهيونية، رغم قلة السلاح، وشاركت في هذه المقاومة الشعبية فئات واسعة منه، الفلاحون والمهنيّون والعمّال والتجار والمدرّسون، الذين أسسوا اللجان القومية التي بنت الاستحكامات في المدن والقرى، وشكلّت فرق الحراسة، وجابت الدول العربية لشراء السلاح. 
يروي اللاجئ ابراهيم أحمد حسين من قرية التينة في قضاء الرملة، ومن مواليد 1920، أن اللجنة القومية في البلدة كانت مؤلفة من 9 أشخاص، تضم جميع الحمائل. بدأت هذه اللجنة تبحث عن السلاح للتصدي للمستوطنين، الذين تسلموا سلاحهم من البريطانيين. لم تعثر اللجنة على السلاح المطلوب، ولذلك، قاتل أهل القرية بسلاحهم القديم، وأقاموا تحصينات حول البلدة، من "كياس الرمل" وشكّلوا الحراسات الليلية من 20 الى 30 شخصا، لمنع الاعتداءات والزحف الإستعماري. كان هذا حال أغلب القرى في ذلك الوقت.
أما اليوم، في ظل سيطرة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية المحتلة، ومواصلة التنسيق الأمني مع العدو وملاحقة المقاومين والمناضلين وخاصة الأسرى المحررين منهم، فأصبحت مقاومة المستوطنين وجيشهم مهمة صعبة ينفذها بعض المجاهدين بعد تجاوزهم كافة المصاعب التي تضعها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة ومخابراتها المدعومة أميركيا وأوروبيا. ورغم كل ما يقوم به العدو من اعتداءات وانتهاكات على البشر والشجر والحجر، ما زالت السلطة الفلسطينية "تفكّر" و"تهدّد" بأنها ستتخذ تدابير إذا أقدم على ضمّ الأراضي، وكأن وجوده أصلا في الضفة الغربية أصبح طبيعيا بالنسبة لها، ولم يتطلب إعلان النفير العام.
وفي العام 1948، وصل متطوعون عرب وغير عرب الى فلسطين لنجدة الشعب الفلسطيني والدفاع عن فلسطين. قد يقول البعض أن مساهمة المتطوعين لم تكن فعليّة أو فعّالة، إلا أن فكرة التطوّع واعتبار أن فلسطين هي جزء مركزي من الوطن العربي والإسلامي، يجب الدفاع عنها وحماية شعبها، تبخّرت تدريجيا مع انكماش الأقطار العربية على نفسها والاهتمام بقضاياها المحلية واعتبار أن فلسطين قضية يتبناها وزراء الخارجية والديبلوماسيون فقط، كما فرضه عليها المجتمع الدولي. 
وفي العام 1948، أرسلت بعض الدول العربية جيوشها لمواجهة العدوان الصهيوني، وحارب بعضها ببسالة رغم الانتقادات الكثيرة التي تناولت مهمة هذه الجيوش أو أدائها. ودخلت هذه الجيوش العربية تحت راية الدفاع عن فلسطين، تلبية لمشاعر المواطنين العرب في كل مكان. أما اليوم، فالأنظمة العربية تدين فقط، كما تدين الدول الغربية، الاعتداءات الصهيونية، دون ان تحرّك ساكنا، إذ تعتبر أن فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة بالنسبة لها) وشعب فلسطين أصبحا تحت "الرعاية الدولية"، وتختصر مهمتها على الإدانة ومطالبة الغير بالتحرك والتدخل، ولا تتجرأ إرسال المساعدات المادية الى الفلسطينيين إلا بعد موافقة المجتمع الدولي. هذا إن لم تكن متواطئة مع العدو ضد الشعب الفلسطيني وقضيته وقضية العرب، كما توضّحت الأمور منذ بضعة اعوام بالنسبة لبعض الأنظمة العربية المتعاونة مع العدو. 
فإذا كانت النكبة هي ضياع فلسطين، فالنكبة مستمرة طالما الكيان الصهيوني موجود وحلّ مكان فلسطين، لأن النكبة، أولا وأخيرا، هي وجود هذا الكيان. ولا يمكن التخلص من وجوده ومن تداعيات النكبة إلا بالمقاومة والتفاف الشعوب العربية حولها.

انشر عبر
المزيد