بعد 72 عاما على النكبة، عودة اللاجئين ما زالت تؤرق الصهاينة

04 أيار 2020 - 12:43 - الإثنين 04 أيار 2020, 12:43:11

بقلم: راغدة عسيران   في كتابه الأخير حول "المراقبة الشاملة" (Thorough surveillance، 2016) ينطلق       د. أحمد سعدي من أوضاع فلسطينيي 48 ليبحث في عملية وآليات المراقبة التي طوّقت "الأقلية العربية" في كيان العدو. ارتكز على أرشيف الأحزاب الصهيونية (الماباي خاصة كونه الحزب الحاكم) ومحاضر اجتماعاتها واجتماعات قيادة الكيان العسكرية والأمنية والسياسية، ليبرهن للمؤلفين الصهاينة أن عملية المراقبة الشاملة لفلسطينيي 48 لم يلجأ اليها العدو لمواكبة الأحداث المستجدة ولم تكن مبادرة عشوائية قام بها متحمّسون لها بالإدارة العسكرية، كما ادعوا، بل كانت معدّة مسبقا، وتم تطويرها أبان الحكم العسكري، ثم بعده الى تسعينيات القرن الماضي.   كان منع عودة اللاجئين ("المتسللين" في قاموس الصهاينة)، الى وطنهم، مباشرة بعد حرب 1948 واتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، وارتفاع عدد فلسطينيي الداخل من جراء هذه العودة، أحد أهم أسباب فرض هذه الرقابة الصهيونية على الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم.  لقد حاول العدو منذ السنوات الأولى للاحتلال تقليص عددهم بشتى الوسائل، لا سيما وأنهم كانوا يقيمون على "الأطراف"، في الجليل والمثلث (بعد اتفاقية رودس 1949) والنقب، أي أنهم كانوا في منطقة "حساسة" بالنسبة للعدو. فكانت عملية التهجير الداخلي من قرى وبلدات "الأطراف" نحو الداخل ونشوء مسألة "مهجّري الداخل" (نحو 80 ألف فلسطيني، أي نصف عدد فلسطينيي 48)، ومواصلة عملية التهجير الى البلدان العربية والمناطق الفلسطينية الأخرى، كما حصل لأهل الفلوجة وعراق المنشية الذين هجّروا في العام 1949 الى قطاع غزة، ثم أهل المجدل الذين هجّروا في العام 1950، كما تم تهجير، في العام 1949، ما بين 12 و15 ألف فلسطيني كان قد لجأوا الى المثلث. استمرت عملية التهجير حتى العام 1959 مع تهجير 700 شخصا من قبيلة العزازمة في النقب الى الأردن ومصر، كما تشير اليه الدراسات الموثقة، بسبب رفض القبيلة الاعتراف بحكم الصهاينة، وكان قد تم تهجير ما يقارب 17 ألف فلسطيني من قبائل النقب بين عامي 1949 و1953، في حين فشلت عمليتا تهجير، الأولى عملية "يوهنان" المعدّة لتهجير مسيحيي الجليل الى الأرجنتين والبرازيل، والثانية، عملية تهجير 300 ألف فلسطيني من الجليل، التي أعدها أرييل شارون في العام 1964 في حال نشوب حرب مع سوريا.  تشير الدراسات الى أن 40 ألف فلسطيني من "الأطراف" تم تهجيرهم بعد النكبة، بغية السيطرة على الحدود ومراقبتها لمنع "المتسللين" الى الكيان ومنع التواصل مع الدول العربية المجاورة.  يعترف موشي شاريت، وزير خارجية العدو في تلك الفترة، خلال اجتماع حزبه في العام 1950 أن مسألة اللاجئين "المتواجدين على الحدود" لعبت دورا مهما في بناء استراتيجية التعامل مع فلسطينيي 48، ذلك أن التعامل معهم بشكل لائق، كما يقول، قد يجذب اللاجئين نحو الكيان، لكن التعامل معهم بشكل قاس قد يفسد سمعة الكيان "الديمقراطي"، ليخلص الى أن وجود هذه "الأقلية العربية" يثير تعقيدات كبيرة، و"يجب علينا مقاربتها بكل جوانبها". فاقترح خطة مرحلية، بانتظار فرصة تهجير نصف الفلسطينيين المتواجدين في الأرض المحتلة، تقضي بالتمييز الواضح بين من بقي في البلاد وبين اللاجئين، واتخاذ إجراءات صارمة ضد كل من يحاول العودة، وتسريع عملية التهويد بزرع المستوطنات مكان القرى والبلدات الفلسطينية. تشير أرقام الاستيطان أن من بين 370 مستوطنة أقيمت بين 1948 و1953، زرعت 350 منها على أملاك "الغائبين"، أي اللاجئين والمهجّرين، لمنعهم من التفكير في العودة. لم تمنع هذه الإجراءات الإجرامية محاولة اللاجئين للعودة أو التفكير في العودة والإعداد لها. خلال السنوات الأولى بعد النكبة، طغت مسألة عودتهم، أفرادا أو مجموعات صغيرة، الى قراهم وبلداتهم. أرّقت هذه العودة الخفية الأجهزة الأمنية الصهيونية والمستوطنين، خاصة الذين كانوا قد سكنوا في بيوت اللاجئين وتصرّفوا بأملاكهم. فقتل المستوطنون الصهاينة المئات من العائدين الى بلداتهم وأرضهم، كما وثّق لها أرشيف المستوطنات، التي ذكرها الكاتب "الإسرائيلي" "نوغا كادمن" في كتابه عن القرى المهّجرة. يكتب أحد المستوطنين : "خلال هذه الأيام، حصلت عدة حوادث تسلّل، أغلبها من ساكني هذه القرية في الماضي. عندما وصلنا اليها، وجدناها كما تركها العرب عندما رحلوا... يبدو أنهم خبأوا مقتنياتهم حول القرية، فيحضرون في الليل ويحفرون لاستعادتها ولكنهم لا يكتفون بذلك، إذ أنهم يطالون أملاكنا أيضا". يكتب آخر أن لاجئي قرية هربيا "يتسللون في الليل ويأخذون معهم الى غزة المحاصيل الزراعية وأبواب البيوت المهدمة وأدوات البناء. الحركة واسعة ومخيفة".  يقول مستوطن ثالث: "لم أنم طول الليل. تمددت على سريري وسلاحي بجنبي، وأنا أتصور أهل هذه القرية، الذين تركوها خائفين، غير بعيدين عنها، ينتظرون أول فرصة للعودة الى قريتهم وبيوتهم..". في بعض المستوطنات، تم تنظيم دوريات للقبض على "المتسللين" و"السارقين"، وحجزهم في غرفة حوّلها المستوطنون الى سجن، قبل تسليمهم الى شرطة أو جيش الاحتلال. حاول آخرون قتل "متسللّين يريدون سرقة الحمضيات" بعد تشكيل دوريات تجوب القرية في الليل. وفي إحدى المرات يعترف أحد المستوطنين أنه قتل "متسلّل" طوله أكثر من مترين.  تصف هذه الكتابات خوف المستوطنين، وقلقهم وهاجسهم من عودة اللاجئين، كونهم سرقوا أملاكهم واستوطنوا أرضهم، وبرّروا إجرامهم بالمقولة الزائفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". حاول العدو، خلال العقود الماضية، شطب حق عودة اللاجئين ومنع عودة المهجّرين في الداخل الى بلداتهم الأصلية. فحشد التأييد الدولي والأميركي خاصة، لدعم حربه المعلنة ضد عودة اللاجئين، وبدأ الحديث عن "تعويضات" و"توطين" و"كوتا"، وتقليص عددهم، وشروط عودة بعضهم الى أراضي السلطة الفلسطينية. وبعد هذه الحملة العالمية ضد حق عودة اللاجئين، دشّن في الفترة الماضية، مسألة أملاك "اللاجئين اليهود" في الدول العربية، من أجل إخفاء حقيقة اللجوء الفلسطيني والنكبة واستيطان أرض الغير، والمطالبة بالتعويض عن هذه الممتلكات الوهمية.  من ناحية أخرى، شنّ العدو حربا على مسيرات العودة المنطلقة من قطاع غزة، وأقدم على قتل العائدين أو الذين حاولوا أو طالبوا بالعودة عام 2011، ليس بسبب تخوّفه فقط من اجتياز الشريط الفاصل بين مستوطناته وثكناته العسكرية وقطاع غزة والأراضي العربية، بل لأنها تعيد الى الأذهان أن عودة اللاجئين الى بلادهم وقراهم ومدنهم هي حق مشروع وتبقى الأساس في الصراع مع الكيان الاستيطاني، ولأنها تذكّر الصهاينة بأن هذه البلاد التي استوطنوها ليست لهم وأنهم سرقوها من أصحابها الشرعيين، وأنهم ليسوا إلا عابرين عليها. أما في مسألة تعويض "أملاك اللاجئين اليهود" التي يحاول العدو تقديمها للعالم وكأنها مسألة محقّة، فقد تبنّتها صفقة القرن بتفاصيلها، كما ورد في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بداية العام 2020. ولكن كان على الصهاينة مهمة ترويجها، لا سيما في الوطن العربي، الى جانب التشكيك بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ووطنهم. فأوكل العدو المهمة الى بعض الإعلام السعودي والخليجي الذي أنتج مؤخرا مسلسل "أم هارون" لبثه في شهر رمضان. يطمح هذا المسلسل الصهيوني الى لفت أنظار الجمهور العربي نحو ما يعتبره الصهاينة أحقية هجرة اليهود العرب الى فلسطين المحتلة لشرعنة وجود الكيان الصهيوني وأحقية المطالبة بالتعويض عن أملاكهم لنسف حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، حيث أن التعويض عن ممتلكاتهم في فلسطين وتوطينهم في دول أخرى يشكلان الحل الصهيوني المقترح.
انشر عبر
المزيد