مستوطنو البارحة ومستوطنو اليوم: الإرهاب المنظّم

28 نيسان 2020 - 12:53 - الثلاثاء 28 نيسان 2020, 12:53:49

بقلم: راغدة عسيران

منذ اجتياح جائحة كورونا، تشهد الضفة الغربية المحتلة موجة من انفلات إرهابي للمستوطنين في معظم المناطق، من شمالها الى جنوبها، ومن شرقها الى غربها. تخرج المجموعات منهم من بؤرهم الاستيطانية باتجاه القرى والبلدات الفلسطينية وعلى الطرقات، بنيّة الأذى وبث الرعب. يعتدون على الفلسطينيين بالهراوات والصادمات الكهربائية والحجارة والكلاب، وأحيانا بالسلاح الناري، يتلفون الممتلكات ويحرقون السيارات، يقتلعون الأشجار ويسرقون المواشي.

يكتبون شعاراتهم العنصرية ويدهسون المارة وأفراد الشرطة الفلسطينية ويحاولون بث الوباء بين الفلسطينيين بالبصق على المركبات، كل ذلك تحت حماية وبدعم من المؤسسة الأمنية الصهيونية، التي تطلق النار على الأهالي إن وقفوا بوجه عنف المستوطنين.

لم يبدأ هذا الإرهاب المنظّم في زمن تفشي وباء كورونا، بل زاد شراسة، وكأنها حرب استباقية لضم أراضي الضفة الغربية المحتلة يشنّها مستوطنون "غير رسميين"، كما تسعى الى ترويجه المؤسسة الإعلامية الصهيونية، يستغلون الجائحة العالمية، كما تستغلها المؤسسة الصهيونية بكل فروعها (الجيش، السجون، الحكومة، الكنيست، المحاكم) للقضاء على فلسطين والفلسطينيين وحقوقهم الثابتة والمشروعة. 

يهدف الإرهاب المنظّم للمستوطنين، المدعوم من المؤسسة الرسمية الصهيونية، الى ترحيل الفلسطينيين عن أراضيهم ومنعهم من زراعتها، ومحاصرتهم في معازل تتقلص مساحتها تناسبيا مع تضاعف عجز السلطة عن حماية الأرض وأهلها، وملاحقة المقاومين وزجهم في سجونها والاكتفاء بقرارات المجتمع الدولي وتصريحاته الشاجبة للكيان المحتل.

قبل 72 عاما، في شهر نيسان/ابريل من العام 1948، شهدت فلسطين هذا الانفلات الإرهابي المنظّم على يد أجداد وأباء مستوطني اليوم. فاقترف مستوطنو البارحة المجازر تلو المجازر بحق الفلسطينيين في عدة مناطق من البلاد بهدف الترهيب والترحيل والإبادة. 

في شهر نيسان/ابريل فقط من العام 1948، اقترفوا مجزرة في اللجون، محافظة جنين (يوم 3/4 حيث ارتقى 13 شهيدا)، وفي دير ياسين، محافظة القدس (يوم 10/4، حيث ارتقى 254 شهيدا)، وفي قالونيا، محافظة القدس (يوم 12/4، حيث ارتقى 14 شهيدا)، وفي خربة ناصر الدين، محافظة طبريا (يوم 14/4، حيث ارتقى 12  شهيدا)، وفي مدينة طبريا (يوم 19/4،  حيث ارتقى 14 شهيدا)، وفي خربة الوعرة السوداء، محافظة طبريا (يوم 18/4)، وفي مدينة حيفا (يوم 22/4، حيث ارتقى 100 شهيدا)، وفي معسكر تل لتفنسكي (يوم 16/4، حيث ارتقى 90 شهيدا). واستمرت مجازر النكبة الى آخر العام 1948، بعد إقامة الكيان الصهيوني، كما واصل المستوطنون الصهاينة، الذين أصبحوا مواطنين مجندّين في الكيان، ارتكاب المجازر كلما سنحت لهم الفرصة وكلما أرادوا الانتقام من المقاومة باستهدافهم الشعب بكل فئاته.

يدعي بعض المؤرخين الجدد الصهاينة، أمثال بيني موريس، أن المجازر التي ارتكبها الصهاينة خلال النكبة ليست إلا وقائع تشهدها كل حرب في العالم، غافلا أن المستوطنين كانوا يقتلون أهل القرى بدم بارد، فيدخلون اليها بعد صمت الرصاص، بسبب نفاده أو استشهاد المقاومين، وكانت العصابات الإرهابية تقتحم البيوت وتقتل ساكنيها دون تمييز، أو تجمع أهل القرية في الساحة وتطلق النار عليهم، بعد تجميع الأسلحة النادرة التي كانت بحوزتهم.

احتجّ المؤرخ  "الإسرائيلي" إيلان بابي على هذا التفسير المشوّه لما حصل، وادعى من جانبه أن ارتكاب المجازر في تلك الفترة كان يهدف الى تطبيق سياسة التطهير العرقي في المناطق التي قرّرت القيادة السياسية الصهيونية احتلالها، أي أن ارتكاب المجازر هدف الى ترحيل الفلسطينيين أولا وليس الى إبادتهم، وكانت العصابات الصهيونية الإرهابية قد ارتكبت مجازر عشوائية لم يكن مخطّط لها من قبل قيادتها.  

لكن أثبتت الوقائع خلال النكبة وما بعدها والى اليوم أن المستوطنين الصهاينة يقتلون ويرتكبون المجازر بنيّة القتل - قد تكون إبادة على المدى القصير أو الطويل -، بسبب عقيدتهم العنصرية الإلغائية وحقدهم على العرب والمسلمين خاصة وعلى سائر البشرية عامة.

مثالا على ذلك، لقد أورد د. سلمان أبو ستة، قبل سنوات، تقارير منظمة الصليب الأحمر في جنيف، بعد فتح ملفاتها الى الجمهور، وثّقت لعملية قتل جماعية قامت بها العصابات الصهيونية في مدينة عكا، عن طريق جرثومة التيفوئيد التي حقنها الصهاينة في المياه في شهر أيار/مايو 1948 لإبادة سكان مدينة عكا، التي لجأ اليها عشرات الآلاف من اللاجئين الوافدين من القرى المجاورة، المحتلة من قبل العصابات الصهيونية، وترحيل من ينجو منهم. 

في البارحة، كان حقن المياه بجرثومة التيفوئيد، وخلال الفترة الماضية القريبة، كان رشّ المبيدات على المحاصيل الزراعية، في النقب وقطاع غزة، وأيضا صبّ المياه العادمة من المستوطنات في الضفة الغربية و"غلاف غزة" نحو الأراضي الزراعية، لنشر الأمراض والأوبئة. واليوم، يقوم المستوطنون وجنودهم بنقل فيروس كورونا الى الفلسطينيين، كما ينقل السجانون والمحققون هذا الوباء الى الأسرى الفلسطينيين في سجونهم. 

لم يتغيّر سلوك المستوطنين اليهود منذ قدومهم الى فلسطين، لأنهم يحملون العقيدة الصهيونية التي تعلّمهم الحقد على العرب والمسلمين والاستهتار بحياتهم، والتعامل العنصري مع كل من هو غير يهودي.

في مدارسهم وإعلامهم، وبيوتهم وجامعاتهم، يتعلّم المستوطنون الصهاينة مبادئ الكراهية للفلسطينيين والعرب. لقد ارتكبوا قبل عقود (25 /2/ 1994) مجزرة الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل، وارتكب مجنّد في جيشهم مجزرة شفاعمرو قبل حوالي عقدين من الزمن (4/8/2005) وما زالوا يقتلون الفلسطينيين على الحواجز في الضفة الغربية المحتلة دون أي رادع، لا دولي ولا عربي ولا فلسطيني، ويحرقون العائلات (دوابشة، 30/7/2015) والأطفال (الشهيد محمد أبو خضير 2/7/2014).  

رغم مواصلة الإرهاب الصهيوني بحق الفلسطينيين منذ بداية القرن الماضي، ومواصلة الاستيطان ليشمل معظم الأراضي الفلسطينية، توهم بعض الفلسطينيين والعرب أن المجتمع الدولي وقراراته سيحميهم وسيؤمن لهم دولة فلسطينية على جزء من فلسطين الى جانب الكيان الإرهابي. فاعترفوا بكيان العدو كما طُلب منهم وطبّعوا علاقاتهم الأمنية والاقتصادية والديبلوماسية، ووصل الأمر ببعض النخب العربية الى شرعنة روايته المزيّفة التي تبرئ مجازره وإرهابه.  

من أجل مواجهة هذا الإرهاب المنظّم الذي يمثله كيان العدو ومواجهة التزييف للتاريخ والحقيقة الذي تبثّه نخبة عربية منفصلة عن شعوبها وعن الواقع، ومواجهة الدعم الدولي للإرهاب والتواطؤ معه، لا بديل عن المقاومة بكافة أشكالها، التي بامكانها ردع المستوطنين وجنودهم في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، كما ردعتهم في "غلاف غزة" (بالسلاح ومسيرات العودة) وفي القدس المحتلة (ضد الأبواب الالكترونية وانتفاضة باب الرحمة). ويبقى دور الإعلام العربي والفلسطيني، بأشكاله وتقنياته كافة، ريادي في التصدي لتزييف التاريخ والواقع ولتثقيف الأجيال الشابة وخاصة البعيدة عن ساحة المعركة، من خلال العودة الى منطلقات القضية، الاستعمار الاستيطاني والتجزئة والتبعية.

انشر عبر
المزيد