البيت الفلسطيني مزيدا من التصدع بـ "معول السلطة".. مستقبل العلاقة بين الشعبية وفتح إلى أين؟

28 نيسان 2020 - 07:15 - الثلاثاء 28 نيسان 2020, 07:15:25

بقلم: محمد صفية

بمعول الإقصاء تحاول السلطة الفلسطينية هدم آخر الجسور مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، غير آبهة، بتاريخ طويل من المواقف التي صاغها القادة الأوائل لكلا الطرفين.

ولعل أشهرها الموقف الأخوي، الذي جرى بين الرئيس الفلسطيني الراحل "أبو عمار"، ومؤسس الجبهة الشعبية، جورج حبش، بقاعة "اليونسكو" في العاصمة اللبنانية بيروت، حين رفض الأخير أن يلقي كلمة الثورة، قائلا: "لا يُلقيها إلا أخي ورفيق دربي القائد العام للثورة الفلسطينية ياسر عرفات"، وغيرها من المواقف كمروان البرغوثي، وأحمد سعدات، الذين تقاسما سنوات الأسر.

مستقبل العلاقة

ويرى الكاتب تيسير محيسن، في حديث مع "قدس برس"، أن المؤشرات الأولى لتوتر العلاقة ما بين الجبهة الشعبية وحركة فتح، والسلطة تحديدا، تقرأ من خلال التصريحات المتبادلة بين شخصيات وازنة من الجانبين منذ بداية الأسبوع الحالي.

وأضاف أن الأمور ذاهبة لتصعيد أكبر بين الطرفين، وقد يدفع بعض الفصائل الأخرى، التي تتقاطع في مواقفها مع الجبهة الشعبية، تجاه سلوك حركة فتح في إدارة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، كالجبهة الديمقراطية مثلا أو حزب الشعب إلى حد ما، وغيرها، الثمن مستقبلا.

وأردف: "الرؤية السياسية التي يتبناها رئيس السلطة محمود عباس وفريقه ملتزمة بمحددات لنهايات المعركة السياسية مع الاحتلال "الإسرائيلي"، وهو حتما لا يرغب بأي شكل من أشكال النقد، حتى ولو كان هذا المنتقد من صلب أعمدة منظمة التحرير الفلسطينية، التي سوف يذهب "أبو مازن" تحت غطائها للتوقيع على اتفاق جديد، بعد إجراء مفاوضات مع الاحتلال على قاعدة صفقة القرن تماما كما وقع على اتفاق أوسلو"، وفق محيسن.

لذلك، فإن "عباس يعتبر أن انحياز حركة كالجبهة الشعبية إلى المواقف الوطنية إلى جانب حركات المقاومة كحماس والجهاد، إساءة وخروج عن السياق العام الذي تتبناه منظمة التحرير بقيادة فتح، وبالتالي يجب أن تعاقب هذه الفصائل من خلال المال الذي يتحكم به "أبو مازن" وفريقه بشكل كامل"، بحسب محيسن.

وعبر "محيسن" عن خيبة أمله من سياسة فتح، مشيرا إلى أن كل دول العالم، وحتى الاحتلال، تتجاوز كل الخلافات الجانبية بسبب أزمة فيروس كورونا، لكن السلطة لم تغير من طريقة تعاطيها في إدارة علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية، موضحا أن الفجوة تتسع كلما طال أمدها مع بقاء هذه القيادة في السلطة على حالها وتوجهها المتمثل في التنسيق الأمني والتعاون مع الاحتلال، الذي يراهن على بقاء السلطة أكثر مما يراهن على جيشه وأجهزته الأمنية!.

انعكاسات تدهور العلاقة

وتساءل "محيسن" ما الذي سيمنع السلطة غدا من اتباع نفس الأسلوب والممارسات مع فصائل أخرى، كالجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، مرجحا أن تسعى هذه الفصائل إلى صياغة مبادرة للصلح بين "فتح" و"الشعبية"، "لكن الأمل ضعيف في إحداث أي اختراق في المدى المنظور".

وأكد أن الجبهة الشعبية جزء تاريخي في منظمة التحرير ولا يمكن أن تتخلى عن دورها الوطني، فمنظمة التحرير ليست ملكا لفصيل دون آخر، واستدرك: "يمكن أن تستثمر الشعبية علاقاتها الخارجية لتحريك هذا الملف، لإجبار السلطة على التراجع عن هذه الممارسات إضافة إلى تقاطع مواقفها مع الحركات الفلسطينية المناهضة لسياسات فتح".

وعن انعكاسات تدهور علاقة "فتح" مع الفصائل الفلسطينية، يعتقد "محيسن": "أن الضفة الغربية بدأت تتحرك، وسلوك فتح بهذا الشكل سيعزز من اندفاع اليسار الفلسطيني، وتحديدا الجبهة الشعبية لممارسة سلوك معادي للسلطة على أرض الواقع، حتى لو كان ذلك في سياق الاشتباك المباشر مع الاحتلال".

المخصصات المالية

وعزا الكاتب والمحلل السياسي "محسن أبو رمضان"، في حديثه لـ "قدس برس" أن السبب الرئيس للتوتر بين الجانبين هو عدم حصول "الجبهة" على مخصصاتها من الصندوق القومي منذ عدة سنوات.

وأضاف ربما لم يرق لقيادة السلطة تقارب الجبهة مع كل من "حماس" وإيران وحزب الله.

وأشار إلى أن السلطة تتعامل بحذر شديد فيما يخص العلاقة مع إيران، خشية إغضاب السعودية التي تعتبر التمدد الإيراني في المنطقة جاء على حسابها

ونوه إلى أن النظام السياسي الفلسطيني يشهد أزمة كبيرة بسبب غياب الانتخابات والميل إلى النظام المركزي، "فتم حل المجلس التشريعي بقرار من المحكمة الدستورية، الأمر الذي يرفع علامات استفهام حول العديد من المشكلات بما في ذلك العلاقات الوطنية داخل المنظمة".

وعن موقف الفصائل يعتقد "أبو رمضان"، أن "حماس" ستعمل على توسيع دائرة علاقاتها الوطنية وتقويها، وخاصة مع فصائل رئيسية بالمنظمة مثل "الشعبية"، لإقناع الرأي العام بأن المشكلة ليس معها بما يتعلق بغياب المصالحة والوحدة بقدر ماهي مع الرئيس أبو مازن، كما قال.

خطوات الجبهة

بدوره، أوضح المحلل السياسي وسام عفيفة في حديثه لـ "قدس برس"، أن السلطة الفلسطينية تشنّ حملة مالية وأمنية ضد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ أعوام، لكنها بلغت ذروتها خلال العام الأخير.

ووصلت إلى حد التنسيق الأمني مع الاحتلال وتبادل المعلومات، كما شكل اعتقال القيادية البارزة في "الشعبية" خالدة جرار، نموذجا صارخا لهذا التعاون الأمني، حيث قررت السلطة تدفيعها ثمن معارضتها نهج "أبو مازن".

وأشار إلى أن "الشعبية" تبدو اليوم أمام تحديات في تحديد علاقتها مع السلطة وموقعها في منظمة التحرير، لهذا ربما تتجه لخطوات فاعلة ضمن أداوتها على صعيد موقعها في منظمة التحرير أو حضورها في إطار القوى الوطنية والإسلامية، للرد على ممارسات "لوبي" المقاطعة في رام الله من أجل إخضاعها ولي ذراعها، وأولى الخطوات التوقف عن حضور اجتماعات المنظمة واللجنة التنفيذية.

وأضاف سلوك السلطة وحركة فتح إذا استمر بنفس النهج، فانه قد يدفع "الشعبية" إلى مواقف أكثر حسما تجاه علاقاتها مع "المنظمة" وحركة فتح، ويوسع دائرة العزلة التي تمر بها فتح في ظل خصومتها التقليدية للقوى خارج المنظمة (حماس والجهاد الإسلامي).

لماذا تصدعت العلاقة؟

سليمان بشارات، الباحث في مركز يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، يرى أن حالة التصدع بالعلاقة ما بين السلطة والجبهة الشعبية لم تكن وليدة اللحظة، فهي عبارة عن تراكمية تمتد إلى تسعينيات القرن الماضي منذ نشأة السلطة وتوقيع اتفاق أوسلو، وخاصة في النظرة التي تتعلق بالعمل المسلح ومقاومة الاحتلال.

ونوه لـ "قدس برس": أن "تطور شكل هذا التصدع في محطات مختلفة، لكنه بدأ يبرز بشكل أكبر في السنوات الأخيرة، عندما بدأت السلطة التحكم بالمستحقات المالية لفصائل المنظمة وابتزازها من هذا المنظور لمجرد الاختلاف في البرامج والرؤى تجاه العديد من القضايا".

وأضاف: "حركة فتح التي انصهرت بالسلطة وأصبحت المظلة لها، لم تحاول الفصل ما بين العلاقة التنظيمية لها بباقي فصائل المنظمة وانخراطها بالسلطة، وهو ما انعكس أيضا على شكل وطبيعة الأبعاد التنظيمية التي تربطها بباقي الفصائل".

بالتالي هذا يدفعنا للسؤال، هل تستطيع "فتح" إبقاء العلاقة التنظيمية، إن ساءت العلاقة لحد القطيعة ما بين "الجبهة" والسلطة، ويجيب، باعتقادي لا، "لأن فتح انصهرت بشكل تام، ولم يبق من الهيكل التنظيمي لها كحركة سوى التشكيلات والهياكل العامة".

وعن الهدف من تصديع العلاقة مع الجبهة الشعبية، أجاب بشارات: أعتقد أن الأمر يأتي ضمن العديد من الرؤى:

أولها، الرغبة في السيطرة والتحكم التام، فـ"فتح" تاريخيا وكذلك السلطة منذ نشأتها تحاول أن تبقي نفسها هي المظلة للجميع ولا تقبل بمنافس لها، وهذا وإن كان إيجابيا بنظرة مؤيدي الحركة، إلا أنه مضر بمفهوم الشراكة الذي يمكن أن يشكل رافعة وطنية للجميع.

وثانيا، السطوة الفردية على المفهوم التنظيمي المؤسسي، فحركة فتح غابت الكثير من هياكلها التنظيمية الفعلية عن ممارسة الدور المؤسسي، وهذا أثر على طبيعة العلاقة التنظيمية مع الجبهة الشعبية وكذلك الكثير من التنظيمات الفلسطينية، بحسب بشارات.

وأخيرا، "فلسفة إقامة السلطة الفلسطينية، وصهر الهياكل التنظيمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ضمنها، قد يكون ضمن رؤى سياسية، لإضعاف هذه الهياكل التابعة للمنظمة، وبالتالي انعكاس ذلك، على العلاقة مع باقي التنظيمات التي ترفض أن تكون جزءا من هذه النظرة"، بحسب بشارات.

واستبعد "بشارات" أن تسعى "الجبهة" للخروج من المنظمة إلا أنه استدرك: "ربما يكون هناك محاولات لبناء محاور في ظل حالة التفرد من قبل فتح بالقرار الخاص بالمنظمة".

(المصدر: قدس برس)

انشر عبر
المزيد