الأسرى الفلسطينيين بين "صفقة القرن" وجائحة "كورونا"

08 نيسان 2020 - 02:50 - الأربعاء 08 نيسان 2020, 14:50:21

بقلم: راغدة عسيران

ورد في وثيقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المسماة "السلام من أجل الإزدهار" في شقها السياسي، بعض الفقرات حول "السجناء"، دلّت على الاستخفاف في هذه المسألة الحيوية لدى الشعب الفلسطيني وأحرار العالم. لقد تم طرحها في سياق تبنّي "صفقة القرن" المقترحة للرواية الكاذبة الصهيونية حول الصراع العربي-الصهيوني في المنطقة، وتبنّي رؤية الصهاينة لما يعتبرونه حلا للقضية الفلسطينية، أي تصفية كامل الحقوق الفلسطينية المشروعة.

تبنّى هذا الاتفاق المقترح "للسلام بين الشعبين" بالرعاية الأميركية (صفقة القرن) النظرة الصهيونية إزاء الأسرى الفلسطينيين في سجونها، دون تحفظ، بما في ذلك الاستثناء من الإفراج عن "المواطنين الإسرائيليين" أي الأسرى الفلسطينيين من الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، والأسرى "المدانين بالقتل" الذين حكم عليهم بالمؤّبد أو أكثر، وقد تجاوز عددهم ال550 أسيرا، منذ انتفاضة الأقصى، حيث كانت المحاكم العسكرية الصهيونية تنطق بالمؤبد بالعشرات في جلساتها الهزلية.

رغم قلة عددهم نسبة الى مجموع الأسرى، بقيت مسألة أسرى الداخل المحتل عام 1948 تشكّل معضلة حقيقية وتعكس ميزان القوى الفعلي خلال أي صفقة تبادل، إذ يشير إصرار الصهاينة ومن ثم "صفقة القرن"، الى اعتبارهم "مواطنين إسرائيليين" لا علاقة لهم بشعبهم وقضية شعبهم، وأن وضعهم مرهون بالحياة السياسية الداخلية لكيان الاحتلال، بعد تخلي اتفاقيات "أوسلو" عنهم.

يرفض مقترح "صفقة القرن" الإفراج أيضا عن "المدانين بتهمة التآمر لارتكاب القتل" وذلك يضيف عددا كبيرا من الأسرى والمعتقلين الإداريين على الاستثناءات، كما ورد في الوثيقة، ووفقا لمعايير المؤسسات الأمنية الصهيونية التي تطلق النار على كل فلسطيني، يشتبه به أنه سيطلق النار أو يدهس أو يطعن مستوطن. فالتهم والأحكام جاهزة في حال الاعتقال، وكذلك عمليات الإعدام.

بعد هذه الاستثناءات التي تضم عددا كبيرا من الأسرى، تنتقل الصفقة المقترحة الى مراحل الإفراج، كالتي حصلت في الاتفاقية مع السلطة عام 2013، حين رفض كيان العدو الإفراج عن الدفعة الرابعة التي كانت تشمل الأسرى من الداخل المحتل عام 1948. المرحلة الأولى "ستحدث فور توقيع اتفاقية السلام"، وتشمل القاصرين والنساء والذين فوق ال50 عاما والمرضى "والذين قضوا أكثر من ثلثي مدة العقوبة"، أي الذين كان يتم الإفراج عنهم بحكم "المنهلي"، الذي توقف العمل به قبل أسابيع. هل لهذا التوقف علاقة بوعود الصفقة المشؤومة أم أنه إجراء تعسفي إضافي ضد الأسرى لتصفية كل مكتسباتهم ؟ وستشمل المرحلة الثانية "السجناء الباقين الذين قضوا أكثر من نصف مدة العقوبة"، وتبقى المراحل اللاحقة متعلقة ب"موافقة إسرائيل".

لن ينال المبعدون عن فلسطين "العفو" ولن يعودوا الى وطنهم في ظل هذه الصفقة إذا كانوا ضمن المستثنين عن الإفراج، وقد يطبَق هذا البند على مبعدي كنيسة المهد (منذ 2002) وغيرهم. وعلى كل أسير يتم الإفراج عنه ضمن هذه الصفقة أن يتعهّد "بتعزيز فرص التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين"، ما يعني أنه سيطلب من الأسرى الذين يتم الإفراج عنهم أن يكّفوا عن النضال من أجل حرية شعبهم وأن يوافقوا على تزوير التاريخ والواقع لصالح المستوطنين الصهاينة، بل أن "يتصرفوا بطريقة تعطي نموذجا للتعايش"، وإلا سيبقون في السجن.

لم تتطرق وثيقة الصفقة الى حقوق الأسرى في السجون، لأن الصهاينة يرفضون اعتبارهم أسرى حرب، ولا الى ضرورة تحسين حال السجون الصهيونية (نظافة، تهوئة، إضاءة، طعام)، ولا الى حق الأسرى المرضى بالعناية الصحية السلمية والجديّة، ولا الى منع التعذيب أثناء التحقيق، لأنها اعتبرت أن السجانين الصهاينة فوق كل شبهة بهذا الخصوص، أو لأن المسألة غير جديرة بالاهتمام، فالأسرى "عرب" في آخر المطاف.

لكن اهتمت الوثيقة ب"الأسرى الإسرائيليين والرفات" التي تطلب إعادتهم الى كيان الاحتلال كشرط أساسي للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، دون الاعتبار لمئات جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب، أسرى أم غير أسرى، الذين يحتجزهم كيان الاحتلال في ثلاجاته أو في مقبرة الأرقام.

تهدّد صفقة القرن حياة الأسرى وحقوقهم المشروعة (السياسية والمعيشية) كما تهدّد حقوق الشعب الفلسطيني، ليس فقط بتحديد الشروط والإستثناءات التي وضعتها للإفراج عنهم، بل بالسكوت عن أوضاع السجون الصهيونية وحق الدفاع عن النفس لدى الأسرى، وتغييب الحماية الدولية التي يجب تأمينها لهم.

تكرّس وثيقة الصفقة المشؤومة ليس فقط القمع الصهيوني لأسرى عزّل، بل الإفلات من المساءلة الدولية (أن وجدت يوما ما) لعدم تطبيق القانون الدولي الإنساني في سجون الكيان الاستعماري، كما تؤيد ضمنا سياسة الاستهتار بحياتهم وصحتهم، وخاصة في مواجهة جائحة كورونا.

لقد منحت وثيقة صفقة القرن الصفة الشرعية لكل ما يقوم به الصهاينة في سجونهم بحق الأسرى الفلسطينيين وقدّمت لهم الدعم المعنوي والسياسي لكل إجراءاتهم الإرهابية، في سجونهم وخارج سجونهم. لم ينتظر الصهاينة هذه الصفقة للتنكيل بالأسرى وإلغاء حقوقهم الإنسانية، وخاصة حقوق الأطفال منهم، بسبب غياب الحاضنة العربية والإسلامية للشعب الفلسطيني المقاوم وتواطؤ المجتمع الدولي مع الاحتلال.

في ظل عدم توفّر هذه الحاضنة التي قد تساهم في الضغط على الاحتلال، رفعت المقاومة الفلسطينية صوتها وأبدت استعدادها للتصدي للاستهتار الصهيوني المتعمد بحق الأسرى، لحمايتهم من جائحة الكورونا، ولإرغام العدو على فك الحصار الظالم عن مليوني مواطن في قطاع غزة.

بعد "سنقطع التنفس" عن المستوطنين الصهاينة (يحيى السنوار) و"لن نموت وحدنا" و"على العدو أن يختار بين الملاجئ ..أو إنهاء الحصار والاستجابة لإطلاق سراح أسرانا" (القائد زياد النخالة)، يبدو ان قادة الاحتلال قد فهموا رسالة المقاومة.

هل سيتحركون سريعا لإنقاذ الأسرى المرضى والجرحى والأطفال وكبار السن، أم سيناورون ويكذبون ويواصلون المفاوضات مع الأسرى لكسب الوقت ؟ إن غرق الولايات المتحدة التي تحمي الكيان الصهيوني، في مشاكلها الداخلية، قد يكون الوقت المناسب للضغط على الاحتلال، بكافة الأدوات المتاحة، من أجل فك الحصار عن قطاع غزة وتحرير الأسرى، أو على الأقل، الفئات الأكثر تعرضا لجائحة كورونا.

انشر عبر
المزيد