"دروز في زمن "الغفلة": من المحراث الفلسطيني الى البندقية الإسرائيلية"*،

26 آذار 2020 - 01:50 - الخميس 26 آذار 2020, 13:50:47

صورة من الكتاب
صورة من الكتاب

بقلم: راغدة عسيران

رغم أهمية الموضوع، قلة هي الكتب التي تناولت دراسة "الأقلية" الدرزية في فلسطين المحتلة عام 1948، لا سيما من منظور وطني، وتفسير هذه الظاهرة الشاذة في المجتمع الفلسطيني. قد تكون أحدى أسباب هذا الخلل سيطرة الرواية الصهيونية الغربية على الموضوع والنظرة الاستشراقية التي دعمت فصل الدروز في فلسطين عن مجتمعهم العربي.

في هذا الكتاب، حاول المؤلف العودة الى جذور المسألة، وشرح الآليات التي اعتمدتها الحركة الصهيونية الناشئة، بكل فروعها، ثم كيان العدو ومؤسساته، لصناعة "أقلية درزية" منفصلة عن مجتمعها وعروبتها. هل نجح الصهاينة في هذه المهمة؟

في مقال صدر للكاتب عام 2001، ختم قائلا: "في الوقت الذي تتواصل فيه احتجاجات المثقفين الدروز ولجنة المبادرة الدرزية الى اليوم، لم يجد صناع القرار "الإسرائيليون" صعوبة لتهميش هذه "القوى السلبية". ولكن عندما ستبحث الجماعة الدرزية عن أجوبة حول المستقبل، سيكون الشعور الضمني بالمصيبة حتميا لا ريب فيه".

كيف يتم صناعة "أقلية" للسيطرة على مجتمع ما؟ ولماذا استجابت الجماعة الدرزية في فلسطين مع هذا المشروع؟ ومن هم الأفراد والعائلات الفلسطينية الدرزية التي خطفت الجماعة لصالح الاحتلال؟

يجيب المؤلف على هذه الأسئلة، بعد عرض سريع لتاريخ الدروز في المنطقة (سوريا ولبنان وفلسطين) ويقدّم تفسيرات لخصوصية واقع دروز فلسطين الذين تم استهدافهم من قبل الصهاينة، قائلا: إن "مواقف النخب الدرزية في سورية ولبنان لا ينطبق على مواقف زعماء الطائفة الدرزية في فلسطين الذين ظلوا بعيدين عن الفكر القومي والوطني والإسلامي. فخلافا لدروز لبنان وسوريا، لم تشهد القرى الدرزية في فلسطين تغيرات اقتصادية واجتماعية تساعد على ظهور شريحة قادرة على استيعاب مفاهيم وطنية وقومية. وساعد غياب هذه الشريحة المتعلمة الحركة الصهيونية في سعيها لتحييد الدروز في الصراع الفلسطيني – الصهيوني قبل 1948.." (ص 25) ويضيف أنه لم تظهر عائلات قيادية على غرار عائلات دروز منطقتي جبل لبنان وجبل حوران. في فلسطين، بقي نفوذ العائلات، حتى فترة الانتداب، محصورا في حدود السياسة القروية للطائفة.

يبطل هذا التفسير المنطقي ما ذهب اليه الصهاينة من اختراع أسباب دينية وثقافية لتفسير واقع الدروز، ليس فقط في فلسطين، بل في المنطقة، بالحديث عن "التقية" عند هذه "الأقلية المقهورة" في الوسط العربي والإسلامي، التي اضطرت الى إخفاء مشاعرها والمشاركة في المعارك الوطنية والقومية، للمحافظة على نفسها، كما يروّج الباحثون الصهاينة عند حديثهم عن الطائفة الدرزية، في محاولة التقرّب منها ومقارنة وضعها بوضع اليهود في العالم.

يجيب المؤلف فرّو على هذه الافتراءات حول الدروز ويعود الى مصادرها، ويكشف عن العملية الانتقائية للمصادر التاريخية التي استعملها الصهاينة لتزوير التاريخ والثقافة والدين، من أجل فصل الجماعة الدرزية في فلسطين عن مجتمعها.

تكمن أهمية الكتاب في اعتماد المؤلف على الأرشيف الصهيوني "بحذر"، كما وضّح في مقدمة كتابه، قائلا: "تعاملت مع الأرشيفات "الإسرائيلية" بحذر شديد من منطلق أن الأرشفة، في حد ذاتها، هي عملية انتقائية محكومة باهتمامات ورغبات فريق مشتغل فيها، وهي بالتالي، لا تنقل الأحداث كما جرت في الماضي، بل تنقل أوصاف أحداث" (ص 1)، ثم يضيف "أن المواد الأرشيفية "الإسرائيلية"... هي أوصاف أحداث، تمتزج فيها نوازع واهتمامات واصفيها المتأثرين بالسياقات السياسية والثقافية التي عملت فيها الحركة الصهيونية على تحقيق أهدافها..". من خلال دراسة هذ الأرشيفات واستعانته بالشهادات الشفهية لتصويب ما حدث فعلا، تمكّن المؤلف من تفكيك الرواية الصهيونية، وفضح الأكاذيب التي من خلالها استطاع الصهاينة تمزيق المجتمع الفلسطيني وفصل الدروز عن مجتمعهم العربي.

يشير المؤلف الى أن دروز فلسطين يسكنون حاليا في 18 بلدة، أغلبها في الجليل والكرمل. في العام 1950، بلغ عدد السكان الدروز 14,400 نسمة، وفي العام 2015، بلغ عددهم 115,300 نسمة، أي أنهم يشكلون اليوم أقل من 10% من فلسطينيي 48.

يقسّم المؤلف تعامل الصهاينة مع الدروز في فلسطين الى فترتين، الأولى ما قبل النكبة (بما فيها حرب 1948) والثانية بعد إقامة الكيان الصهيوني. لقد سعت الحركة الصهيونية، في ظل الاحتلال البريطاني، الى تحييد الدروز عن الصراع "الفلسطيني – الصهيوني"، من خلال العلاقات التي أقامها ممثلو الحركة الصهيونية مع بعض الأفراد الدروز، ومن خلال إرسال بعض المتعاونين معها الى جبل الدروز لاستصدار موقف محايد من الصراع، من القيادة الدرزية في سوريا، لا سيما من القائد سلطان باشا الأطرش، ومنع المتطوّعين الدروز من سوريا ولبنان من المشاركة في الثورة الفلسطينية. في الوقت ذاته، كان قسم من الحركة الصهيونية يجهّز لمشروع نقل دروز فلسطين الى جبل حوران، بعد عملية شراء أراضيهم. سقط المشروع كما سقطت كل محاولات الصهاينة لجرّ دروز المنطقة الى التعاون معهم من "أجل حماية دروز فلسطين".

 بعد إقامة كيان العدو، تمثلت الخطة الصهيونية بالسعي الى فصل الدروز عن الفلسطينيين، عبر عدة وسائل، كانت أولها إقامة "وحدة الأقليات" في جيش العدو خلال حرب 1948، ثم التجنيد الإجباري (1957)، ثم فصل الطائفة الدرزية عن المسلمين باختراع أعياد دينية خاصة بهم (تحريف معنى زيارة مقام النبي شعيب وتغيير طقوسها) ومنعهم من المشاركة في عيد الأضحى، فأصبحت الطائفة الدرزية مستقلة، وتم تسجيل كلمة "درزي" بدلا عن "عربي" على بطاقة الهوية، ثم فصل التعليم الدرزي عن العربي (1977) ووضع مناهج تربوية خاصة للطائفة الدرزية في المدارس، ثم صناعة وعي "درزي" من خلال التعليم، واختراع تاريخ وفلكلور وديانة وأدب خاص بالدروز.

كان هاجس الصهاينة ألا تتشكّل "أقلية عربية" تضم الفلسطينيين كلهم، فعملوا على تجزئة هذه "الأقلية" الى "أقليات" باختراع روايات وأساطير تقرّب الدروز من اليهود بشكل عام ومن الصهاينة بشكل خاص. والأهم من كل ذلك، فقد حوّلوا دروز فلسطين من فلاحين الى حاملي البندقية الصهيونية، بعد تجريدهم من أراضهيم حيث لم يعد يملكون إلا 1% منها في العام 1990، وتوظيفهم في الدوائر الصهيونية المختلفة، ولكن في المراتب المتدنية، بسبب عدم حيازتهم على شهادات عليا، وفقا لمشيئة الصهاينة.

اصطدم تعاون بعض الدروز في فلسطين (عائلة ابو ركن، منذ الاحتلال البريطاني الى اليوم، على سبيل المثال) مع المشروع الصهيوني والصهاينة بمعارضة نخبة درزية، دينية وثقافية وسياسية، وضعت عراقيل أمام مسار التعاون، منذ بدايته، وما زالت تواجه الى الآن إلحاق الطائفة بالكيان وبمخططاته. في كل مراحل التعاون، وعلى مستويات مختلفة، تحركّ الوطنيون الدروز من أجل العودة الى تاريخهم وثقافتهم العربية. لقد شاركت مجموعات من الدروز في ثورة 1936-1939، ثم في حرب 1948، ورفضت مشروع التجنيد الإجباري وما زالت، كما رفض الأساتذة فصل المناهج التربوية عن المناهج العربية وأكّد المثقفون (الشاعر الراحل سميح القاسم الذي سجن بسبب مواقفه الوطنية) على انتماء الجماعة الدرزية الى الوطن العربي والأمة الإسلامية، وخلال انتخابات الكنيست الصهيوني، كان أحيانا يتراجع التصويت للوائح الصهيونية لصالح لائحة الحزب الشيوعي الذي كان يمثل التوجه الوطني في الداخل.

يحتوي الكتاب على معلومات دقيقة عن الحوادث التي استغلها الصهاينة لفصل الدروز عن المجتمع الفلسطيني، حيث قام المؤلف بالتحقيق فيها (حادثة الاعتداء على دالية الكرمل وعسيفا عام 1938 ومعركة هوشة والكساير عام 1948 ومعركة يانوح التي أسست لما سماه الصهاينة "حلف الدم") ليبيّن الدعاية الكاذبة التي روجّتها الحركة الصهيونية، وعن محاولات هزّ ثقة العرب بالدروز إجمالا واعتبارهم "أصدقاء اليهود". ذكر أيضا الكاتب كيف استغل الصهاينة صراع الزعامات الدينية (ضد عائلة الطريف أحيانا عن طريق إيجاد زعامة دينية أكثر تجاوبا معهم)، والتدخل في الانتخابات المحلية و"البرلمانية" من أجل فوز الأكثر فسادا، كما كشف هشاشة المنهاج التعليمي الدرزي المبني على أساطير والمعدّ من أجل إبقاء أبناء الطائفة الدرزية دون المستوى التعليمي اليهودي.

خلافا لخاتمة المقالة عام 2001، يبدو المؤلف أكثر تفاؤلا حول الحركة الوطنية الدرزية في فلسطين، لا سيما التحركات الشبابية الرافضة للتجنيد الإجباري التي ظهرت في العقد الأخير وصعود الوعي الوطني والقومي داخل الطائفة والتمرّد على سيطرة بعض العائلات المتنفذة في بلدات فقدت معظم أراضيها وأصبحت تعاني، كسائر البلدات الفلسطينية في الداخل، من ضيق المسطحات للبناء والتوسع الطبيعي. إلا أن صعود هذا الوعي القومي والوطني مرهون أيضا بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال الذي يفضح مشاركة ضباط من الطائفة الدرزية في قمع وقتل الفلسطينيين، كما هو مرهون بإعادة تصويب البوصلة في الدول العربية المجاورة نحو الصراع مع الكيان الصهيوني.

*للكاتب الراحل قيس ماضي فرّو/ مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019.

انشر عبر
المزيد