ملاحظات وتساؤلات حول "القائمة العربية المشتركة" ووظيفتها السياسية

23 آذار 2020 - 03:21 - الإثنين 23 آذار 2020, 15:21:05

B186C9D8-FB5D-4F2D-8846-F2BB8A6624C7
B186C9D8-FB5D-4F2D-8846-F2BB8A6624C7

بقلم: راغدة عسيران
سجلّت "القائمة العربية المشتركة" في انتخابات الكنيست الصهيوني الأخيرة (2 مارس/آذار 2020) ارتفاع عدد ناخبيها وتمكّنت من الحصول على 15 مقعدا، تتقاسمها الأحزاب المشاركة في القائمة، وهي: "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، بقيادة أيمن عودة (5 مقاعد منها مقعد لقيادي يهودي في الحزب الشيوعي "الإسرائيلي")، و"القائمة العربية الموحدة" الذراع السياسي للحركة الإسلامية – الشق الجنوبي" بقيادة منصور عباس (4 مقاعد)، و"الحركة العربية للتغيير" بقيادة أحمد الطيبي (3 مقاعد)، و"حزب التجمع الوطني الديمقراطي" بقيادة امطانس شحادة (3 مقاعد). حظيت القائمة المشتركة، للمرة الثانية منذ تأليفها عام 2015، بالمرتبة الثالثة بين الأحزاب "الإسرائيلية" المشاركة في هذه الانتخابات. 
تطرح مشاركة الأحزاب الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948 في انتخابات مؤسسة صهيونية جملة من الملاحظات والتساؤلات حول مكانة هذه الأحزاب في الصراع العربي الصهيوني ونظرتها الى وظيفتها في الفترة الحالية. 
تعد المشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني نوعا من التطبيع مع الكيان، كونه يرتكز على "المواطنة"، إذ كما يوضّح الباحث رائف زريق، "إن مطلب المواطنة بحد ذاته، والمطالب المشتقة منه، يعنيان التطبيع مع الدولة، في حين أن هناك مشروعا فلسطينيا يدعو الى عدم التطبيع مع دولة "إسرائيل". الفلسطينيون في الداخل مطلبهم التطبيع، شاؤوا أم أبوا، هذا مضمّن في خطاب الحقوق" (مجلة الدراسات الفلسطينية، شتاء 2020)، مستثنيا من تحليله فئة الفلسطينيين الذين لا يشاركون في الانتخابات ولا يتعاملون مع الاحتلال ك"مواطنين" إلا عند الضرورة. 
تعتبر بعض الأصوات الحزيبة المشاركة في القائمة أن عليها الانتقال من "سياسات التمثيل" الى "سياسات التنظيم"، باعتبارها تمثل المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، أي أن عليها أن تؤدي "دورا أكبر في تنظيم المجتمع في المرحلة القادمة في شتى المجالات السياسية والاجتماعية وغيرها" (تقدير موقف، مركز مدى الكرمل، المقرّب من "التجمع الوطني الديمقراطي"، آذار 2020)، و"تحويلها الى جسم قيادي حقيقي وفاعل وسط أبناء شعبنا... كونها إطارا جامعا للقوى السياسية وللفلسطينيين في الداخل"  (هبة يزبك). 
تنبع هذه المقترحات من نشوة الفوز في الانتخابات، دون تقدير أو على الأقل الالتفات الى أن "القائمة المشتركة" لا تمثل المجتمع الفلسطيني في الداخل، حيث أن حوالي 30% من الناخبين الفلسطينيين قاطعوا التوجه الى صناديق الاقتراع، بسبب موقفهم المبدئي من الكنيست، وأن صعود عدد الناخبين جاء من جراء تصويت أعداد متزايدة في المجتمع الاستيطاني "الإسرائيلي" للقائمة المشتركة، كما أشارت اليه نتائج الانتخابات. إضافة الى التقليل من شأن الأحزاب والجمهور المقاطع في المجتمع الفلسطيني، تشكّل هذه الاقتراحات قفزة باتجاه تهميش دور "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية"، التي تنتظر ترتيب شؤونها لتتولى مهامها، وهي التنظيم "في شتى المجالات، السياسية والاجتاعية وغيرها"، كونها تمثل الى حد كبير (على الأقل أكثر من القائمة المشتركة) المجتمع الفلسطيني بالداخل. والعراقيل التي توضع أمام إعادة تفعيل طلجنة المتابعة" لها علاقة بالوظيفة المرتقبة للقائمة، كما يتصورها المشاركون فيها.
تزايد عدد المصوّتين اليهود الليبراليين للقائمة المشتركة يدلّ من جهة على أزمة المجتمع الاستيطاني، حيث 
أن شريحة منه فضّلت التصويت لقائمة فلسطينية بدلا من لائحة مكوّنة من ائتلاف انتخابي "يساري" يضم مستوطنين عنصريين من أجل كسب أصوات إضافية. 
ومما لا شك فيه أن مجرّد وجود "القائمة المشتركة" عمّقت الأزمة السياسية الصهيونية بكل اتجاهاتها، من "اليمين المتطرف" الى "اليسار"، إذ اعتبر اليمين الصهيوني أن "القائمة المشتركة" (الفلسطينية "الإرهابية") تتحكّم بتشكيل الحكومة الصهيونية، في حين أبدى "اليمين" الآخر (اتئلاف أزرق – أبيض) انزعاجه من تعيينه لرئاسة الحكومة من قبل "القائمة المشتركة"، مع أنه بحاجة الى هذا التعيين للتصدي لنتنياهو.
 ولكن من جهة أخرى، ماذا قدّمت "القائمة المشتركة" من تنازلات سياسية من أجل كسب أصوات الناخبين اليهود "الديمقراطيين"؟ هل كما يقول عضو "حزب الوفاء والإصلاح"، المشارك في المقاطعة، المحامي زاهي نجيدات، أن "الخطاب السياسي على صعيد الداخل يشهد هبوطا حادا وخطرا وانحسارا نحو الأمور المطلبية بفعل الإنغماس بلعبة الكنيست" (موقع موطني 48)؟ عندما يعتبر أيمن عودة، رئيس "القائمة المشتركة"، أنه "في بلد يعيش فيه شعبان، يجب إيجاد المعادلة الديمقراطية التي تجمع الديمقراطيين وأصحاب القيم من الشعبين"، أين يضع اللاجئين الذين تم استبدالهم بـ"الشعب" الآخر ؟ وهل تقتصر وظيفة قائمة فلسطينية على تعميق أزمة الصهاينة، بدخولها الى الكنيست، في الوقت الذي تساهم المقاومة الفلسطينية، من ناحيتها، في تعميق هذه الأزمة دون تقديم تنازلات، بل بتضحياتها، كما شهدت الأشهر الأخيرة قبل انتخابات الكنيست، من تخبط في التصريحات والمزايدات حول قطاع غزة ؟
يعتبر باحثون وسياسيون أن مؤيدي المقاطعة لم يقدّموا برنامجا عمليا خلال حملتهم ولا بدائل عن التصويت، بل اكتفوا بالتذكير بمساوئ الكنيست وتاريخه الاستيطاني والعنصري، أي أن لغتهم كانت "خشبية"، يردّدون موقفهم المبدئي من هذه الانتخابات دون تقديم أي بديل. تشير هذه الملاحظة الى الأزمة السياسية التي شملت معظم الأحزاب والحركات الفلسطينية، في الوطن واللجوء، ومنها التي تشكّل القائمة المشتركة، التي فشلت منذ 2015، على الأقل، من تقديم برنامج سياسي شامل ينهض بالمجتمع الفلسطيني بالداخل ويتيح له من جهة التصدي للحركة الصهيونية وإعادة ترتيب "لجنة المتابعة"، ومن جهة أخرى التواصل البنّاء مع المكوّنات الأخرى في الوطن واللجوء، في حين يطالب المقاطعون إعادة إحياء دور "لجنة المتابعة العليا" وتنظيم شؤونها، كونها تمثل المجتمع الفلسطيني في الداخل، وهذا ما يثير تحفظ بعض المشاركين في "القائمة المشتركة".
لا تنكر الأحزاب المشاركة في "القائمة المشتركة" أنها استفادت من الأموال الطائلة التي قدمتها جمعيات يهودية صهيونية أميركية وغيرها لجمعيات فلسطينية للتأكيد على "المواطنة الإسرائيلية" في الوسط الفلسطيني ودعم "القائمة المشتركة" في حملتها الانتخابية، في حين تشهد الساحة الفلسطينية الأخرى، المقاطعة للانتخابات، الملاحقات السياسية من قبل الأجهزة الصهيونية، وشتى المضايقات، إضافة الى الاتهامات ب"تأييد نتنياهو" التي أطلقتها أحزاب "القائمة المشتركة"، كما لفت اليه بيان "لجنة المتابعة" الذي شدّد على أن "أهم مقدمات العمل الوحدوي يكمن في احترام التعددية الفكرية والسياسية والعقائدية في مجتمعنا العربي ويجب التوقف والتخلص من مظاهر الاسفاف التي ظهرت مؤخرا في بعض زوايا حياتنا. فمن يشارك في الانتخابات البرلمانية من أبناء شعبنا لا يمكن أن يكون جزءا من الهيكيلية الصهيونية ومن يقاطع الانتخابات من أبناء شعبنا لا يمكن أن يكون جزءا من منظومة خدمة اليمين." .
لا شك بأن الأحزاب المكوّنة لـ"القائمة العربية المشتركة" لها تاريخ وطني نضالي، رغم الاعتراف بالكيان 
الصهيوني الاستيطاني من قبل الحزب الشيوعي الذي شارك منذ اللحظة الأولى (1949) في هذه الانتخابات واعتبر نفسه حزبا "إسرائيليا" غير صهيوني، مناهضا للإمبريالية و"الرجعية العربية".أما الأحزاب الأخرى، فمنها من يؤيد وهم "حلّ الدولتين" الى جانب الحزب الشيوعي والسلطة الفلسطينية، ومنها (التجمع) المتأرجح بين "حلّ الدولتين" و"حلّ الدولة الواحدة" بصيغة "شعبين" أو "المواطنة المتساوية"، مع غياب مسألة التحرير. 
ترفض "القائمة المشتركة" "صفقة القرن" والشق المتعلق بالمثلث، لأن "الصفقة" تلغي اتفاقيات أوسلو و"حلّ الدولتين"، كما ترفضه السلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية، وكما ترفضه بعض الأصوات الصهيونية الليبرالية. ينتقد بعض المحلّلين السياسيين رفع شعار "إسقاط نتنياهو" و"إسقاط الفاشية" من قبل "القائمة المشتركة"، للتقرّب من الجمهور الصهيوني، رغم عنصريته الدفينة، كون هذه الشعارات لا تكلّف شيئا، كونها شعارات أجمعت عليها مكوّنات أساسية من المجتمع الاستيطاني، التي تعتبر كيانها "دولة ديمقراطية يهودية". وما رفض رفع الأعلام الفلسطينية في التجمعات المشتركة مع الصهاينة ضد "قانون القومية"، قبل شهور، إلا دليلا إضافيا على الإنزياح نحو "مواطنة مبتورة" فقدت الكثير من الثوابت الوطنية.
تعيش الأحزاب الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948، لا سيما المشاركة في "القائمة العربية المشتركة"، أزمة سياسية ناتجة عن غياب مرجعية فلسطينية جامعة توحّد النضال الفلسطيني في كل الساحات وترتّب أولويات كل ساحة بالتكامل مع الساحات الأخرى. لقد انكمشت هذه الأحزاب على ساحتها، دون رؤية شاملة لمجمل القضية الفلسطينية ولكيفية المساهمة في النضال العام. 
الانخراط في الكنيست الصهيوني لا يخدم إلا السلطة الفلسطينية ومشروعها المبني على وهم "حلّ الدولتين" في حين أن النضال الجماهيري من أجل الحرية والأسرى والسكن والدفاع عن المقدسات والعودة الى القرى المهجرة، إضافة الى تمكين انتماء المجتمع الى شعبه وأمته وعلاقته مع المكوّنات الفلسطينية الأخرى، قد يساهم في بلورة برنامج وطني شامل لمواجهة كيان العدو وداعميه. 
هل يمكن التوفيق بين "المواطنة الإسرائيلية" والمشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني من جهة وبين النضال الجماهيري ومشاركة الكل الفلسطيني ببرنامج سياسي جامع يعيد طرح القضية من أساسها، من جهة أخرى ؟

انشر عبر
المزيد