الأمن الصحي في الإسلام

17 آذار 2020 - 10:10 - الثلاثاء 17 آذار 2020, 22:10:01

قلم
قلم

بقلم: الشيخ الدكتور طارق رشيد

حرص الإسلام على حفظ النفس، وجعله مقصداً من أهم مقاصده، واهتم بصحة الأبدان لأن حياة الإنسان متوقفة عليها، قال النبي : "فإن لجسدك عليك حقاً"(1) ، فمن حق الجسد عليك أن تؤكله وتشربه ما ينفعه وتبتعد عما يضره، وتقيه الأمراض، وتداويه إذا مرض. وحرَّم كل ما يتسبب بهلاك الإنسان أو ضعفه، قال  : "لا ضرر ولا ضرار"(2). وأوصى بالتداوي وضمن لنا وجود الدواء بعد بذل الجهد في الوصول إليه، قال  : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً"(3).

وفي هذه الأثناء التي يجتاح فيها وباء "كورونا" العالم بسرعة وسهولة، ودون أن تظهر على المريض أعراض أنه مصاب به في كثير من الأحيان، فينقل العدوى إلى الناس، وإعلان منظمة الصحة العالمية أن هذا الوباء أسوأ أزمة صحية تواجه العالم، وعدم توفر الدواء الناجع للعلاج، فنحن في أمس الحاجة لمعرفة رأي الإسلام بالتعامل مع هكذا نازلة. وبعد البحث الطويل، وسؤال المختصين تبين لنا ما يلي:

أولاً: الابتعاد عن المرضى المصابين بهذا الداء الخطير لقوله  : "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"(4). وقد بايع النبي رجلا مجذوماً بالسلامة دون المصافحة، فعن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي إنا قد بايعناك فارجع"(5).

ثانياً: الحجر الصحي لحصار المرض، وعدم انتشاره؛ فلا يخرج الإنسان من بيئة موبوءة إلى سليمة، ولا يدخل في بيئة موبوءة وهو في بيئة سليمة لقول النبي  : "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها"(6). وقال رسول الله : لا يُوردنَّ مُمرِضٌ على مُصِحِّ"(7). وعندما أصاب الطاعون الشام ومات فيه كثير من أشراف الصحابة والمسلمين واستُخلف عمر بن العاص، قام فيهم خطيباً فقال: أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنَّما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال. ثم خرج وخرج الناس فتفرَّقوا، ودفعه الله عنهم. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه"(8).

ثالثًا: الالتزام بالإرشادات الصحية المُوصى بها من قِبل الأطباء وأهل الاختصاص للحدّ من تفشي المرض، مثل عدم التقبيل والمصافحة، وغسل اليدين بانتظام واستخدام المحلول المُعقِّم، وتفادي التواجد مع حشود من الناس، حفاظًا على النفس والمجتمع وطاعة لأُولي الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[النساء: 59].

رابعًا: تعليق صلاة الجمعة والجماعة؛ لأنَّ حفظ النفس البشرية من الهلاك والأمراض والمخاطر وصيانتها من مقاصد الشريعة الإسلامية. والدليل على هذا ما رُوي عن عبد الله بن عباس، أنَّه قال لمؤذنه في يوم مطير: "إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حيّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم"، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: "أَتعجبون مِن ذا، قد فعل ذا مَن هو خير منّي، إنَّ الجمعة عَزْمَة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدَّحَض"(9).

فقد بيَّن الحديث أنَّ النبي   رخَّص للناس في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد، ولا شك أن هذه الرخصة في الوباء أَولى؛ لأنه يؤدي إلى هلاك النفوس أو وقوعها في المرض أو الخوف الشديد نتيجة عدم توصل العلماء حتى الآن إلى دواء لهذا الفيروس.

وبعد استقراء النصوص الشرعية خلص الفقهاء إلى أنَّ المرض، أَو الخوف على النفس أو المال أو الأهل رُخَصٌ تبيح ترك صلاة الجمعة، أو الجماعة لقول النبي  : "مَن سمع المنادي فلم يمنعه من اتِّباعه عذر"، قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض"(10).

نسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يرفع عنّا هذا الوباء، ويحفظ بلادنا وأهلنا وإخواننا وأبناءنا من كل مرض ومكروه.

 ( ) صحيح البخاري: 3/39.

(2) سنن ابن ماجه: 2/784.

(3) صحيح البخاري: 7/122.

(4) مصنف ابن أبي شيبة: 5/142.

(5) صحيح مسلم: 4/ 1752.

 (6) صحيح البخاري: 7/ 130.

(7) صحيح البخاري: 7/ 138.

(8) البداية والنهاية، ابن كثير: 7/ 79.

(9) صحيح البخاري: 2/6. عزمة: واجبة. الدَّحَض: الزَّلل والزَّلق.

(10) سنن أبي داود: 1/151.

*مسؤول اللجنة الثقافية في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان

انشر عبر
المزيد