الاستيطان.. نسف ممنهج للدولة الفلسطينية

09 آذار 2020 - 06:40 - الإثنين 09 آذار 2020, 18:40:14

بقلم: حلمي موسى

في حمى المعركة الانتخابية في الكيان، أطلق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هيستيريا الاستيطان؛ بعد أن نال التشجيع الأمريكي الواسع. وأعلنت حكومة نتنياهو خلال الأسبوعين الأخيرين عن مخططات؛ لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

من بين أخطر هذه المخططات بناء 3500 وحدة استيطانية في منطقة «E1» بين «معاليه أدوميم» والقدس المحتلة؛ لفصل شمالي الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها في تحد ٍصارخ للقرارات الدولية؛ وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم (2334). وسلم المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة، رياض منصور، رسائل عاجلة من السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن المناوب؛ حول مواصلة الكيان نشاطه الاستيطاني المسعور.

اليمين الصهيوني برئاسة نتنياهو سعى بكل السبل؛ لحسم نتائج الانتخابات عن طريق تحشيد قوى هذا اليمين خلف مخططات الاستيطان. ويأتي هذا الجهد المسعور؛ بعد أن عرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يُعرف ب«صفقة القرن» التي تشرعن الاستيطان، وتقتل جوهرياً «حل الدولتين». وجاء هذا الإعلان متزامناً مع مصادقة ما يُعرف ب«المجلس الأعلى للتخطيط»، التابع للإدارة المدنية الصهيونية في الأراضي المحتلة على مخطط بناء 2200 وحدة؛ لتوسيع مستوطنة «هار حوما» على جبل أبوغنيم، و3000 وحدة أخرى في مستوطنة "جفعات همتوس".

وقال نتنياهو عند زيارته مستوطنة «هار حوما»: «عندي اليوم بشرى عظيمة. نحن سنضيف 2200 وحدة سكنية أخرى إلى «هار حوما». أقمت هذا الحي في 1997 عندما انتخبت لأول مرة لرئاسة الوزراء، ضد معارضة كل العالم. يوجد اليوم هنا نحو 40 ألف نسمة، والآن نحن سنضيف 10 آلاف نسمة. «هار حوما» هنا ستكون مع 50 ألف نسمة، مثل مدينة متوسطة في «إسرائيل»، فقط حي واحد في القدس"».

ومعروف أن البناء الاستيطاني في كل من «معاليه أدوميم» و«جفعات همتوس» كان يصطدم بمعارضة دولية واسعة، استجلبت استصدار قرارات من مجلس الأمن على رأسها القرار رقم  (2334) .

ولا تهدف مخططات توسيع هذه المستوطنات إلا لإحداث فصل تام بين أجزاء الدولة الفلسطينية المستقبلية (الموهومة) من جهة، ومنع التواصل بين المناطق الفلسطينية (المحتلة) والقدس من جهة أخرى.

ولم تقتصر قرارات الاستيطان الأخيرة على منطقة القدس ومحيطها؛ بل تعدتها إلى إطلاق يد الاستيطان في مناطق أخرى، وإضافة إلى ما سبق، تقرر إنشاء 741 وحدة استيطانية في مستوطنات «هار براخا» و«عيلي» جنوبي نابلس، ومستوطنة «بسغات زئيف» شمالي القدس. وإنشاء منطقة صناعية استيطانية جنوبي قلقيلية قرب مستوطنة «شومرون» على مساحة ثلاثة آلاف دونم. ويهدف تخصيص هذه المنطقة إلى جعلها منطقة صناعية تخدم «تل أبيب» ومحيطها؛ لقربها من الطريق السريع رقم (5) وخط سكة الحديد، وسهولة ربطها بالموانئ البحرية. وفضلاً عن ذلك أقرت الإدارة المدنية للاحتلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مستوطنات ألون موريه ومعاليه شومرون ونوكديم وتسوفيم وشيفوت راحيل قرب بيت لحم.

وتسابق مع نتنياهو في توسيع الاستيطان، وزراء في حكومته من كل مكونات الطيف اليميني الصهيوني من وزير الحرب نفتالي بينت إلى وزيرة الإسكان يفعات شاشا بيطون. وأعلن بينت في جولة له بين المستوطنات أنه في الأسبوع المقبل ستقر لجنة التخطيط العليا في الإدارة المدنية بناء أكثر من 1900 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة المحتلة. وقال بينت: «نحن لا ننتظر، نحن نعمل. نحن لن نسلم أي سنتيمتر من أرض «إسرائيل» للعرب، ومن أجل هذا يجب أن نبني». وأشارت الوزيرة بيطون إلى أنه تمت بلورة خطط بناء عشرات آلاف الوحدات الاستيطانية ضمن خطط؛ لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.

وقد وصف المعلق نداف شرغاي خطط نتنياهو الاستيطانية في صحيفة «إسرائيل اليوم» بأنها عملية لـ«تحطيم الحلم الفلسطيني». وكتب أن «النبأ عن البناء في جفعات همتوس في القدس وتسويق ألف وحدة سكن أولى هناك، لا يقل عن بشرى استراتيجية للقدس الموحدة.

وإذا ما وضع هذا الإعلان بالفعل قيد الاختبار العملي، فإن هذا يعني أخيراً الإحباط «الإسرائيلي» للخطة الفلسطينية؛ لمنع تواصل حيي غيلو و«هار حوما»، في الحدود الجنوبية للقدس. فجفعات همتوس تقع بالضبط بينهما». كما أن نير حسون في «هآرتس» وصف إعلان نتنياهو عن مشاريع البناء في «جفعات همتوس» وE1  بأنه يشكل نقطة اللاعودة؛ إذ أنه سيحول الدولة الفلسطينية إلى أمر نظري تماماً لا قيمة له على الأرض. فالخط الذي تم رسمه بين الكيان «الإسرائيلي» والأراضي الفلسطينية (المحتلة) على خرائط كثيرة جداً منذ عام 1967؛ سيتحول إلى أمر مستحيل.

ومن المعلوم أن الإعلان عن «صفقة القرن» جاء لخدمة نتنياهو واليمين انتخابياً، وهو ما تبدى أيضاً من بدء عمل «اللجنة الأمريكية الإسرائيلية» المشتركة؛ لترسيم الحدود. وفي خطوة لا تخلو من دلالة مهمة، عقد الاجتماع الأول لهذه اللجنة في مستوطنة «أرييل». وترمي «صفقة القرن» إلى تمكين اليمين من إعلان ضم الكتل الاستيطانية، وغور الأردن، بمساحة لا تقل عن 800 كيلومتر مربع من أراضي الضفة الغربية للكيان.

في كل حال، وكما في الماضي، لقيت النشاطات الاستيطانية الصهيونية إدانات دولية واسعة، وخصوصاً من الاتحاد الأوروبي الذي طالب بوقف هذه المشاريع التي تهدد «حل الدولتين». وحذر وزير خارجية الاتحاد، جوزيف بوريل من أن التوسعات الاستيطانية هذه ستقطع التواصل بين القدس ومحيطها الفلسطيني، وستعزل الفلسطينيين، وأن هذه الخطط تتنافى مع القانون الدولي. كما أن المبعوث الأممي، نيكولاي ميلادينوف أكد أن الاستيطان في المنطقة «E1» سيقطع الصلة بين شمالي الضفة وجنوبها؛ ما سيقوض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومن جهة أخرى، حذر 50 وزيراً ومسؤولاً أوروبياً سابقاً في بيان نشروه في صحيفة ال«جارديان» البريطانية من «صفقة القرن»، معتبرين أنها تسمح بضم مناطق فلسطينية، وتشرعن النشاط الاستيطاني غير القانوني أصلاً.

ويواجه الفلسطينيون مشاريع الاستيطان بمزيج من التصدي لها على الأرض، وملاحقة الكيان في المحافل الدولية. واصطدم الشباب الفلسطيني مع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين في العديد من المناطق؛ بينها بلدة بيتا قرب نابلس، وكفر قدوم شرقي قلقيلية وكذلك في الخليل، وبيت أمر ورام الله والبيرة. ولكن التضامن الشعبي الفلسطيني والتصدي الميداني لخطط الاحتلال لم يفرزا حتى اللحظة توجهات حقيقية نحو المصالحة الفلسطينية. وبقيت المواجهة الفلسطينية ضد الاحتلال منقسمة بين خطوات ميدانية شعبية أو عسكرية من جهة وسياسية في المحافل الدولية من جهة أخرى.

وقد لخص المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة في رسائله لرؤساء الهيئات الدولية الأعلى الموقف الفلسطيني بأن العربدة الاستيطانية هي نتيجة تشجيع الإدارة الأمريكية. وشدد على أن خطط الاستيطان هذه لا تشكل فقط خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة؛ بل إنها تعد جرائم حرب.

انشر عبر
المزيد