التطبيع بين اتفاقيات أوسلو و"صفقة القرن"

06 آذار 2020 - 12:45 - الجمعة 06 آذار 2020, 12:45:43

أوسلو و صفقة القرن
أوسلو و صفقة القرن

بقلم: راغدة عسيران

التطبيع هو اعتبار الكيان الصهيوني كيانا طبيعيا كسائر كيانات ودول العالم والتعامل معه ومع مستوطنيه على هذا الإساس. يظن البعض أن ارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، شبيه بما ترتكبه أو ارتكبته أنظمة مختلفة في العالم على مر العصور، لأنهم لم يلتفتوا الى ما يميّز هذا الكيان عن سائر الدول القمعية أو العنصرية أو الفاشية، أي الى طبيعته الاستيطانية الاقتلاعية والعدوانية، الذي يتخذ من أساطير وروايات مزوّرة تبريرا لوجوده ولممارساته الإجرامية.

بالنسبة لكثير من الدول والمنظمات والأفراد، يمكن إدانة هذا الكيان وممارساته، وحتى مقاطعة منتجاته وعدم الاستثمار ببنوكه وشركاته، والضغط عليه لتغيير مساره، دون نفي شرعية وجوده. من هذا المنطلق، تعتبر كثير من دول العالم، ومنها دول عربية وإسلامية، مطبّعة، لأسباب مختلفة، منها ضغط الدول الداعمة للحركة الصهيونية عليها أو حفظا لمصالحها الآنية، أوالامتثال بما يسمى "الشرعية الدولية" أو عدم الثقة بامكانية زوال هذا الكيان، في ظل الهيمنة الأميركية الغربية على العالم.

لم تكن اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني أول خطوة في مسار التطبيع، لكنها شجعت الدول عليه، وأعطت مبررا للدول والمؤسسات والشخصيات المترددة للمضي في هذا المسار، بعد اعترافها بشرعية وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

اتخذ التطبيع أشكالا عديدة بعد اتفاقيات أوسلو، وإشاعة وهم السلام معه ووهم "حلّ الدولتين"، الدولة الفلسطينية (أقل من 25 % من أرض فلسطين) الى جانب الكيان الصهيوني. تعاملت السلطة الفلسطينية مع قيادة الكيان وبعض أحزابه على هذا الأساس، تحت رعاية المجتمع الدولي، الذي شجّع السلطة على قمع المقاومة وملاحقتها، وشجّع المجتمع الفلسطيني على التطبيع المجتمعي عبر منظمات المجتمع المدني بحجة السير نحو "السلام" و"الاعتراف بالآخر".

لقد ركّزت المنظمات الدولية، التابعة للأمم المتحدة وغيرها، على تغيير الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، من خلال تغيير المناهج التربوية، والدعوة الى مؤتمرات وندوات علمية وثقافية تشارك فيها الوفود الصهيونية الى جانب الوفود العربية، من أجل "التعارف" و"التعاون"، كما يتم الآن بين الحين والآخر في دولة المغرب. وسياسيا، وقّع النظام الأردني اتفاقية وادي عربة، الذي أفسح المجال لبلورة خطط ثلاثية اقتصادية (الأردن، السلطة الفلسطينية، الكيان الصهيوني) لاختراق المنطقة ونهب خيراتها.

رغم تبدّد وهم "السلام" بعد انتفاضة الأقصى، إذ لم تكن اتفاقيات أوسلو لدى قادة الكيان ومستوطنيه إلا خطوة لمواصلة الاستيطان والتهويد، استمر التطبيع العربي عبر "المجتمع الدولي" الذي اشترط لدخول "النادي" العالمي (منظمة التجارة وغيرها) الانسحاب من المقاطعة العربية للشركات العالمية التي تتعامل مع كيان العدو، وتغيير المناهج التربوية وصياغة إعلام "متسامح" والتخلي عن دعم المقاومة، ودعم "الشرعية" الفلسطينية المتمثلة بالسلطة، عبر القنوات الدولية.

يرتكز التطبيع، بعد "أوسلو"، على "حلّ الدولتين"، الذي تتمسك به السلطة والأردن وغيرها من الدول العربية، الى جانب تيار "المواطنة الإسرائيلية" في المجتمع الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948. لقد ركّز هذا التيار جهوده على دخول الكنيست الصهيوني بدلا من صياغة برنامج وطني للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، من أجل التصدي للهجمة الشرسة الصهيونية، التي طالت الأحزاب العربية والإسلامية والعمل المؤسساتي الوطني.

أثار "الربيع العربي" موجة أخرى من التطبيع، بسبب الأزمات السياسية والأمنية التي عصفت بعدد من الدول العربية، فضاعت البوصلة التي تشير الى فلسطين، فتواصلت أحزاب وشخصيات سياسية عربية بالكيان ووعدت بالاعتراف به، باعتبار أن هذا الاعتراف سيؤمن لها التقارب من البيت الأبيض، كما صرّح مؤخرا رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، بعد لقائه مع رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو. وأعلنت دول وقوى سياسية عداءها للجمهورية الاسلامية في إيران، والتقارب مع العدو الصهيوني وعقد اتفاقيات أمنية معه (شراء أسلحة ومعدات تجسس، مناورات عسكرية مشتركة)، في حين أقدمت جوقة من المثقفين والكتاب لإعادة كتابة التاريخ لصالح الحركة الصهيونية وشرعنة استيلائها على المقدسات الإسلامية في فلسطين.

مهّدت هذه الحقبة لـ"صفقة القرن" بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونلد ترامب، الذي منح القدس المحتلة للصهاينة، متجاوزا "الشرعية الدولية" و"حلّ الدولتين". فأصبح التطبيع خارج هذا الحلّ، أي أن المطبّعين باتوا يدعمون الكيان الصهيوني، بغض النظر عن نظرته الى الفلسطينيين، وجرائمه بحقهم، واقتحامه للمقدسات وتصريحاتة الاستفزازية ضد العرب والمسلمين.  سار هؤلاء في ركب الولايات المتحدة الداعمة الأولى لكل جرائم الاحتلال. رغم عدم فتح ممثليات ديبلوماسية (كالأردن ومصر الموقعين على اتفاقيات "سلام" مع الكيان الصهيوني)، تجازوت بعض الدول العربية (المملكة السعودية، الإمارات، البحرين، عُمان) التطبيع لتصبح العلاقة مع الكيان الصهيوني علاقة تحالف، تحت المظلة الأميركية، موجّهة ضد محور المقاومة في المنطقة.

لم يكن رفض السلطة الفلسطينية والنظام الأردني لـ"صفقة القرن" إلا مصحوبا بالتمسك بوهم "حلّ الدولتين" والاتفاقيات الموقعة مع الكيان الصهيوني، بسبب تجاوز الصفقة لدورهما ولهذه الاتفاقيات (أوسلو ووادي عربة). لقد وصف القائد المجاهد زياد النخالة (الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين) مأزقهما بالقول "وللأسف ما زالت الأوهام تقود خطى الواهمين، ويركضون في كل الاتجاهات، كالذبيحة التي تهرب في باحة المسلخ"، لأنهم لا يستطيعون الموافقة على تجريدهم من كل صلاحياتهم و"مكتسباتهم" الوهمية، ولا يريدون الالتحاق بشعوبهم المقاومة ضد الصفقة وكافة المشاريع التصفوية الصهيو-أميركية. تواصل السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني مع الاحتلال وتعتقل المناضلين والمجاهدين، وتستمر "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" لقاءاتها، ظنا منها انها ستخترق هذا المجتمع الاستيطاني العنصري. ومن جهته، يرفض النظام الأردني إلغاء صفقة الغاز (الفلسطيني المسروق) الكارثية على سيادة الأردن، والمفروضة عليه، ويشن حملة اعتقالات في صفوف الوطنيين الرافضين للتطبيع. يتم كل ذلك تحت شعار "رفض صفقة القرن".

يتمثل التطبيع على نمط "اتفاقيات أوسلو" بالإعلاميين والكتاب الذين "تحرّروا" من ثقافة شعوبهم ليمدّوا أيديهم الى "المتنوّرين" الصهاينة، مع تأكيد دعمهم لفلسطين (السلطة) و"السلام"، والإعلام العربي الذي يفتح شاشاته للمحتلين، بحجة "الموضوعية" و"التعارف". والى جانب السلطة الفلسطينية والنظام الأردني، تمثل دولة قطر هذا النمط من التطبيع الآن، حيث تستقبل المسؤولين السياسيين والأمنيين الصهاينة والفرق الرياضية الصهيونية وتتيح المجال لقادة العدو التعبير عن رأيهم في إعلامها، في الوقت الذي تقيم فيه علاقات مع السلطة الفلسطينية وتؤمن لأهل قطاع غزة المساعدات الانسانية، بالتنسيق مع قادة الاحتلال.

التطبيع الفكري الذي يمثّله مثقفون وكتاب ومدوّنون ومشايخ (أمثال شلغومي الفرنسي – التونسي) الذين يدعمون الكيان ويروّجون لأساطيره ويشرعنون لوجوده على أرض فلسطين، قد تكون أشد خطورة من أنواع التطبيع الأخرى، لأنه يحاول إختراق شعوب الأمة بعقيدتها وحضارتها وأخلاقها وتاريخها. إلا أن الممارسات الإجرامية الحالية والماضية للاحتلال تقف بوجه هذا النوع من التطبيع، لأنها تثبت يوميا وفي كل ساعة أن "إسرائيل شرّ مطلق" وأن الإعتراف بها جريمة.

انشر عبر
المزيد