الكهرباء : خط الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

28 شباط 2020 - 12:35 - الجمعة 28 شباط 2020, 12:35:05

خط الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
خط الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

بقلم: راغدة عسيران

الضفة الغربية، النقب، الجولان.  ما الذي يجمع بين هذه الأماكن المحتلة من قبل العدو الصهيوني ؟ مشاريع توليد الكهرباء أو مدّ الخطوط لترحيل سكانها الأصليين (الفلسطينيين وسوريي الجولان)، وتهويدها.

في الضفة الغربية المحتلة والمهدّدة بالضم الى كيان العدو، أعلن مؤخرا بعض أركان الاستيطان نيّتهم مباشرة العمل لإنشاء محطات طاقة صغيرة في أماكن متفرقة من الضفة، لتطوير شبكة الضغط العالي وسدّ احتياجات المستوطنين بالكهرباء. تؤشر هذه الخطوة الى الاستيلاء على مزيد من الأراضي وفق قانون "المنفعة العامة" الذي أقرّه الكنيست الصهيوني من أجل سرقة الأرض والمنشآت الفلسطينية. تنوي الخطة إنشاء محطات صغيرة في أماكن عدة، ما يعني أنه سيتم الاستيلاء على مساحات متفرقة من الأراضي التابعة لقرى وبلدات فلسطينية، من أجل إقامة هذه المحطات، وتقطيع التواصل بين هذه البلدات والقرى، لمصلحة التواصل بين المستوطنات ومحطات الكهرباء. إنشاء محطات كهربائية لتزويد المستوطنات بالكهرباء يأتي على حساب الأرض الفلسطينية وتطوير القرى والبلدات الفلسطينية واقتصادها وصحتها وحياتها الاجتماعية، حيث سيتم عزلها عن محيطها، تمهيدا لطرد سكانها، طوعا أو قسرا. تضاف هذه المحطات الكهربائية الى الطرق الإلتفافية والجدار والمستوطنات لجعل حياة الفلسطينيين صراعا من أجل الحفاظ على أدنى مستويات الحياة في وطنهم.

يدعي الصهاينة أن البلدات والقرى الفلسطينية المجاورة لهذه المحطات وللمستوطنات سيتم تزويدها بالكهرباء، ويعني ذلك أنه سيتم إلحاقها بالمستوطنات عن طريق خط الكهرباء، كما حصل قبل عقود لعدة قرى عربية في الجليل، التي فقدت القدرة على النمو والتطور وبات أهلها يواجهون تدمير قريتهم التي أصبحت "حيّا عربيا" في مستوطنة (يسمونها مدينة) صهيونية. في الضفة الغربية المحتلة، مسار التهويد والاقتلاع متواصل.

في النقب المحتل عام 1948، بعد فشل "خطة برافر" الاقتلاعية بفضل الاحتجاجات الشعبية التي استطاعت تجنيد الرأي العام العالمي، وضعت القيادة الصهيونية مخطط آخر للقضاء على الوجود الفلسطيني كليا، مخطط "الكرافانات" المؤلف من عدة مشاريع اقتلاعية، منها مشروع "الخط الكهربائي – الضغط العالي"، الذي يهدّد بتهجير نحو 15 ألف فلسطيني يعيشون في قرى السرة، وادي النعم ووادي المشاش. في المرحلة الأولى للمخطط، تم سرقة نحو 50 ألف دونم من هذه المناطق، ثم باشرت شركة كهرباء الكيان الاقتلاعي باقتحام وادي النعم وأحياء من منطقة وادي المشاش ووضع أساسات ضخمة لأعمدة الضغط العالي. تمر هذه الأعمدة بين المنازل الفلسطينية وتقطّع القرى دون أي اعتبار للسكان، وكأنهم غير موجودين، كما تخطط دوما الدوائر الصهيونية في فلسطين المحتلة. يروي أحد الفلسطينيين المتضررين من هذه الأعمدة الموجودة داخل قراهم وبين منازلهم أنه توجّه الى الشرطة الصهيونية للاحتجاج على تصرفات شركة الكهرباء، "فهددونا بهدم منازلنا قريبًا، وادعوا أننا نخالف القانون بوجودنا في قرانا". بالنسبة للصهاينة، أهل النقب "أغراب" و"غزاة".

لم تكن جريمة الاقتلاع من النقب الأولى في سجل شركة الكهرباء "الإسرائيلية" التي أسسها الصهاينة. قبل عقود، مدّت هذه الشركة محطاتها وخطوط الضغط العالي الى جانب وفوق قرى النقب غير المعترف بها، بحيث يراها الفلسطيني فوق رأسه ولكنه لا يستفيد منها، كون القرى غير المعترف بها لا تصلها الكهرباء ولا المياه، فهي، كما هو الفلسطيني بشكل عام، غير مرئية من قبل المؤسسة الاستيطانية الصهيونية. في النقب، مشروع الاقتلاع مستمر بعناوين مختلفة: الكهرباء، القطار، المستوطنات اليهودية، الغابات، المناطق العسكرية المغلقة والمناطق الصناعية العسكرية، مناجم الفوسفات، والشوارع (شارع عابر "إسرائيل"). كل مشروع "تطوّر" أو "تنمية" يقوم به الصهاينة، مهما كانت مسمياته ومضامينه، هو مشروع لاقتلاع الفلسطيني عن أرضه ووطنه.

في الجولان السوري، صادقت الحكومة الصهيونية على مشروع الطوربينات الهوائية، المشروع الاقتلاعي الآخر، الذي يهدف الى تركيب 52 مروحة عملاقة بين القرى المأهولة بالسكان، بهدف توليد الطاقة الكهربائية. يحتاج المشروع الى سرقة 4500 دونم من أراضي السوريين، ومنها 3000 دونم أراض زراعية. كما هو الحال في الضفة الغربية المحتلة، فإن إقامة هذه المراوح (الطوربينات) ستحاصر بلدة مجدل شمس، وتمنع توسّع القرى المجاورة (مسعدة وبقعاثا)، وتقضي على حياة المزارعين الذين يعيشون من انتاج الكرز والتفاح منذ عقود. سيحتاج المشروع أيضا إلى إعادة تأهيل شبكة الكهرباء وشق طرق جديدة، أي السيطرة على مساحات أخرى من الأراضي، وقطع مناطق زراعيَّة، والحد من أماكن التوسّع والبناء، من أجل إتمامه. إضافة الى سرقة الأرض لإقامة هذه المراوح، سيتسبب المشروع بأضرار صحية على الأهالي من جراء الترددات المغناطيسية التي ستولدها هذه المراوح.

مشروع الطوربينات ليس جديدا، فقد تم طرحه في العام 2008، لكن لم يواجه أهل الجولان هذا المشروع إلا قبل عدة سنوات. فقدموا اعتراضات قانونية للجنة التخطيط الصهيونية، وعرائض شعبية، كما أعدّت دراسات بيئية لبيان مساوئ المشروع على الانسان والطبيعة. وقبل أسابيع، ردّت المؤسسة الصهيونية على اعتراض أهل الجولان باعتقال عدد من المشايخ بتهمة عرقلة مشاريع "الدولة"، لا سيما بعد موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إهداء أرض الجولان للاستيطان الصهيوني.

الى جانب هذه المشاريع الاقتلاعية، يدور الحديث أيضا عن مشروع اقتلاعي في منطقة كفر قاسم في المثلث الفلسطيني المحتل عام 1948، حيث تنوي شركة الكهرباء "الإسرائيلية" إقامة محطة لتوليد الكهرباء بالقرب من منطقة السهل في كفر قاسم والمنازل المأهولة بالسكان. على إثر ذلك، تشكلت لجنة محلية لمواجهة المخطط الذي سيتسبب بأضرار بيئية وصحية.

تدلّ هذه الوقائع على أن كيان العدو يسعى لتهويد كافة الأراضي التي يحتلها ولا يميّز بين أراضي ال67 وأراضي ال48، ولا الجولان السوري المحتل. فمشروعه واحد، في حين أننا نتخبط بين مشاريع وخطط وطنية تفصل بين أراضي ال67 وأراضي 48، والأراضي التي ضمها الكيان والتي ينوي ضمها لاحقا، بحجة "المرحلية" أو "قرارات الشرعية الدولية".

تقوم الدول العادية بمشاريع مماثلة، من إمداد خطوط كهرباء أو وضع طوربينات في أراضيها، وعلى حساب سكانها أحيانا، ولكن تحاول هذه الدول التعويض عن خسارة مواطنيها ومزارعيها وتؤمن لهم مساكن وأراضِ بديلة، في حين أن الكيان الصهيوني يقوم بمشاريع على أرض الغير التي احتلها وأراضِ سرقها، ولصالح استيطان اليهود واقتلاع أهل البلاد.

في الوقت الذي يسرق فيه الأرض لبناء مولدات كهربائية لإنارة مستوطناته، يمنع الاحتلال الكهرباء عن قطاع غزة والقدس والقرى غير المعترف بها في النقب وأماكن أخرى في الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، ويتسبب من جراء ذلك باستشهاد المرضى أحيانا.

يقول رونين بيرتس المدير العام لديوان الحكومة الصهيونية، إن المستوطنين (في الضفة الغربية) يقضون "ساعات كثيرة من دون ظروف معيشية أساسية مثل الكهرباء والماء، وهذا الواقع القاسي يشكل تهديدا أمنيا حقيقيا عندما تكون جميع البؤر الاستيطانية في ظلام دامس خلال الليل". إضافة الى وقاحة هذه التصريحات، فهي تدلّ على جوهر الفكرة الصهيونية المشبعة بالعنصرية والاستعلاء والهمجية. فهل من الممكن أن يظل هكذا كيان في قلب أمتنا ؟

انشر عبر
المزيد