"هآرتس": تخبط في القيادتين السياسية والعسكرية في الكيان بعد انتشار صور التمثيل بجثمان الشهيد محمد الناعم

28 شباط 2020 - 10:18 - الجمعة 28 شباط 2020, 10:18:34

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

يجهد التقرير الحالي إلى تجميل صورة جيش الكيان الصهيوني إزاء الغضب واسع الانتشار بسبب صورة الجرافة التي مثلت بجثمان الشهيد محمد الناعم، إلا أنّه يكشف في الوقت نفسه التخبط الذي تعيشه القيادتين السياسية والعسكرية في الكيان إزاء التعامل مع المقاومة في قطاع غزة، في وقت تنجح فيه المقاومة، ولا سيما "سرايا القدس" – الجناح العسكري للجهاد الإسلامي في فلسطين، من إدارة المعركة بكفاءة سياسياً وعسكرياً، دون ان يفوت التقرير الاستمرار في محاولة تفتيت جبهة غزة عبر الغمز من قناة موقف حركة حماس، وهو ما لا ينطلي على القارىء النبيه.

نص التقرير:

باستعادة الأحداث الماضية، تقرّ مصادر الجيش "الإسرائيلي" بأن العملية التي استولت فيها جرافة على جثة أحد أعضاء "الجهاد الإسلامي" الذين قُتلوا في حادث على الحدود مع غزة كان من الممكن التعامل معها بطريقة مختلفة. رفض وزير الدفاع، نفتالي بينيت، الذي تباهى باستعادة سياسة جمع الجثث، بغضب، الانتقاد الذي أعقب الحادث، قائلاً إنه سئم من نفاق الجناح اليساري.

لكن رد فعل الجيش على العملية، التي جرت يوم الأحد الماضي، يبدو مختلفًا إلى حد ما. يقول الجيش إنه لو علم أن ذلك سيؤدي إلى تعقيدات من هذا القبيل، فلربما كان بإمكانهم وقف العمل: "لقد بدا الأمر سيئًا حقًا. في بعض الأحيان تسوء الأمور".

كان التحول في السياسة، بشكل رئيسي، نتيجة القيود السياسية التي فرضها بينيت. عندما تولى منصبه في تشرين الثاني/نوفمبر، أعرب عن تأييده لتوصية الجيش لصالح خطوات واسعة النطاق لتخفيف الوضع الاقتصادي في غزة. أثار الموقف مزاعم من الجناح اليميني بأن جثتي الجنديين "الإسرائيليين" هدار غولدين وأورون شاؤول، اللتين تحتجزهما "حماس"، قد تم التخلي عنهما. بالإضافة إلى إعلانه عن خطوات عدوانية أخرى، أمر بينيت جيش الدفاع "الإسرائيلي" باستئناف سياسة جمع جثث الفلسطينيين الذين قتلوا في حوادث تنطوي على إطلاق نار حي بالقرب من السياج الحدودي.

بعبارة ملطفة، فإن فعالية هذه السياسة هي محل نقاش. لغاية الآن، لم تعرب "حماس" عن قلقها بشكل خاص بشأن جثث أعضائها المحتجزين في "إسرائيل"، بعضها يعود إلى الحرب في صيف العام 2014. واحتمال أن يكون زعيم "حماس" يحيى سينوار أكثر قلقًا بشأن مصير مأسوف عليه لعضو غير معروف في "الجهاد الإسلامي" هو أمر أضعف احتمالاً.

ولكن التوجيه هو التوجيه، وذلك ما حصل صباح يوم الأحد، بعد أن ضرب الجيش خلية كانت قد وضعت عبوات ناسفة بالقرب من السياج الحدودي وتركت جثة أحد أعضائها وراءها، فتمّ إرسال جرافة تابعة للجيش لاحتجازها، ربما على أمل ضعيف أن يساعد ذلك في المساومة مع

"حماس" في المستقبل.

ولكن الأمور بعد ذلك بدأت تزداد تعقيدًا. واجهت الجرافة مشاكل في الحفر في الأرض الصعبة لالتقاط الجسم. في غضون ذلك، تجمع بعض السكان المحليين في محاولة لإفشال العملية. تحت ضغط الوضع الذي بدأ يتكشف، قام مشغل الجرافة برفع الجسم بذراع الماكينة، ما خلق مشهدًا مروّعًا: تم قذف جسد عضو "الجهاد الإسلامي" مثل دمية خرقة - وهو ما لا يتوافق حقًا مع قيمة احترام أجساد العدو، التي يعلمها جيش الدفاع "الإسرائيلي" لجنوده المقاتلين (حتى لو لم يتم تطبيقها دائمًا في الممارسة).

لا تزال عملية جمع المعلومات المتعلقة بالحادثة مستمرة في القيادة الجنوبية. أكدت مصادر في الجيش أن نسبة الخطر كان معقولًا: لم تدخل الجرافة المدرعة سوى حوالى 90 مترًا (300 قدم) داخل الأراضي الفلسطينية، ولم يخطر على بال أحد إرسال جنود يحملون نقالات لإنجاز المهمة. على أية حال، فإن صور الحادثة التي انتشرت من غزة انتشرت كالفيروس عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في "إسرائيل"، بدأ على الفور الجدال المعتاد بين اليمين واليسار، والذي، على ما يبدو، تركز حول أن الإجماع بما هو مسموح به أثناء القتال قد تآكل على مر السنين. وأبرز مثال على ذلك هو الجدل الدائر حول إلور عزاريا، الجندي المدان بالقتل الخطأ لقتله "إرهابياً" فلسطينياً كان قد استسلم بالفعل.

في غزة، كانت العواقب أكبر. قالت مصادر في الجيش إنها تعتقد أن الصور في الأحداث الماضية هي التي دفعت بردة فعل "الجهاد الإسلامي" القاسي نسبيًا، حيث أطلقت نحو 100 صاروخ على جنوب "إسرائيل" خلال يومين. إن القرار "الإسرائيلي" بتوسيع ردّها إلى سوريا، حيث قصفت منشأة للجهاد الإسلامي ليلة الأحد، كثّف إطلاق الصواريخ الفلسطينية وأطال أمده حتى مساء الاثنين.

منذ تلك اللحظة، سارت الأمور وفق دورة مألوفة. تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار من خلال وساطة مصرية؛ وكما جرت العادة، أعلن الفلسطينيون وحدهم ذلك. وقال سكان المجتمعات الحدودية "الإسرائيلية" إن الجولة الأخيرة انتهت فقط عندما أعلنت قيادة الجبهة الداخلية العودة إلى الروتين يوم الثلاثاء.

تعتقد مصادر الجيش أن "حركة الجهاد الإسلامي" استفادت من اقتراب موعد انتخابات الكنيست في الثاني من آذار/مارس، الأمر الذي أوجد فرصة لضرب "إسرائيل" دون تدخل قاس من جيش "الدفاع الإسرائيلي". يبدو أن حسابات "الجهاد الإسلامي" قد أثمرت: خلال يومين من العنف، قتل فرد واحد فقط من أعضائها – هو الرجل الذي استرجعت الجرافة جثته.

تفاخر بينيت بمقتل ثمانية "إرهابيين"، لكنه كان يشير على ما يبدو إلى قصف المنشآت العسكرية في سوريا. طوال القتال، كانت "حماس" حريصة على عدم التدخل، كما كان الحال في الجولة السابقة في تشرين الثاني/نوفمبر. لم تعمل على كبح جماح "الجهاد الإسلامي"، لكنها لم تشارك بنفسها في إطلاق النار.

إذا أين يوصلنا كل هذا؟ هذا يقربنا إلى تصعيد واسع النطاق أكثر من اتفاق طويل الأجل. طالبت الرسائل التي نقلتها "إسرائيل" إلى "حماس" عبر مختلف الوسطاء بأن تتخذ "حماس" خطوات حاسمة لكبح جماح "الجهاد الإسلامي". بحلول يوم الخميس، كانت "إسرائيل" قد استعادت بالكامل الإجراءات التي اتخذتها لتهدئة الوضع في غزة.

لقد شهد الجيش بالفعل النتائج الأولية لسياسة أكثر تساهلاً. كان هناك تحسن طفيف في الوضع الاقتصادي في غزة في الربع الأول من العام 2019. أدت الزيادة في إمدادات الكهرباء إلى زيادة الإنتاج وانخفاض طفيف في البطالة. استيراد وتصدير تجارة البضائع زادت أيضاً. ومع ذلك، فإن أهم خطوة تنطوي على منح أذونات لسكان غزة للعمل في "إسرائيل"، لم يتم تنفيذه بالكامل بعد. بناءً على توصية الجيش، وعلى الرغم من معارضة جهاز الأمن (الشاباك)، زادت القيادة السياسية عدد تصاريح العمل إلى 7000 تصريح. في الجيش "الإسرائيلي"، الأمل هو بمضاعفة ذلك.

متوسط ​​الأجر للعامل في قطاع غزة الذي يعمل في "إسرائيل" هو ستة أضعاف الأجر مقابل يوم عمل مماثل في القطاع نفسه. تساهم الأجور المكتسبة في "إسرائيل" بشكل كبير في اقتصاد القطاع، ويمكن أن تسهم أيضًا في الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار النسبي هناك.

سجناء أفكار

لكن هل القيادة السياسية والقيادة العسكرية العليا محتجزتان كرهينة لمفهوم أن "حماس" شريكة في اتفاق طويل الأجل بينما تواصل تنفيذ الهجمات عبر مجموعات فلسطينية أصغر؟

قال ضابط كبير في الجيش لصحيفة هآرتس "أسأل شعبي عن هذا كل يوم". نقول بثقة أن حماس تريد الهدوء. إنه ليس تخمينًا. قبل عشر سنوات، كانوا يزرعون متفجرات بجانب السياج الحدودي. الآن لديهم بنية عسكرية كاملة تتمثل مهمتها في منع المنظمات الأخرى من الوصول إلى السياج. إنهم لا يغمزون للجهاد الإسلامي ليتصرفوا. حماس لم تتخل عن فكرة مقاومة إسرائيل، لكن لديها الآن اعتبارات أخرى".

بعد الأعمال العدائية بين "إسرائيل" وغزة في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي بدأت باغتيال شخصية بارزة في الجهاد الإسلامي، هو بهاء أبو العطا، كان التفكير لدى جيش الدفاع "الإسرائيلي" هو أن موته سيجعل من السهل التوصل إلى ترتيب غير مباشر يضمن هدوءاً طويل الأجل. هذا لم يحدث.

عند العودة إلى الوراء، فإنهم يعزون العنف المستمر إلى حدثين رئيسيين: الأزمة بين "حماس" ومصر (التي اندلعت عندما انتهكت حركة حماس إسماعيل هنية التزاماً بالقاهرة وزارت إيران لحضور جنازة الجنرال قاسم سليماني)، وإطلاق ترامب سراح خطة سلام إدارته، ما دفع "حماس" إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً. تم استئناف محاولات الوصول إلى اتفاق طويل الأجل هذا الأسبوع، ولكن في الوقت الحالي، لا تبدو الآفاق مشرقة.

وقال الضابط البارز: "علينا اعتبار أنه من المحتمل شن حملة عسكرية، لكنها ليست الخيار الأول". وأضاف: "هذه الحملة لن تكون جميلة على الإطلاق. لا توجد وسيلة أخرى. لا حرب تبدو جيدة، ولكن هذا سيكون أسوأ. أنا على دراية بالخطط التشغيلية. لا توجد أهداف في غزة تقريبًا في الأماكن المفتوحة. الأهداف العسكرية هي في قلب المباني متعددة الطوابق أو تحت الأرض. ستكون نسبة الخسائر بين المقاتلين المسلحين والمدنيين غير المتورطين غير سارة للغاية. وسوف ندفع الثمن أيضاً.

والأكثر من ذلك، بعد هذه الحرب مباشرة، سيكون علينا أن نبدأ في التعامل مع إعادة البناء الاقتصادي للقطاع. هذه المرة، لن نتمكن من الانتظار لمدة أربع سنوات، وليس من المؤكد أن العالم سوف يحشد المساعدة من أجل ذلك. كل من يبيعك إصلاحات سريعة في غزة لا يعرف ما الذي يتحدث عنه".

قال رئيس الأركان السابق لجيش الدفاع "الإسرائيلي"، غادي أيزنكوت، شيئًا مماثلاً الأسبوع الماضي في المركز متعدد التخصصات في هرتسليا عند إطلاق كتاب اللغة العبرية "هاماتريا" ("أضواء التحذير")، استنادًا إلى محادثات بين اللواء (احتياط) عاموس جلعاد والصحفي شمعون شيفر.

قال آيزنكوت: "إنني أعبر عن رأيي المهني بأنه لا وجود لدواء سحري". كل من يعتقد أن "الإرهاب" يمكن محاربته بالشعارات أو بالقوة وحدها يرتكب خطأً كبيراً. يجب أن تكون معركة مشتركة لنشر قوة عسكرية واستخباراتية متطورة ومتضافرة إلى جانب الدوافع والمكونات الاقتصادية المدنية التي ستفصل "الإرهاب" عن السكان وتخلق الأمل. إن فكرة أن الأسوأ أفضل بالنسبة لنا، لا أساس له من الصحة.. وستبقى الفوضة جاثمة لسنوات عديدة قادمة.

سأل يارون ديكل، من قناة كان الإذاعية في مقابلة مع أيزنكوت عن رأيه في تصريح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن "إسرائيل" تعد مفاجأة لحماس.

أقرّ إيزنكوت: "لقد فهمت الحاجة من وجهة نظر سياسية وقيادية لتقديم إجابات للمواطنين، تقول إن هناك أشياء يجري القيام بها"، وأضاف: "لكنني أعتقد أنه كقاعدة عامة، سيكون من الأفضل الحفاظ على سياسة الغموض. حتى عندما تتضرر صورة قائد أو آخر، فأنت بحاجة إلى رؤية الفائدة من الأمر، وتعتقد أنك تفعل الشيء الصحيح لإسرائيل بدلاً من أن تكون متحمسًا جدًا لعنوان أو لآخر".

----------------     

العنوان الأصلي: Israel Sent a Bulldozer to Snatch a Gazan’s Body. The Result Was 100 Rockets

الكاتب: Amos Harel (عاموس هارئيل)

المصدر: هآرتس

التاريخ: 28 شباط / فبراير 2020

 

انشر عبر
المزيد