قضم الصفقة مسبقاً

25 شباط 2020 - 05:49 - الثلاثاء 25 شباط 2020, 17:49:31

قضم الصفقة
قضم الصفقة

بقلم: حافظ البرغوثي

بدأ «الإسرائيليون» في تطبيق خريطة «صفقة القرن»؛ بالإعلان عن مشروع استيطاني كبير في مناطق اعتبرتها صفقة ترامب ضمن منطقة ما سمته «فلسطين الجديدة». فقد بدأت وزارة الإسكان «الإسرائيلية» الإعداد لإقامة حي استيطاني ضخم على أراضي مطار قلنديا شمالي القدس (المحتلة)، على الرغم من أن الخطة الأمريكية - «الإسرائيلية» المعروفة ب«صفقة القرن»، صنفت هذه المنطقة على أنها منطقة سياحية للفلسطينيين.

وسيقام المشروع على أراضي المطار وصولاً إلى جدار الفصل العنصري؛ بحيث يفصل الجدار بين الحي الاستيطاني الجديد والمناطق الفلسطينية في محيط القدس؛ مثل كفرعقب.

وسيُقام المشروع على نحو 1200 دونم، ليشمل ما بين 6 آلاف و900 وحدة، إلى 9 آلاف وحدة سكنية استيطانية.

من جانبه، واصل بنيامين نتنياهو تسويق الصفقة في حملته الانتخابية، مبرزاً المزايا التي سيحصل عليها الاحتلال، مستبعداً قيام دولة فلسطينية بالمطلق. وعلى عادته زعم نتنياهو عن أنه يقيم علاقات مع كل الدول العربية، باستثناء ثلاث دول، وأشار إلى أنه زار سراً الكثير من الدول العربية؛ لكنه رفض الإفصاح عنها كعادته في التزام الكذب، كما تصفه بعض وسائل الإعلام «الإسرائيلية» ب«الكذاب». لكنّ نتنياهو كما يبدو مضطر للكذب؛ لأنه مهدد بعد الانتخابات القريبة بالمثول أمام المحكمة في منتصف الشهر المقبل، وهو يلجأ إلى كل الأساليب للفوز؛ لأن مستقبله الشخصي والسياسي في خطر، فوجد في «صفقة القرن» التي أهداه إياها (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب منجماً يغرف منه ما يشاء، ويكيفها وفق مزاجه. وإلى جانبه رئيس اليمين المتطرف وزير الحرب نفتالي بينيت الذي أعلن أنه سيحظر البناء الفلسطيني في المناطق الفلسطينية المصنفة «ب» إذا كانت مُطلة على المستوطنات، وأنه في النهاية لن يسلم شبراً واحداً للفلسطينيين، ولن يسمح لهم بإقامة دولة ولو اسمياً. من جانبهم أتاح الأمريكيون لـ«الإسرائيليين» التصرف وفق مزاجهم في ترسيم الحدود؛ عبر اللجنة المشتركة التي يترأسها السفير الأمريكي المستوطن ديفيد فريدمان.

وقال مسؤولون «إسرائيليون» وأمريكيون، إنه سيتم بعد الانتهاء من ترسيم الخريطة إرفاقها إلى خطة ترامب، وأوضحوا أنه ليس المقصود منها أن تعكس بدقة المناطق الحدودية المستقبلية أي أنها تفاهمية، ويمكن لسلطات الاحتلال التلاعب بالضم وفقاً لحاجتها الاستيطانية؛ حيث قال نتنياهو: إن الترسيم سيأخذ بالاعتبار النمو السكاني للمستوطنات وتوسيعها. وتجاهل نتنياهو وبينت مخاطر الصفقة على الاحتلال أمنياً وعسكرياً وسكانياً واقتصادياً ودبلوماسياً.

ولفتت دراسة صدرت عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة «تل أبيب» إلى أنه على الرغم من أن الخطة تلبي مطالب «إسرائيل» الأمنية؛ لكن ترجمة الخطة إلى ظروف ميدانية - هي: حدود طويلة وملتوية، جيوب ومستوطنات معزولة، خلط سكان - سيقود إلى واقع سيواجه فيه الجيش «الإسرائيلي» صعوبة في تطبيق الترتيبات الأمنية. و«ستنشأ صعوبة في نشر قوات؛ من أجل دفاع متواصل على طول محاور شوارع طويلة وضيقة، تربط بين المناطق وتقود إلى مستوطنات معزولة، وسيزداد الاحتكاك مع السكان وأجهزة الأمن الفلسطينية على طول المحاور، إلى جانب تحديات أخرى ستكون مرتبطة بحماية المستوطنات المعزولة، المداخل، المخارج والمعابر بين المناطق الفلسطينية، وعلى طول الحدود الملتوية والطويلة».

وأضافت الدراسة: إن «حراسة أمن المستوطنات، خاصة تلك الواقعة في عمق الأراضي الفلسطينية، ستتطلب زيادة حجم قوات الجيش «الإسرائيلي» بشكل كبير. كذلك سيتطلب نقل العائق الأمني (جدار الفصل العنصري) إلى مسار الحدود الجديدة تكاليف بالغة. وفي الجنوب سيتصاعد التحدي الأمني عند محور (رفح) - من تهريب أسلحة وتسلل جهات من سيناء إلى الأراضي الفلسطينية، التي ستتسع إلى جيب في النقب الغربي؛ ولذلك، فإنه إذا تم تطبيق الخطة بصيغتها الحالية، سيكون من الصعب ضمان واقع أمني أفضل قياساً بذلك القائم اليوم».

يضاف إلى ذلك، أن الفصل الاقتصادي في الصفقة، يقضي برصد 50 مليار دولار، بينها 28 مليار دولار تستثمر في مناطق السلطة الفلسطينية، على مدار 10 سنوات، أي 2.8 مليار دولار سنوياً. ويشار إلى أن الفرق بين هذا المبلغ ومجمل التبرعات السنوية للسلطة الفلسطينية من الدول المانحة، سوية مع ميزانية الأونروا، ليس كبيراً. كما أن تمويل الميزانية التي تقترحها الصفقة ليس واضحاً، والجداول الزمنية لتنفيذ مشاريع ليست معقولة. إضافة إلى ذلك فإن المجتمع الدولي ما يزال يرفض الصفقة، ولا يمكن خلق توافق دولي عليها أو الاعتراف بها، كما أن دول الخليج التي راهن الأمريكيون على أنها ستقنع الفلسطينيين بالصفقة، اكتفت بالقول إننا نقبل بما يقبل به الفلسطينيون.. فالصفقة تبدو الآن عملياً مجرد بالون انتخابي نفخه ترامب لنتنياهو، ويفرغ تلقائياً بعد الانتخابات «الإسرائيلية» والأمريكية.

(المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية)

hafezbargo@hotmail.com

انشر عبر
المزيد