هشام البستاني لـ"القدس للأنباء".."صفقة القرن" أنهت دور الأردن الوظيفي في المنطقة

24 شباط 2020 - 02:33 - الإثنين 24 شباط 2020, 14:33:04

أجرت المقابلة: راغدة عسيران

تشمل تداعيات "صفقة القرن" الأمريكية الصهيونية، الدول العربية، المطالبة بتطبيع علاقاتها مع كيان الاحتلال، وتسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين دون تمكينهم من العودة الى وطنهم فلسطين، وتوطينهم في أماكن تواجدهم في البلدان المضيفة، إضافة الى تكريس رواية تاريخية كاذبة للمنطقة تمسّ شعوبها وتاريخها وحضارتها، ماضيها ومستقبلها.

ويعتبر الأردن الذي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية، واحدا من أبرز الدول المستهدفة بـ"الصفقة" من خلال هذه الملفات (التطبيع، اللاجئين والتاريخ). وكان الأردن قد وقّع على اتفاقية وادي عربة (1994) مع الكيان الصهيوني الذي نهب المياه، وعلى اتفاقية الغاز التي تضع الشعب الأردني كله في قبضة الكيان الصهيوني. فكيف يمكن للأردن مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني الجديد؟ علما أن الجماهير الشعبية لم تتوقف منذ سنين من التعبير عن رأيها المعارض لهذه الاتفاقيات، لا سيما اتفاقية الغاز.

فما هي تداعيات الخطة الأمريكي على حاضر الأردن ومستقبله؟ وما هو دور الجماهير العربية، لا سيما الأردنية منها، في مواجهة هذا المشروع الأميركي الصهيوني الجديد؟.. على هذه الأسئلة وغيرها يجيب المنسق العام للحملة الوطنية الأردنية لإسقاط إتفالقية (الغاز الفلسطيني المسروق) مع كيان العدو الصهيوني، الدكتور هشام البستاني*

تداعيات "الصفقة" على الأردن

س : ثمة شبه اجماع حول وصف "صفقة القرن" بأنها محاولة لتصفية القضية الفلسطينية. ولكن هذه الصفقة تشمل أيضا الدول العربية، ومنها الأردن بشكل مباشر. ما هي تداعيات "الصفقة" على الأردن، نظاما وشعبا؟ وعلى دور الأردن في المنطقة؟

د. هشام : هناك تحوّلات جوهريّة في الدور الوظيفي للأردن في المنطقة نجد نتيجتها في ما يسمى "صفقة القرن" ومقدّماتها. دعيني أولًا أوضّح (ولكي لا يظنّ أن الأردن يشكّل حالة خاصّة في العالم العربيّ اليوم) أن جميع الكيانات السياسيّة التي تُسمى اليوم "دولًا عربيّة"، والناشئة جميعها (ومجموعاتها الحاكمة) في سياق التقسيمات الاستعماريّة، والخاضعة لاحقًا لموازين القوى وتحوّلاتها على المستويين الإقليميّ والدوليّ، هي جميعها كيانات وظيفيّة فاقدة (بالمجمل) للسيادة والمشروعيّة المحليّة، والأردن ليس استثناءً في هذا الأمر. الدور الوظيفيّ التاريخيّ المعروف للأردن باعتباره يملك أطول حدود بريّة مع "إسرائيل"، ويحتوي على أكبر عدد من اللاجئين والمهجّرين من فلسطين، هو الدولة "العازلة"، أو "الماصّة"، تعزل وتمتصّ وتخفّف آثار محيطٍ عربيّ كان معاديًا (في جزء منه على الأقلّ) في مرحلة من مراحل التاريخ.

 انتهى هذا الدور في فترة "السّلام" خلال التسعينيات حين انتهى تمامًا العداء الرّسمي العربيّ الكلاميّ للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وصار الدور الوظيفي الجديد للأردن هو تجسير العلاقات وتيسيرها بين من كانوا لا يزالون يتحرّجون من التعامل المباشر مع "إسرائيل" من المجموعات الحاكمة العربيّة، وبين الصهاينة. ولعبت مؤتمرات عديدة، أهمّها "دافوس البحر الميّت" بنسخه العديدة، دور الساحة التي اجتمعت فيها نخب السياسة والأعمال الخليجيّة مع نظرائها من "إسرائيل". اليوم، حتى هذا الدّور الوظيفيّ انتهى بنشوء علاقات مباشرة، بل وتحالفيّة، بين "إسرائيل" والسعوديّة، الكيان الذي يمثّل الثقل السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ الأكبر في العالم العربيّ اليوم، ولم يعد ثمّة داعٍ لأي وسيط. "إسرائيل" وصلت "رأس النّبع" كما يُقال، والمجموعة الحاكمة في الأردن ليست ذات قيمة بالنّسبة لها سوى في حدود التحوّل إلى تنفيذ المصالح "الإسرائيليّة" المباشرة، ومن خلال النفوذ الأميركيّ بشكل خاص.

لهذا تمّ إهمال المصالح الأردنيّة ومصالح مجموعته الحاكمة تمامًا في "صفقة القرن" والترتيبات التي قدّمت لها، فلم يتم التشاور مع السّلطة في الأردن حين تم تفعيل وتنفيذ الاعتراف الأميركيّ بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، ولا حين اعترفت الولايات المتّحدة بضم الجولان المحتل للكيان الصهيوني، ولا حين عقدت "ورشة البحرين" التي قدّم فيها جارِيد كوشنر الشق الاقتصادي من الصفقة، ولا حين أعلن ترَمب ونتنياهو تفاصيل رؤيتهم لـ"السلام" والتي اعترفت (على النقيض من مصالح الأردن المباشرة) بضم مستوطنات الضفة الغربيّة وغور الأردن، وإنهاء قضيّة اللاجئين خارج فلسطين، أي، عمليًّا: التصفية الشاملة للقضيّة الفلسطينيّة، وإلحاق الضفّة الغربيّة بـ"إسرائيل".

بنظري، لم يبق دور وظيفيّ للمجموعة الحاكمة في الأردن سوى ما تقرّره الصفقة: ممرّات من وإلى "إسرائيل" إلى المحيط المفتوح الذي صارت هي إحدى قواه العظمى (بحسب تعبير نتنياهو)، ومنفذ تجاريّ وتنقّليّ لمن بقي من فلسطينييّ الضفّة الغربيّة؛ أي: لا دور على الإطلاق. فلنتذكّر أيضًا أن الدور المتعلّق بدرء خطر ما سمّاه الملك عبد الله الثاني "الهلال الشيعي" قد انتهى أيضًا من خلال الوجود الروسيّ القويّ في سوريّة، وهو وجود يُلجم إيران وحلفائها، وينقل النفوذ الإيرانيّ الأكبر إلى مناطق لا يلعب الأردن فيها دورًا على الإطلاق، مثل العراق واليمن.

بالمختصر المفيد: على المستوى الشعبيّ، تمثّل الصفقة إلحاقًا كاملًا للأردن ومواطنيه لدائرة الهيمنة الصهيونيّة المباشرة، وعلى مستوى المجموعة الحاكمة، تمثّل الصفقة إنهاءً لأدوارها الوظيفيّة السابقة ذات الأهميّة النسبيّة، ودفعًا لها لدور سيشبه فيما أرى، وإلى حدّ كبير، دور السّلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة.

رفض كلامي وتمويل فعلي للإستيطان

س : يبدو أن النظام الأردني لم يستجب لها، هل لدى الأردن مقوّمات صمود أمام الضغوط الأميركية والعربية (الخليجية)؟

د. هشام : المجموعة الحاكمة في الأردن لم تستجب لـ"صفقة القرن" ومقدّماتها وتداعياتها إلا على المستوى الكلاميّ فقط، إدانة وشجب واستنكار لاقيمة فعليّة لها. على المستوى العمليّ، رهنت المجموعة الحاكمة في الأردن البلد ومواطنيه للصهاينة من خلال صفقة استيراد الغاز من "إسرائيل"، بما يمثّله ذلك من وضع أمن الطاقة في الأردن بيد "إسرائيل" بعد تمكينهم من أمن المياه في الأردن في معاهدة وادي عربة، وتنفيذ لمتطلّبات "صفقة القرن" بتمكين "إسرائيل" من السيطرة المباشرة على الأردن، ولا ننسى أن اتفاقيّة الغاز تحوّل 10 مليار دولار عدًّا ونقدًا من جيوب دافعي الضرائب الأردنيين، المُفقرين، إلى خزينة "إسرائيل"، وهذا تمويل مباشر للصهاينة، وتحديدًا: للاستيطان في الضفة الغربية (المحتلة) الذي يستنكره رسميّو الأردن ليل نهار في تناقض واضح بين كلامهم وأفعالهم. شركة "ديليك جروب" "الإسرائيلية" التي تملك أكبر حصّة في حقل ليفاياثان للغاز الذي يستورد منه الأردن (45%، وهي أكبر من حصّة نوبل إنرجي في الحقل البالغة 39%) يرد اسمها في قائمة الشركات الـ112 التي أصدرتها الأمم المتحدة للشركات التي تخرق القانون الدولي واتفاقيّات جنيف وتستثمر في مستوطنات الضفة الغربية، يعني باختصار: مقابل الإدانة الكلامية التي يصدرها أصحاب القرار في الأردن ليل نهار، يقومون فعليًّا بوضع الأردن تحت رحمة الصهاينة، ويموّلون الاستيطان بشكل مباشر.

س : هل يرى النظام الأردني تهديدا لوجوده أو لكيانه من جراء هذه الصفقة؟

د. هشام : ينبغي على المجموعة الحاكمة في الأردن أن تعي أن التحوّلات الجديدة هذه في العلاقات وتوازنات القوى الدوليّة والإقليميّة، تهدّدها بشكل مباشر وحاسم، لكنّي لم ألحظ أيّ علامات حقيقيّة، فعليّة، عمليّة، تدلّ على هذا الفهم أو الوعي، بل تمارس العكس، وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأنّها توافق على هذا الترتيب الجديد لدورها الذي يتمّ دون مشاورتها؛ الجهات الوحيدة التي ترى هذا التهديد وتحاول التصدّي له بما تيسّر لها من إمكانيّات ضعيفة، هي القوى الشعبيّة التي تقمعها السّلطة اليوم، وتعتقل منهم في سجونها أكثر من خمسين شخصًا حتى الآن بحسب القائمة التي أصدرتها لجنة متابعة معتقلي الرأي في الأردن، في إشارة أخرى دالّة على موقف السّلطة من هذه التغيّرات.

تم تدمير المجتمع السياسي ومؤسساته

س : أثار الإعلان عن الصفقة غضب الجماهير في الأردن، التي نزلت الى الشارع وتظاهرت في معظم المدن. هل تشكل المظاهرات الشعبية ضغطا على الحكم لرفض الصفقة؟ وما هي الخطوات الضرورية التي يجب اتخاذها في الدول العربية، ومنها الأردن، لإسقاطها ؟

د. هشام : لا أعتقد أن التحرّكات الشعبيّة الواسعة في الأردن ضد "صفقة القرن" تشكّل عامل ضغط على السّلطة لافتقارها إلى التنظيم السياسيّ القادر على إحداث التغيير. المجموعة الحاكمة في الأردن، مثلها مثل المجموعات الحاكمة في العالم العربيّ، عملت على مدار عقود على تدمير المجتمع السياسيّ ومؤسساته (أحزاب، نقابات، جمعيّات، برلمان، الخ)، وأضعفت وألحقت واحتوت ما بقي منه، ورعت النزعات التفتيتيّة العائليّة والعشائريّة والمناطقيّة والإقليميّة، بحيث أصبح الفعل الاحتجاجيّ غير قادر على التحوّل إلى تمظهرات سياسيّة لغياب الأدوات السياسيّة.

في الأردن، التعبير السياسي المباشر والفوريّ المطلوب اليوم للردّ على "صفقة القرن" هو إلغاء اتفاقيّة استيراد الغاز من "إسرائيل" ومحاسبة كلّ القائمين عليها، باعتبارهم رأس الحربة في مشروع إخضاع الأردن للصهاينة، وعلى المدى المتوسّط: إحداث تغييرات سياسيّة جذريّة في البلاد تعيد السّلطة للشعب، وتفصل السّلطات بالكامل، وتلغي الحصانة عن أي صاحب سلطة، وتُخضع الأجهزة الأمنيّة والسياسيّة التي تؤثّر من خارج أطر الدستور لسلطة الإدارة التنفيذية ورقابة البرلمان، وتقوية البرلمان بإلغاء مجلس الأعيان (المُعيّن)، واستحداث قانون انتخابيّ جديد يوحّد البلد من شماله إلى جنوبه، بصيغة القوائم المغلقة، على مستويين: قائمة على مستوى الأردن كدائرة انتخابية واحدة تمثّل نصف عدد مقاعد البرلمان، وقائمة على مستوى المحافظة تمثّل النّصف الثّاني، وبحيث ينتخب المواطنون قوائم لا أفرادًا، ويشكّل هذا البرلمان حكومة كفاءات وطنيّة من غير أعضائه، ومن غير النّخبة السياسيّة السّابقة وامتداداتها، تدير البلد في مرحلة انتقاليّة (بالمعنى السياسيّ والاقتصاديّ) تحت إشراف ورقابة البرلمان، ويكون أوّل أولويّاتها ملفّ الفساد الماليّ والإداريّ المستشري.

مثل هذه الاجراءات ستحصّن الأردن داخليًّا، وتدفع باتّجاه تماسكه، وتمنع أيّ عبث خارجيّ بمجموعه الاجتماعيّ الذي حوّلته المجموعة الحاكمة (عبر عقود من احتكار السّلطة، والفساد، والقمع، والتّفتيت الاجتماعي، ورعاية النزعات الهويّاتيّة الإقليميّة والمناطقيّة والعشائريّة والعائليّة والجهويّة والدينيّة، وإلحاق وتفريغ النقابات العماليّة والمهنيّة والأحزاب السياسيّة من إمكانيّات التأثير السياسيّ) إلى حالة من الهشاشة المتقدّمة. الفاعل الوحيد حاليًّا، القادر على إنفاذ مثل هذه التغييرات، هو السّلطة نفسها، وهو ما قد "ينقذها" من أفول دورها الوظيفيّ، لكن السؤال: هل تملك الإرادة السياسيّة، والسيادة، التي تمكّنها من السير بمثل هذه التوجّهات؟ أغلب الظنّ: لا.

الخطوة الأولى للرد على "الصفقة"

س : تدعو "الصفقة" الى التطبيع العربي الكامل مع الكيان الصهيوني. كيف يمكن التصدي للتطبيع في الأردن دون إلغاء اتفاقية وادي عربة؟ وهل يمكن إلغائها في الفترة الحالية؟

د. هشام : برأيي أن المعاهدات السياسيّة بين المجموعات الحاكمة العربيّة و"إسرائيل" لا تلعب أي دور حقيقيّ في التطبيع. مثلًا: معاهدة وادي عربة لم تؤدّ أبدًا إلى التّطبيع على المستوى الشعبيّ في الأردن، بالعكس، هي –مثلها مثل معاهدة كامب ديفيد- نموذج في الفشل الشّامل لأي إمكانيّة للتطبيع على المستوى الشعبيّ الطوعيّ، وهو ما ستنقله اتفاقيّة استيراد الغاز من "إسرائيل" (الأخطر بمراحل –بتقديري- من معاهدة وادي عربة) إلى المستوى الإجباريّ، إذ ستضع رقبة كلّ مواطن أردني –غصبًا عنه- تحت سيف الابتزاز الصهيوني، وستحوّل كلّ مواطن أردني –رغمًا عن إرادته- إلى مموّل للإرهاب الصهيوني، وتحقّق إلحاقًا عضويًّا للأردن وسكانّه بـ"إسرائيل"، وهو أمر عجزت عنه معاهدة وادي عربة لخمسة وعشرين عامًا. ثمّ، لنتأمل هذه المفارقة: من يقود قطار التطبيع اليوم هي كيانات ومجموعات حاكمة لا تعترف (رسميًّا) بـ"إسرائيل" و/أو لم توقّع معاهدات معها. برأيي أن الأولويّة اليوم في الأردن، وهو ما يجب أن تتوجّه إليه كلّ الجهود بشكل عاجل ومركّز، هو إسقاط اتفاقيّة الغاز مع "إسرائيل"، تلك هي الخطوة الأولى للردّ على "صفقة القرن"، ولمنع تسليم الأردن للصهاينة، وبعدها يمكن الحديث عن إلغاء حقيقيّ لمعاهدة وادي عربة بدلًا من السياق الشعاراتيّ الفارغ الذي يحكم الحديث عن إلغائها اليوم.

ضغط رسمي لوقف الحديث عن اتفاقية الغاز

س : تمثل اتفاقية الغاز إحدى عناوين التطبيع بين الأردن والكيان الصهيوني، إن لم تكن أكثر من ذلك. أين أصبح ملف هذه الاتفاقية، بعد بدء الضخ ورفض مجلس النواب لها؟

د. هشام : قرار مجلس النواب غير ملزم للحكومة، وكذلك مشروع القانون الذي قدّمه المجلس لمنع استيراد الغاز من "إسرائيل" أرسل –بحسب المقتضى الدستوري- لنفس الحكومة التي تنفّذ الاتفاقيّة، ولن يخرج من أدراجها ثانية كما أظنّ (مثل كثير من القوانين الأخرى)، لذا فإن كلّ ما قام به مجلس النوّاب حتى الآن هو محاولة تبرئة ذمّته دون أن يمارس صلاحيّاته الدستوريّة التشريعيّة والرقابية الحقيقيّة التي تمكّنه من إلغاء هذه الاتفاقيّة فعلًا لا قولًا، مثل إسقاط الحكومة، ومحاسبة القائمين عليها. هناك –بالتوازي- ضغط رسميّ هائل على وسائل الإعلام (سمعناه من عدة صحفيّين وإعلاميّين) لوقف الحديث عن الاتفاقيّة تمامًا لإظهار الموقف الرسميّ من صفقة القرن وكأنه موقف جديّ. الضخّ بدأ منذ 1 كانون الثاني من هذا العام، وهو يعني فعليًّا رهن أمن الطاقة في الأردن، أي رهن الأردن نفسه ومواطنيه، بيد "إسرائيل"، ولا أحد يريد مواجهة هذا الموضوع بشكل حقيقيّ وعمليّ على مستوى المؤسّسات القادرة على إحداث التغيير، وأخص منها بالذكر: البرلمان، النقابات المهنيّة، والنقابات العمّاليّة.

الوقت الأنسب لإلغاء اتفاقة الغاز

س : ما هي معوّقات إلغاء الصفقة الآن؟

د. هشام : لا معوّقات سوى توفّر الإرادة السياسيّة غير الموجودة. الأردن لا حاجة له لهذه الاتفاقيّة إذ كان يحقّق قبلها فائضًا من إنتاج الكهرباء (كان الوزراء يبحثون له عن أسواق لتصريفه)، وفائضًا من مصادر الطاقة مع تراكم المشاريع مثل ميناء الغاز المّسال في العقبة (الذي يمكن له وحده توفير كامل احتياجات الطاقة للأردن من السوق العالمي)، واستئناف ضخ الغاز المصري، ومشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومشاريع الصخر الزيتي، وحقول الغاز الأردنيّة غير المطوّرة، كل هذه المشاريع تجعل من الغاز المستورد من "إسرائيل" عبئًا على الأردن وتبديدًا لأمواله، وتقديمًا للمصالح الإسرائيليّة على حساب مصالح الأردن، وتفضيلًا لأصحاب القرار على استثمار المليارات في الصهاينة ومشاريعهم التوسعيّة على الاستثمار في بلدهم واقتصادهم (المدمّر والغارق في الدين)، وتوفير عشرات آلاف فرص العمل للمواطنين الأردنيّين بدلًا من توفير الرّفاه للمستوطنين الصهاينة.

س : كيف تبرّر الحكومة موقفها من الاتفاقية؟ وهل يمكن إلغاءها في هذه الظروف؟

د. هشام : الحكومة صامته صمت القبور ولا تتحدّث عن هذه الاتفاقيّة لعدم وجود أيّة ذرائع تبرّر توقيعها، بل المضحك في الموضوع ان رئيس الوزراء الحالي ووزيرة طاقته تنصّلا من المسؤوليّة عن توقيع هذه الاتفاقيّة علنًا، مع استمرارهم المخزي في تنفيذها. أما عن إمكانيّة إلغائها في هذه الظروف، فالجواب هو أنّ الآن، وتحديدًا الآن، هو الوقت الأنسب لإلغائها، فترَمب (الذي يقود توجّهًا انسحابيًّا –عمومًا- من القضايا الدوليّة) في نهاية عهده، ويواجه غضبًا هائلًا عليه من طرف الديمقراطيّين والكونغرس الذي يسيطرون عليه، أما نتنياهو فضعيف نسبيًّا إذ يواجه اتهامات جديّة بالفساد، وهو في حالة "تسيير أعمال" قبل انتخابات تُعاد للمرّة الثالثة أو الرّابعة. إن لم تُلغَ الاتفاقيّة الآن، وفي هذا الظرف السياسيّ بالتحديد، فسيصبح التخلّص منها مستقبلًا (بعد إعادة انتخاب ترَمب ونتنياهو كما اعتقد، واستقرار توجّهات "صفقة القرن" على المستوى الماديّ، على الأرض) ضربًا من المستحيل.

--------------------------

 (*) كاتب وشاعر من الأردن، له مقالات ودراسات عديدة، وحائز على عدة جوائز أدبية. وهو أيضًا ناشط في قضايا العدالة الاجتماعيّة والحريّات ومناهضة الاستعمار الاستيطانيّ ومقاومة التّطبيع، ويشغل موقع المنسّق العام للحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتفاقيّة الغاز مع الكيان الصهيوني، المعروفة بنشاطها الواسع، وبشعارها المختصر: "غاز العدو احتلال".

 

 

انشر عبر
المزيد