المثلث الفلسطيني في "صفقة القرن": تطبيق ما عجزت عنه مجزرة كفر قاسم

20 شباط 2020 - 01:12 - الخميس 20 شباط 2020, 13:12:23

لحظة اعلام صفقة القرن
لحظة اعلام صفقة القرن

بقلم: راغدة عسيران

ورد في نص خطّة "صفقة القرن" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن "سكان المثلثّ، المكوّن من كفر قرع وعرعرة وباقة الغربية وأم الفحم وقلنسوة والطيبة وكفر قاسم والطيرة وكفر برا وجلجوليّة، تعرّف نفسها إلى حدّ كبير على أنها فلسطينيّة. وكانت مخصّصة لتقع تحت السيطرة الأردنيّة خلال مفاوضات خط وقف إطلاق النار العام 1949، إلا أن "إسرائيل" استعادتها لاعتبارات أمنيّة، خفّت وطأتها منذ ذلك الحين. رؤيتنا تأمل في إمكانيّة أن يتوافق الأطراف على إعادة ترسيم حدود "إسرائيل" بما يؤدي لأن تكون هذه المجتمعات جزءاً من الدولة الفلسطينيّة، ووفقاً للخطّة فإن الحقوق المدنيّة لسكان هذه المناطق ستخضع للقوانين والأحكام المعمول بها أمام السلطات ذات الصلة".

يشكلّ المثلث إحدى المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 التي تضم نسبة كبيرة من الفلسطينيين، كمنطقة الجليل والنقب والمدن الساحلية (عكا، حيفا، يافا الى جانب اللد والرملة). تشير الاحصائيات الى أن فلسطينيي المثلث يشكلون 25% من مجمل فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، أي ما يقارب ال300 ألف نسمة، بعد أن كان عددهم 30 ألفا من بين 156 ألفا عام 1949. تدلّ هذه الأرقام على أهمية منطقة المثلث، على الأقل من الناحية الديمغرافية، في تكوّن المجتمع الفلسطيني في الداخل ومسيرته النضالية في وجه الاحتلال، من ناحية، ومن ناحية أخرى، في صعود الهاجس الديمغرافي لدى كيان العدو الساعي الى التطهير العرقي والديني في الأرض التي يحتلها.

بعد تشريد الشعب الفلسطيني من مناطق الجليل والنقب والمدن الساحلية، خلال النكبة (1947- 1948)، تحوّلت أنظار قيادة الكيان الى منطقة المثلث التي بدت لها فلسطينية عربية إسلامية تعيق تشكيل كيان استيطاني يهودي خالٍ من "الأغراب". فاستغلت فترة العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الأول / اكتوبر 1956 لشنّ هجوم على أهلها باقتراف مجزرة بحق أهل قرية كفر قاسم (29 تشرين الأول/أكتوبر)، حيث استشهد، خلال ساعة واحدة، 49 فلسطينيا، أي 2,5% من سكان القرية، من بينهم 23 طفلا تتراوح أعمارهم بين 8-17 عاما. هدفت المذبحة الى ترويع أهل المثلث وإفراغه من سكانه الفلسطينيين، كما حصل بعد مجزرة دير ياسين في نيسان 1948.

الرسالة التي أراد الصهاينة إيصالها الى فلسطينيي المثلث أن بإمكانهم اقتراف المجازر دون حساب، وعليهم التوجه الى الجهة الشرقية (الضفة الغربية) حيث تركت الطرقات المؤدية لها مفتوحة بدون حواجز ولا قوات أمن لتسهيل النزوح. ولكن فشلت خطة الصهاينة، إذ لم يتوجه الفلسطينيون الى الضفة الغربية، "وقد تعلموا الدروس والعبر من نكبة عام 1948 ونشوء مشكلة اللاجئين والمهجّرين" (عادل مناع)، ولكن أدركوا، في الوقت ذاته، أن بقاءهم في أراضيهم المحتلة عام 1948 هو "مسألة غير محسومة من وجهة نظر السلطات الإسرائيلية".

لم تطرح مسألة تبادل السكان بين الكيان الصهيوني وأي كيان آخر (الأردن أو السلطة الفلسطينية) إلا في أعقاب انتفاضة الأقصى (2000)، التي أبرزت تشكّل قوة فلسطينية في الداخل تطالب بحقوقها السياسية والمدنية، وتتعاطف مع شعبها في باقي الأرضي الفلسطينية وفي اللجوء، وتركّز على حقها باسترجاع أراضيها (الخاصة والأوقاف) والدفاع عن مقدساتها.

كان العدو يسعى قبل ذلك الى تهويد منطقة المثلث بإقامة مستوطنات على "الخط الأخضر" (خطة النجوم السبعة) لفصل بلدات ومدن الضفة الغربية عن بلدات ومدن المثلث ومنع التواصل بينها، واختراق منطقة المثلث بالشوارع الالتفافية التي تفصل بلداته الواحدة عن الأخرى.

يشير مركز "مدار" المتخصص بدراسة المجتمع الصهيوني أن فكرة التبادل السكاني بين المستوطنين في الضفة وأهل المثلث بدأت تخرج الى النور في التسعينيات، بالتوازي مع الحديث عن تسوية سياسية، في أوساط الأحزاب اليسارية الصهيونية، المعروفة بسعيها الى تحقيق "النقاء الديمغرافي"، إلا أن هذه الفكرة انتقلت الى اليمين الصهيوني بعد انتفاضة الأقصى. تهدف خطة "التبادل السكاني" الى ضم منطقة المثلث (دون أراضيها الممتدة الى مدينة حيفا) الى الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، للتخلص من الفلسطينيين وتقليص عددهم في الداخل المحتل عام 1948، وبالتالي إضعاف الحركة الوطنية وأحزابها السياسية، وإزالة الشبح الديمغرافي الذي يؤرق الصهاينة، والذي لم تتمكن مجزرة كفر قاسم من إزالته في العام 1956.

من ناحية أخرى، تقوم فكرة التبادل على المساواة بين مستوطنين لا علاقة لهم، لا بالأرض التي استطونوا عليها (في الضفة الغربية المحتلة) ولا بالبلد الذي يحتلونه (فلسطين)، وبين أهل البلاد الممتدة جذورهم الى عمق التاريخ، إضافة الى أن الأراضي التي إقيمت عليها المستوطنات في الضفة الغربية وأرض المثلث هي أجزاء من فلسطين، أي أنه من الناحية الوطنية، من غير المنطقي أن يتم تبادل أراضي فلسطينية بأراضٍ فلسطينية أخرى، وإن كانت محتلة منذ 1948، حيث لم يعترف الشعب الفلسطيني بشرعية إقامة الكيان الصهيوني على وطنه، أي أن المسألة لا تشبه ما حصل بين دول أوروبية أو إفريقية حيث تم تسوية وترسيم حدود بضم أقليات أثنية أو دينية الى دول مجاورة، كون فلسطين هي في الأصل ملك للفلسطينيين.

رفض فلسطينيو 48 بشكل قاطع فكرة ضم المثلث أو أي منطقة أخرى الى أراضي السلطة الفلسطينية أو ما تسميها وثيقة ترامب ب"الدولة الفلسطينية"، لأسباب عديدة، أولها رفض أي مخطط يتيح للكيان إقامة دولته اليهودية على أرض فلسطين، إن كان ضمن خطة "صفقة القرن" أو أي خطة أخرى، ذلك إن فصل المثلث عن باقي المناطق الفلسطينية في الداخل يعني تقليص عدد الفلسطينيين في وطنهم المحتل عام 1948 والسماح للصهاينة بالتفرد بالمناطق الفلسطينية الأخرى، الجليل والنقب والمدن الساحلية، وإضعاف المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية وحركاته الاجتماعية لصالح الحركة الصهيونية التي تسعى، منذ عقود من الزمن، ليس الى تهميش المجتمع الفلسطيني ديمغرافيا وسياسيا فحسب، بل إنهاء وجوده لإقامة مجتمع صهيوني يهودي "خالص". إضافة الى أن تحقيق خطة التبادل هذه تعني أيضا إلغاء حق عودة اللاجئين الى وطنهم فلسطين، كما اقترحته وثيقة ترامب، إذ لا مكان في "أرض إسرائيل" للفلسطينيين وفقا لهذه الوثيقة.

ثم أن رفض فلسطينيي 48 لهذا المخطط الخاص بالمثلث ينبع أيضا من رفض "صفقة القرن" بمجملها، لأنها تهدف الىتصفية القضية والحقوق الفلسطينية كافة. رغم تباين الآراء فيما يخص أسلوب التصدي ل"صفقة القرن" ومشاريع التسوية الأخرى، لدى الفلسطينيين عموما وفلسطينيي 48 خصوصا، إلا أن الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وحركاته رفض هذه "الصفقة" بكاملها وليس فقط أجزاءا منها.

يعتبر مركز "مدار" أن "الخطاب الإسرائيلي يحاول ابتزاز العرب في (الكيان) سياسيا ووطنيا من جراء هذا الطرح"، كونه يطالب الصهاينة المشكّكون بهذه الخطة "المزيد من الولاء للدولة اليهودية والقيام بالواجبات مثل الخدمة المدنية والكفّ عن التفكير في حقوقهم القومية". تطرح مسألة مواجهة "صفقة القرن" كمشروع تصفية القضية الفلسطينية وشقها المتعلق بالمثلث إشكالية طبيعة المواجهة: هل ستتم المواجهة بالتأكيد على "المواطنة الإسرائيلية" لدى فلسطينيي 48 ومواصلة النضال من أجل حقوق متساوية مع المستوطنين الصهاينة، ما يعني الاستمرار في وهم "حل الدولتين" التي تسعى اليه سلطة أوسلو، أم سيشكّل الإعلان عن الصفقة، بما يحتويه من ترتيبات مذلّة للفلسطينيين والعرب، صدمة ايجابية تتطلب توحيد الجهود الفلسطينية المناضلة وانتهاج مقاربة مختلفة تنطلق من وحدة القضية والشعب والأرض ؟

انشر عبر
المزيد