مهزلة تقرير "مفوضية الأمم المتحدة"

17 شباط 2020 - 11:54 - الإثنين 17 شباط 2020, 11:54:45

بقلم: راغدة عسيران

قبل أيام، أصدرت مفوضية حقوق الانسان في الأمم المتحدة قائمة بالشركات المشاركة في الاستيطان في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلتين، بعد سنوات من إعدادها. ظلّت هذه القائمة في الأدراج، تهدّد بها المفوضية المسؤولين في كيان العدو كلما طالبت منظمات داعمة للشعب الفلسطيني الإفصاح عنها، وتتراجع بشأنها كلما تم الضغط عليها من أجل عدم نشرها، من قبل لوبيات أوروبية وأميركية. ولكن، ومن أجل إسكات الرأي العام الدولي الغاضب من "صفقة القرن" وتهدئة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بعد الإعلان عن هذه الصفقة، قرّرت المفوضية نشر "اللائحة السوداء" كنوع من "الجزرة" أمام "العصا" المتمثل بالصفقة والاستيطان والقتل والدمار وتزوير التاريخ.

لكن هذه القائمة تخفي الأهم، وليس فيها ما يهدّد سلامة الكيان ولا مواصلة الاستيطان والتشريد، رغم ادعاءات الصهاينة، ولكن هم يصرخون في كل المناسبات ويصّورون أنفسهم ضحايا أزليين، مهما فعلوا ومهما اقترفوا من مجازر.

من يطلع على القائمة الرمادية، يتضح له أن معظم الشركات "إسرائيلية"، وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ؟ هل المستوطنون في الضفة الغربية والقدس غير "إسرائيليين" ؟ ألم يحمِهم جيش العدو وألم يسلحهم ويرافقهم في غاراتهم على الأراضي الفلسطينية؟ هل من المستغرب أن تكون الشركات "الإسرائيلية" مشاركة في بناء المستوطنات وحياة المستوطنين وجرائمهم اليومية ؟ يكفي إلقاء نظرة على عناوين الصحف الأوروبية لملاحظة ارتياح الأوروبيين، باعتبار أن شركاتهم وغيرها، لم تشارك، حسب هذه القائمة "المبيّضة"، في جريمة الاستيطان، إلا القليل منها، أي أقل من عشر شركات، الى جانب شركات سياحية أميركية، المتغلغلة في العالم العربي وتتعامل معها أكثرية شعوب العالم.

لكن ما تخفيه هذه القائمة وما الذي تفضحه دراسات موثقة أعدّتها مؤسسات أوروبية تناهض الإستيطان الصهيوني (ولا تناهض الكيان بحد ذاته)، هو قائمة الدول والمؤسسات المستثمرة في "اقتصاد الاستيطان"، عبر الشركات والبنوك "الإسرائيلية"، وحجم التمويل والاستثمار والقروض للشركات "الإسرائيلية" في المشاريع الاستيطانية الصهيونية، وما هي المستوطنات الصهيونية المستفيدة من هذا الاستثمار الأوروبي والأميركي والآسيوي، وأين تقع (في القدس، الضفة، الجولان)، وكيف تساهم هذه الدول والمؤسسات والشركات التابعة لها في تشريد الشعب الفلسطيني وسرقة أراضيه وتدمير منازله.

من يطالع تقرير مؤسسة "بروفندو" Profundo الصادر في 26 حزيران/يونيو 2018 بعنوان: "العمل مع الاحتلال.. العلاقات الاقتصادية والمالية للشركات الأجنبية مع عملية الاستيطان الإسرائيلي" (99 صفحة)، سيجد أن تقرير الأمم المتحدة مهزلة ومحاولة لتبييض صفحة معظم الدول والمؤسسات والشركات العالمية المساهمة في قتل وتشريد الشعب الفلسطيني، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار، كما تفعل التقارير الجادة، الشركات المموّلة للشركات "الإسرائيلية" والأميركية المدانة في تقرير الأمم المتحدة، ولا الشركات المستثمرة والمقرضة والحاملة لأسهم شركات الكيان "الرسمية".

يورد تقرير "بروفندو" أن الدول الأوروبية الخمسة الأولى التي تستثمر في الاستيطان هي ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والسويد واسبانيا، وأن المؤسسة الرسمية النروجية (صندوق التقاعد) تستثمر في أهم البنوك "الإسرائيلية" الممّولة لمشاريع الاستيطان وفي الشركات السياحية الأميركية المدانة في تقرير الأمم المتحدة (تريب ادفايزر، بوكيغ هولدرز وإكسبيديا)، وأن أهم شركة ألمانية لإنتاج مواد البناء في المستوطنات هي شركة "هيلدربرغ سيمنت". تدعي هذه الشركة أنها تعمل في الأراضي المصنّفة "أراضي دولة" أي أنها لا تعتدي على أملاك الفلسطينيين، رغم وجودها في الضفة الغربية. تستثمر شركات أوروبية أخرى وبنوك في "هيلدربرغ سيمنت"، الى جانب صندوق التقاعد النروجي.

في مجال البناء أيضا، تشارك شركة سيميكس المكسيكية في الاستيطان عبر شركة "إسرائيلية"، وتشارك عدة بنوك وشركات أوروبية في "سيميكس"، التي تعمل في "ميشور أدوميم" والمجمعات الصناعية في "عطاروت" و"ميفو هورون" ومستوطنة "كتسرين" في مرتفعات الجولان السوري المحتل.

وفي مجال الآلات والصناعة الثقيلة، تساهم شركات أوروبية وآسيوية في عمل شركات "إسرائيلية"، كشركة "بوماغ" الألمانية و"هيونداي" الكورية. عملت شركة "بوماغ" بمدّ طريق للمستوطنين على أراضي تم سرقتها من قبل الصهاينة، وتم تجريفها وقلع أشجار الزيتون (من قرى عزون والنبي الياس).

تشارك شركات أميركية وألمانية وإيطالية بتزويد المستوطنات بالطاقة الشمسية وغيرها، عن طريق شركات "إسرائيلية" التي تعمل في منطقة الأغوار، مثل مستوطنتي "كاليا"، و"نتيف هكدود"، الى جانب الشركة "الإسرائيلية" للكهرباء التي تشارك في تمويلها بنوك بريطانية (باركلي) وألمانية وتستثمر فيها شركات أوروبية متعددة، فرنسية وسويسرية وبريطانية ونمساوية.

تشارك شركة فرنسية (سيسترا) في دعم الموصلات "الإسرائيلية" في منطقة القدس عن طريق شركات "إسرائيلية" (ديل وماتي)، كما تساهم الشركة الفرنسية ألستوم والشركة الإسبانية أينكو في القطار الهوائي "الإسرائيلي"، وتساهم شركات عالمية (كندية، ألمانية، اسبانية) في دعم شركة القطارات "الإسرائيلية" التي اقتطعت أجزاءا من أراضي خاصة في قرى وبلدات فلسطينية (بيت إكسا وبيت سوريك) لمدّ خط سكة الحديد بين تل أبيب والقدس المحتلة.

في مجال البنوك "الإسرائيلية" التي تساهم في تمويل المستوطنات والمشاريع فيها، يأتي الاستثمار الأوروبي فيها (فرنسا، ألمانيا، سويسرا، النروج، هولندا وغيرها) دعما لها ولمشاريعها. في مجال السياحة، وهذا ما ركّز عليه تقرير الأمم المتحدة، تدعم البنوك الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) الشركات السياحية الأميركية المشار اليها في التقرير وتمتلك أسهم فيها شركات تأمين وبنوك من كافة الدول الأوروبية، ومن بينها صندوق التقاعد النروجي الرسمي.

لماذا رحّبت قوى فلسطينية بقائمة الأمم المتحدة، رغم انها لا تحوي فعليا إلا على 18 شركة أجنبية وأغلبها في مجال السياحة (أوبودو، ايدريمز) ؟  أين هي الشركات الأخرى المشاركة في الاستيطان ودعم اقتصاد الاستيطان والتي تعدّ بالمئات ؟ هل ستكتفي بهذه "الجزرة" أم ستشارك بفضح الشركات الأجنبية التي تدعم كيان استيطاني اقتلاعي وتباشر بحملة مقاطعة لها وتطالب الدول العربية والإسلامية بمقاطعتها ؟ ومن ما يزال متوهما بأن الدول الأوروبية، التي فرضت شروطا تمويلية على الفلسطينيين، قد تساهم في زوال الاحتلال ؟

انشر عبر
المزيد