"ايران وفلسطين: الماضي، الحاضر والمستقبل" للسيد علي علوي*

14 شباط 2020 - 12:15 - الجمعة 14 شباط 2020, 12:15:56

غلاف كتاب
غلاف كتاب

عرض: راغدة عسيران

في 184 صفحة وخمسة فصول، يتناول الكتاب تاريخ العلاقة التي تربط الشعب الايراني وأحزابه ومؤسساته، بالقضية الفلسطينية وما مدى تأثير الموقف الإيراني على صمود المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني.

لتوضيح هذه العلاقة، خصّص المؤلف الفصل الأول لعرض موقف المعارضة الايرانية لحكم الشاه، اليسارية والإسلامية، المؤيدة للقضية الفلسطينية، في حين كان نظام الشاه يعتبر من أهم أنظمة المنطقة الداعمة للكيان الصهيوني. بالنسبة للقوى اليسارية المناهضة للنظام الشاهنشاهي وللأمبريالية، شكّل التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته مسألة مبدئية، لارتباط الصهيونية والامبريالية والرجعية. يورد الكاتب أمثلة للتعاون بين حركات المقاومة الفلسطينية وحركات المقاومة الإيرانية (تدريب هذه القوى في معسكرات الثورة في الأردن ولبنان) والنضال المشترك في الدول الغربية ضد التحالف الصهيوني الأميركي الشاهنشاهي ضد شعوب المنطقة.

ثم ينتقل المؤلف الى عرض مواقف المرجعيات والقيادات الفكرية والسياسية الإسلامية من القضية الفلسطينية، قبل الثورة الإسلامية في ايران وإقامة الجمهورية الإسلامية. يذكر أنه في العام 1947، أصدر آية الله كاشاني أول بيان حول القضية: "إن تأسيس النظام الصهيوني سيكون منبع الفساد للمسلمين في الشرق الأوسط وسائر العالم. لن يتوقف الضرر على الفلسطينيين فحسب، ولذلك، من الواجب لكل المسلمين العمل من أجل إيقاف هذا الطغيان ضد المسلمين الفلسطينيين".

وفي ربيع العام 1948، خرج حوالي 30 ألف متظاهر ايراني في طهران للتنديد بإقامة الكيان الصهيوني. من ناحية أخرى، لعب نواب صفوي (منظمة فدائيي الإسلام) دورا مهما في حشد الجماهير الإيرانية الى جانب الشعب الفلسطيني وتوعيتها حول مخاطر الصهيونية على الأمة الإسلامية والعالم. وقد حثّ آية الله طالقني الى دفع الزكاة الى الشعب الفلسطيني وآمن بأن فلسطين هي أولى قضايا المسلمين في العالم. وعلى هذا الخط، سار ايضا آية الله مطهري قبل اندلاع الثورة الإسلامية وحدّد ثلاثة أمور لدعم الفلسطينيين: دعم الشعب الفلسطيني يعني المسلمين كافة. يمكن دعمه بطرق مختلفة، بالكلام، بالمال أو الجهاد، والدفاع عن فلسطين واجب مقدس.

لم يختصر دعم شعب فلسطين على رجال الدين، بل كان علي شريعتي وجلال أحمد من المدافعين أيضا عن القضية الفلسطينية. بالنسبة لعلي شريعتي، الكيان الصهيوني صنيعة الغرب في الشرق الأوسط، وفلسطين جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، والتعامل "الاسرائيلي" الهمجي مع الشعب الفلسطيني يوجب على الجميع دعم شعب فلسطين. لقد ساهم علي شريعتي بالخطاب السياسي الإيراني حول الصهيونية بالتركيز على العلاقة بين الصهيونية والإمبريالية في الأوساط الدينية، فيقول : لسنا أعداء اليهود بل "إسرائيل"، وليس بسبب الدين، لكن بسبب كونها دولة فاشية وقاعدة للاستعمار الغربي والامبريالية."

ثم يعرض الكاتب علاقة الإمام الخميني بالقضية الفلسطينية، قائلا أن في قراءته للقرآن الكريم، خصّص الإمام مكانة خاصة لفلسطين كأرض في قلب الأمة، مشدّدا على العلاقة الراسخة بين القضية الفلسطينية وإيران المسلمة للتأكيد على وجوب دعم فلسطين من قبل المسلمين الإيرانيين والدفاع عنها. وبما أن الكيان الصهيوني مرتبط عضويا بالإمبريالية، دعا الإمام الخميني الى مقاومة الصهيونية والامبريالية الاميركية، ونبّه الى أن إقامة دولة "إسرائيل" هي عمل مشترك بين الغرب والشرق. بالنسبة للمرجعية الدينية الايرانية والتيارات السياسية ما قبل الثورة الاسلامية في ايران، تكمن أسباب الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية ولشعب فلسطين المجاهد في الأمور التالية: موقع "اسرائيل" كقاعدة متقدمة للامبريالية في قلب الأمة، وموقع فلسطين والمسجد الأقصى كجزء جوهري من الساحة الإسلامية، والعلاقات الراسخة بين نظام الشاه والكيان الصهيوني وكون النضال الفلسطيني يمثل قضية محقة.

في الفصل الثاني، يدرس المؤلف علاقات إيران مع فلسطين خلال العقد الأول من الثورة الإسلامية، من خلال حدثين : أزمة الرهائن والحرب الايرانية العراقية، حين انكشف التمايز الايديولوجي بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة الثورة. لكن رغم ذلك، استمرت الثورة الإيرانية في دعمها للقضية الفلسطينية. رفضت القيادة الثورية الايرانية والطلاب المقتحمون للسفارة الأميركية وساطة القيادة الفلسطينية بين الولايات المتحدة وايران، خلال أزمة السفارة، معتبرين أن ياسر عرفات يعمل، في الوساطة، لصالح الأميركيين، ما قد يؤثر على الشعور الشعبي الايراني المؤيد لقضية فلسطين، وعلى اعتبار ان منظمة التحرير هي الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني.

بعد اندلاع الحرب الايرانية العراقية في سبتمبر/أيلول 1980، سارع ياسر عرفات الى تقديم وساطته بين العراق وايران، منطلقا مما يراه المصلحة الفلسطينية، كون الحرب بين دولتين اسلاميتين تضعف الموقف الفلسطيني وتبدّد القدرات الاقتصادية والدفاعية للدولتين. ولكن بعد رفض الجمهورية الإسلامية التفاوض مع الجانب العراقي في أولى سنوات الحرب، انتقل ياسر عرفات الى الصف العراقي، لا سيما بعد دخول العراق في محور عربي يضم المملكة العربية السعودية ومصر (بعد فك عزلها) والأردن، ضد ايران المتهمة بنيّة "تصدير الثورة". يرى الكاتب أن موقف ايران النابع من ايديولوجيتها اعتبر أن اصطفاف منظمة التحرير الى جانب العراق يدلّ على عدم ترسيخ مفهوم الثورة لديها، لا سيما وأنها أصبحت تميل الى مسار التسوية (مشروع فهد في العام 1981). في هذا السياق، يتابع المؤلف عرض الموقف الايراني من القضية الفلسطينية خلال الحرب الايرانية-العراقية، أو كيف فسّرت القيادة الايرانية هذه الحرب في ضوء صراعها مع الصهيونية والامبريالية. ثم موقف الجمهورية الإسلامية من مشاريع التسوية المطروحة، وخاصة بعد الاجتياح الصهيوني للبنان. يعتبر المؤلف أن تباعد ايران عن منظمة التحرير الفلسطينية لم ينتج عنه التخلي عن القضية الفلسطينية، ولا عن تقارب مع الكيان الصهيوني.

يدرس المؤلف في الفصل الثالث من كتابه علاقة ايران بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، متوقفا في البداية عند نشأة الحركة في بداية الثمانينيات في مصر وتأليف الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي لكتاب "الخميني، الحل الإسلامي والبديل"، وهو أول كتاب يصدر باللغة العربية عن الثورة الإسلامية في ايران. ثم يعرج الى دراسة فكر الشهيد الشقاقي بعلاقة مع الثورة الإسلامية في إيران، من خلال مقالاته ودراساته التي ترجمت الى اللغة الفارسية، لا سيما "السنة والشيعة، ضجة مفتعلة" (صدر باسم د. إسلام محمود) و"مقدمة حول مركزية فلسطين في المشروع الإسلامي المعاصر" وكتابه "الخميني..."، التي عرض بالتفصيل محتواها للقراء. ثم يشير الى أولى سنوات المقاومة بعد عودة قيادة الحركة الى فلسطين، وكيف استطاعت، بفضل الفكر الثوري التي ميّزها عن الحركات الأخرى، بـ"دحرجة" الانتفاضة عام 1987. من خلال حركة الجهاد الإسلامي، أراد المؤلف التركيز على التماهي الايديولوجي بين حركات سياسية عربية والثورة الاسلامية في إيران، وخاصة في فلسطين، حول مفهوم الإسلام كإيديولوجية تحرّر من الطغيان ومركزية فلسطين في الأمة.

يوضّح الفصل أيضا نشأة العلاقة الرسمية بين حركة الجهاد الإسلامي وايران بعد إبعاد الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي والشيخ عبد العزيز عودة الى لبنان في العام 1988، وفتح ممثلية للحركة في ايران في العام 1991، وتطوّر الحركة في مخيمات لبنان وسوريا بفضل دعم ايران وحزب الله.

خصّص المؤلف الفصل الرابع للعلاقة بين حركة حماس وايران ما بين 1987 و2011. بعد نظرة سريعة على نشأة الحركة في الثمانينيات من القرن الماضي، وتطورها، يسلط الضوء على فترتين: الأولى من النشأة الى العام 2006 والثانية من 2006 الى 2011 والأزمة السورية، مع مقدمة حول موقف ايران المؤيد للحركات الإسلامية في فلسطين وللانتفاضة والمقاومة. في هذا الخصوص، يعرض بالتفصيل نص القانون الذي أصدره البرلمان الايراني في أيار 1990 حول مساندة الشعب الإيراني للشعب الفلسطيني، والذي يشمل الحركتين الإسلاميتين، وكيف واجهت ايران مشاريع التسوية بدعمها للمقاومة الفلسطينية.

بالنسبة لحركة حماس، يذكر المؤلف زيارة الشيخ الشهيد أحمد ياسين الى طهران ولقاءه مع القيادة الايرانية في نيسان / ابريل 1988، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال، وفتح ممثلية للحركة في العام 1992، وتوثيق العلاقة بين ايران وحزب الله من جهة والحركة من جهة أخرى خلال فترة الإبعاد الى مرج الزهور. لقد دعمت ايران حركة حماس خلال انتفاضة الأقصى ورحّبت بفوز الحركة في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية عام 2006، وبعد الحصار، واصلت دعمها المالي والسياسي لقطاع غزة. اعتبرت ايران ان فوز حماس في الانتخابات التشريعية مهم لانه يسمح لها برفع مستوى علاقاتها مع حماس الى علاقات بين حكومتين. ثم بيّن موقع الحرب الصهيونية على قطاع غزة عام 2008-2009 بالنسبة لايران التي أصبحت القوة الإقليمية الرئيسية الداعمة للمقاومة الفلسطينية والمدافعة عن الشعب الفلسطيني وحقوقه، كما بيّن موقف حزب الله من المقاومة الفلسطينية ودعمه لها، حتى تم تشكيل محور المقاومة الذي يضم الحركات الفلسطينية المقاومة وحزب الله وسوريا وايران.

يتناول الفصل الخامس علاقة ايران بالمقاومة الإسلامية الفلسطينية بعد ما سمي بالربيع العربي في 2011، وخاصة في سوريا. بعد عرض لموقف ايران من النظام السوري المعادي للكيان الصهيوني والمؤيد لحركات المقاومة الفلسطينية، وأهمية سوريا بالنسبة لمحور المقاومة، يوضّح موقف حركة حماس من "الربيع العربي" حيث أنها فضّلت الانضمام الى محور التقارب الإيديولوجي (حركة الإخوان المسلمين) بدلا عن محور مقاومة الكيان الصهيوني، إلا أن هذا السلوك لم يؤثر على موقف ايران إزاء حركة حماس، لأنها حركة مقاومة أساسية ضد الكيان الصهيوني. رغم المواقف المتباعدة، ظلّت العلاقة قائمة بين حماس والقيادة الإيرانية لاعتبارات استراتيجية وتكتيكية، في حين ظلت العلاقة مع حركة الجهاد مبنية على تقارب ايديولوجي وسياسي، رغم موقف الحركة الحيادي من الأزمة السورية.

واصلت ايران دعمها للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة التي استطاعت رد العدوان الصهيوني في حربي 2012 و2014، انسجاما مع منطلقات الثورة الإسلامية التي حدّدت العدو المركزي للأمة، وذلك رغم انشغال ايران بالملف النووي والمفاوضات حوله. يشير المؤلف الى أن موقف ايران إزاء القضية الفلسطينية لم يتغيّر مع صعود الإصلاحيين الى الحكم، بل كان خطابهم أكثر مرونة وبرغماتية خلال المفاوضات حول النووي، لأنهم يدركون أن الموقف المبدئي الإيراني من القضية الفلسطينية غير مرحب به في الغرب، وقد يفسد المفاوضات. في الوقت الذي كان يعاني فيه الشعب الإيراني من جراء الحصار الاقتصادي بسبب الملف النووي ومواقف بلادهم الداعمة للمقاومة الفلسطينية، كانت الجماهير الإيرانية تعبّر عن غضبها ضد الاعتداءات الصهيونية المتكررة ضد قطاع غزة ومساندتها للمقاومة. ولكن أراد المؤلف توضيح الصورة أكثر بنقل بعض الآراء الهامشية المنتقدة لسياسة الحكومة، القائلة بأنه لا يمكن أن تستمر إيران بدعم المقاومة والشعب الفلسطيني بهذا الشكل، وأن تكون "ملكية أكثر من الملك" في حين لم تقم الدول العربية بواجبها إزاء القضية الفلسطينية، خاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

في الختام، يرى المؤلف أن دعم ايران للشعب الفلسطيني ومقاومته ينبع من ايديولوجية الثورة الايرانية التي لم تتغيّر منذ 40 سنة، ولكنه يرى ايضا أن إيران تسعى الى تحقيق أهداف جيواستراتيجية في المنطقة، ليس من منطلق استغلال دعمها للمقاومة، بل من منطلق توسيع دائرة الدعم لفلسطين وقضيتها، ومواجهة التيار الاميركي الصهيوني المتمثل ببعض الأنظمة العربية، لا سيما الخليجية. إن بدت القضية الفلسطينية "حصان طروادة" لتوسيع نفوذ ايران في المنطقة، يعتبر الكاتب أن القضية الفلسطينية هي المدخل الى رفض الهيمنة الغربية الصهيونية على المنطقة وقيادة الأمة الموحدة نحو التحرّر من النفوذ الأجنبي.

تقع أهمية هذا الكتاب كونه يوثّق لأول مرة، بإحدى اللغات الأجنبية، علاقة الجمهورية الإسلامية في إيران بالقضية الفلسطينية، من خلال النصوص الرسمية والمقابلات (مع ممثلي حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس في طهران) وتصريحات شخصيات إيرانية أو فلسطينية، والتقارير الصحافية، إضافة الى اعتماده على المراجع الأيرانية والإنكليزية للحديث عن حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين ولكن عدم اطلاعه على المراجع العربية أوقعه أحيانا بأخطاء جانبية، كقوله مثلا أن "سرايا القدس"، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، أنشئت في العام 1981.

من خلال عرضه لموقف ايران من الحركتين الإسلاميتين في فلسطين (حركة الجهاد وحماس) ومسألة الانتخابات التشريعية في السلطة عام 2006، يتضح مدى استقلالية الحركتين رغم الدعم الإيراني، إذ لم تشارك حركة الجهاد في هذه الانتخابات في حين اعتبرت ايران أن فوز حماس فيها ايجابي. ومن ناحية أخرى، لم تتبنّ أي من الحركتين، في نصوصها الرسمية، الاقتراح الإيراني لحلّ القضية الفلسطينية بإجراء استفتاء شعبي يختصر على الفلسطينيين، كما صدر في خطاب القائد الخامنئي (2011). وقد أكد الكاتب على استقلالية الحركتين الإسلاميتين.

لم يهتم الإعلام العربي ولا الأكاديمية العربية في الغرب بالكتاب، لأسباب سياسية، ولكنه أثار اهتمام الأكاديميين الصهاينة في المؤسسات الغربية الذين أجروا مقابلات مع المؤلف لرصد وفهم السياسة الإيرانية اتجاه القضية الفلسطينية وشعب فلسطين وحركاته المقاومة.

----------------------       

*العنوان الأصلي للكتاب: «Iran and Palestine: Past, Present, Future»

صدر عن روتلدج باللغة الانكليزية، 2020

الكاتب: علي علوي

استاذ مشارك في معهد الدراسات الشرقية في الجامعة لندن وحاصل على دكتوراة في الدراسات الدولية.

انشر عبر
المزيد