حوار مع الباحث أحمد حنيطي

التجمعات البدوية في الضفة الغربية: نمط حياة يقاوم التمدد الاستيطاني الصهيوني

10 شباط 2020 - 02:13 - الإثنين 10 شباط 2020, 14:13:44

وكالة القدس للأنباء - خاص

يشكّل البدو أحد مكوّنات الشعب الفلسطيني، ويعانون من الاحتلال الصهيوني لفلسطين، كما تعاني المكوّنات الأخرى. ولكن، وبسبب نمط حياتهم الذي يعرقل التمدّد الاستيطاني، باتوا الضحية الأولى لعربدة المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وهدم البيوت والمنشآت وسرقة المواشي، لا سيما في المنطقة المصنفة "ج".

وللاطلاع على أوضاع البدو ومعاناتهم، ومقاومتهم لمخططات الاستيطان، ومحاولات سلطات الاحتلال السيطرة على أملاكهم والتضييق عليهم، بغية تهجيرهم، وبخاصة في ظل الإعلان عن "صققة القرن"، التي تبيح ابتلاع المنطقة المصنفة "ج" بما فيها منطقة الأغوار، طرحت وكالة القدس للأنباء بعض الأسئلة على الباحث أحمد حنيطي*، لتسليط الضوء على هذا الملف الساخن الذي يشكل تهديدا مباشرا على وجودهم.

س: من هم البدو في فلسطين؟ في الضفة الغربية المحتلة؟

هل تمايزهم عن سائر الفلسطينيين هو نمط حياتهم أم شيء آخر؟ 70% منهم لاجئون من الأراضي المحتلة عام 48. رفضوا التوجّه الى المخيمات. ما مدى تدخل الأونروا في رعاية شؤونهم ؟

محددان رئيسيان لتعريف البدو

- ج) عُرف البدو تقليديا من خلال نمط حياتهم، وربما يكون التنقّل والاقامة في الصحراء والاعتماد على الثروة الحيوانية أهم محدّدات تعريف البدوي، إضافة لمحدّدات أخرى. والمحدّدات السابقة لتعريف البدو لم تعد صالحة في الوقت الحالي. في كتابي: "التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية" اعتمدت على محدّدين رئيسيين لتعريف البدو هما: نمط الحياة المعتمد على الثروة الحيوانية رغم تراجعه، والثاني، وهو الأهم، هو تعريف البدو أنفسهم كبدو. المحدّدات السابقة ولّدت إشكالية في تحديد من هم البدو وبالتالي أعدادهم.

فمثلا خلال حضوري لقاء لوجهاء القبائل البدوية، تحدّثوا عن أهمية تمييز الهوية البدوية من خلال التعريف الذاتي للهوية "انا بدوي أسكن في القرية/المدينة". أُنشئت مؤسسة "بدو بلا حدود" عام 2015، في محاولة لأن تكون مؤسسة جامعة للبدو في كامل فلسطين. والقائمون عليها يعرّفون أنفسهم بأنهم بدو، ولكن لا تجد في نمط حياتهم مما يدلّ على انتمائهم البدوي.

تعرّف هذه المؤسسة القبائل البدوية التي توطّنت في الثلاثينيات في قرى مثل قبائل التعامرة والسواحرة وابن عبيد وغيرهم بأنهم بدو، ولكن الكثير من أفراد هذه القبائل ليس لهم علاقة بنمط الحياة البدوي التقليدي، كما أنهم لا يعرّفون أنفسهم بأنهم بدو.

إضافة لما سبق، يوجد بعض الرعاة الذين يعتمدون على الثروة الحيوانية ويتنقّلون مع مواشيهم، ويشبه نمط حياتهم نمط حياة البدو التقليدي، ولكنهم لا يعرّفون أنفسهم كبدو وإنما فلاحين.

اشكالية تعريف البدو يوّلد اشكالية في حصر عددهم، ونسبة اللاجئين منهم، ولكن في كتابي المذكور سابقا حصرت البدو في وسط الضفة الغربية المحتلة في القبائل التالية: الجهالين والرشايدة والكعابنة، ولأن معظم أفراد هذه القبائل لا يزالون يعتمدون على نمط الحياة البدوية المتمثلة في الثروة الحيوانية، وفي نمط حياة أقرب لحياة النمط البدوي التقليدي، وكذلك يعرّف أفراد تلك القبائل أنفسهم بأنهم بدو، سواء الذين يعيشون حياة قريبة من النمط البدوي أو الأفراد المقيمون في المدن والقرى الفلسطينية وحتى في الخارج.

كان جزء من هذه القبائل منتشرا في مناطق الـ 48، في منطقة تل عراد كما هو حال قبيلة الجهالين، ومنهم من كان منتشرا في مناطق قريبة أو أن جزءا من أراضيهم تتداخل مع أراضي 48، وبالتالي تم تهجير بعضهم أو فقدت القبيلة مراعيها، ولهذا يحمل حوالي 70% من تلك القبائل صفة اللجوء. تقتصر خدمات الأونروا لهم على المشروعات الاغاثية مثل توفير بعض المواد التموينية، وكذلك بعض المشاريع مثل الدعم النفسي-الاجتماعي وخدمات العيادة المتنقلة. لا تغطي هذه الخدمات كل التجمعات، كما تتلقى هذه التجمعات دعما من جهات مختلفة ولكنها لم ترتقِ إلى حجم التحدي المطلوب.

البدو، لا سيما في الضفة الغربية يعانون من تهميش سياسي وثقافي، وأسباب هذا التهميش متعدّدة، منها عدم تمكنهم من تولي الزعامة السياسية (باستثناء ظاهر العمر في القرن الثامن عشر)، وعدم وجود تعريف من هم البدو، ولكن الأهم هو العلاقة بين البدو والأرض، حيث يوجد اعتقاد لدى الكثيرين، وهو اعتقاد غير صحيح، بأن البدو لا ينتمون للأرض، وإنما انتماءهم هو للتاريخ، أي لرابطة الدم، والحالة الفلسطينية المرتبطة بالتهجير أولت اهتماما للفلاح باعتباره صاحب الانتماء بالأرض. وقد كتبت عن هذا التهميش في دراسة منفصلة سوف تصدر في عدد قريب من مجلة "المستقبل العربي”.

التجمعات البدوية حجر عثرة أمام الإستيطان

ما هو تأثير الاحتلال على التجمعات البدوية؟

- ج) احتفظ البدو أثناء تهجيرهم بمعظم ثروتهم الحيوانية، وقد تم تهجيرهم بعد النكبة (في الخمسينيات). لا تناسب المخيمات لنمط حياتهم وثروتهم الحيوانية، فتجنبوا الانتقال إليها وبحثوا عن مناطق تستوعب حاجات ثروتهم الحيوانية من المراعي، فوجد معظمهم في المنطقة الشرقية للضفة الغربية المكان المناسب لهم، حيث تتميّز المنطقة بكثافة سكانية منخفضة، وكانت معظم أراضي المنطقة قد خصصت تاريخيا للرعي وليس للزراعة النباتية، كما قلّت كثيرا الكثافة السكانية إثر النكسة، بعد نزوح معظم سكانها، ومن ضمنهم البدو.

انتقلت عائلات بدوية للاقامة بمحاذاة القرى في مناطق الجبل الفلسطيني، ولكن الانتشار الأكثر للبدو لا يزال في المنحدرات الشرقية للضفة الغربية وفي الأغوار. ولهذا يتراوح حجم التجمعات البدوية من بضع العشرات كما هو الحال في التجمعات البدوية في منطقة كفرمالك وقرى شمال غرب القدس وبيتونيا إلى المئات كما هو الحال في تجمعات المعرجات في أريحا وبرية القدس.

منطق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قائم على "أرض أكثر وعرب أقل"، فالتجمعات البدوية تنتشر في المناطق الأقل كثافة سكانية على طول الشريط الشرقي للضفة الغربية، وتعتبر هذه المنطقة في ذات الوقت مغرية وحيوية للضم "الاسرائيلي"، حيث الكثافة السكانية الحالية تقدّر بحوالي 34 فردا في (الكلم الواحد) في الشريط الشرقي مقابل 492 فردأ (في الكلم الواحد) في مناطق الجبل.

إضافة لذلك فإن نمط الحياة البدوية يتمثل بتجمعات قليلة العدد ومبعثرة، وحتى منازل التجمّع الواحد مبعثرة، أي قد تصل المسافة بين منزل وآخر إلى 100 مترا وأحيانا يزيد عن ذلك، كما أن نمط الحياة المعتمد على الثروة الحيوانية يحتاج لمساحات شاسعة من الأراضي الضرورية للرعي، ولهذا يخترق الرعاة بمواشيهم المناطق العسكرية المغلقة ومناطق اطلاق النار وتقيم بعض التجمّعات في مناطق اطلاق النار. ولأن نمط الحياة البدوية قائم على الأمور الأساسية في الحياة، وعدم وصول البنية التحتية والخدمات للكثير من التجمعات البدوية، يصبح الضغط على هذه التجمعات من قبل الاستعمار "الاسرائيلي" أكثر صعوبة. كل ذلك يجعل التجمعات البدوية تشكل حجر عثرة أمام الاستيطان والتمدد الاستيطاني وعمليات الضم والتهويد.

أضف إلى ذلك أن الاستعمار "الاسرائيلي" لا يسمح للبدو بتطوير منشآتهم الاقتصادية والسكنية وتوفير الحد الأدنى من البنية التحتية والخدماتية، وقد أجبر معظم البدو على التخلي عن التنقّل الموسمي (صيفا وشتاءا) ويمنعهم من العودة إلى مكان اقامتهم في مناطق الشريط الشرقي. ومن يضطر للتنقل بسبب درجات الحرارة العالية صيفا في الأغوار يُبقي الهياكل السكنية والحظائر كما هي، لعدم السماح له باعادة بنائها. في كثير من الأحيان صادرت "إسرائيل" الهياكل السكنية أثناء نقلها من مناطق التعزيب.

المحميات تحد من توفر المراعي

ماذا تعني للتجمعات البدوية ضم "المحميات الطبيعية" الى الكيان واستحداث غيرها؟

- ج) لا شك أن التجمعات البدوية تواجه تكثيف للممارسات "الاسرائيلية" الاستعمارية المتمثلة بعمليات الهدم للمنشآت السكنية وسبل العيش والمراقبة المستمرة، وكذلك التضييق على الرعاة واعتداءات المستوطنين وغير ذلك، كما أن تصنيف بعض الأراضي كـ"محميات طبيعية" تحد من توفر المراعي اللازمة لاستمرار نمط الاقتصاد التقليدي البدوي، لا سيما أن دخول البدو بأغنامهم إلى هذه المحميات يعني مصادرة الثروة الحيوانية واعتقال الرعاة.

إعتداءات شبه يومية

ماذا تعني للتجمعات البدوية إقامة مستوطنات فردية في الأغوار ؟

- ج) استحدثت "إسرائيل" في الفترة الأخيرة نمط "الاستيطان الفردي" وهذا النمط يتميّز باعتماده على الزراعة ولا سيما الثروة الحيوانية، حيث يسيطر المستوطن الفرد على مساحات كبيرة من الأراضي ويملك بعض رؤوس المواشي، ويعتمد على نمط الحياة الرعوية. وبالتالي تضيق مساحات الرعي للبدو، ويقوم المستوطن باستخدام الكلاب والأسلحة بالاعتداء على الرعاة وثروتهم الحيوانية والمحاصيل الحقلية، مدعوما من قوات الاحتلال "الاسرائيلي". ونتيجة للتواجد الدائم لهذا المستوطن وبعض المتطوعين الصهاينة في المراعي، باتت مثل تلك الاعتداءات شبه يومية.

القرى المستحدثة كحل لمسألة البدو

ما هي مشاريع "مخططات القرى" الخاصة بالبدو التي تستحدثها الادارة المدنية "الاسرائيلية"؟ لماذا يرفضها البدو ؟

- ج) إحدى آليات التخلص من نمط الحياة البدوية من قبل الادارة المدنية الاستعمارية "الاسرائيلية" هي اقامة "قرى مستحدثة" كحل لمسألة البدو. يعتبر البدو هذه القرى عبارة عن مخيمات لا تلبي أدنى الاحتياجات المعيشية ونمط الحياة البدوية، وتهدف إلى تجريد البدو من الثروة الحيوانية وجعلهم يعتمدون على العمل في المنشآت الفلسطينية و"الاسرائيلية"، وبالتالي تخليهم عن استخدام مساحات جغرافية كبيرة سواء للسكن أو للرعي، وبالتالي تنفيذ المخططات الصهيونية بالاستيلاء على الأراضي وضمها وتهويدها. لهذه الأسباب، ترفض المؤسسات الفلسطينية والبدو هذه المخططات. كما أن اقامة هذه المخططات بجانب مناطق "أ" يجعلها تتبع لاحقا للسلطة الفلسطينية. وحتى الآن يوجد ثلاث مخططات للـ"قرى المستحدثة" وهي: "مخطط الجبل" في القرب من القدس، مخطط النويعمة في القرب من أريحا، ومخطط فصايل في الأغوار. ولم يطرأ أي تغيير على هذه المخططات حتى اللحظة بسبب رفض البدو والسلطة الفلسطينية، لكنها لا تزال قائمة، ويتم التداول فيها في المحاكم "الإسرائيلية" بين محامي البدو والسلطة الفلسطينية من جهة والإدارة المدنية "الإسرائيلية" من جهة أخرى، باعتبارها قضية سياسية.

مواجهة مخططات "التوطين

كيف يتم رفض مشاريع "التوطين" ؟

- ج) ليس عند البدو مشكلة في التوطين، فهم يطالبون باستمرار بتوفير الخدمات والبنية التحية لهم، والسماح لهم بتطوير منشآتهم السكنية بحيث يسمح لهم بالبناء الأسمنتي، واقامة قرى زراعية تلبي احتياجاتهم الاقتصادية والثقافية. لكن التوطين الذي تعرضه "إسرائيل" على البدو لا يلبي تلك الاحتياجات، ويقاوم البدو مخططات التوطين المعروضة من خلال المحاكم "الاسرائيلية" ومساعدة المؤسسات الدولية، وعرض قضاياهم في المحافل الدولية، وأيضا من خلال إعداد مخططات بديلة تلبي احتياجاتهم.

ماذا يعني للتجمعات البدوية ضم الأغوار والمنطقة المصنفة "ج" ؟

- ج) حاليا تسيطر "إسرائيل" على المناطق التي ينتشر فيها البدو باعتبارها مناطق مصنفة (ج)، أي وفقا لاتفاق "أوسلو" تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية "الاسرائيلية" الكاملة، ولكن "إسرائيل" لا تقدم أية خدمات للتجمعات البدوية، بل تسعى لتهجيرهم ودفعهم للاقامة بالقرب من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية بحيث يتم دمجهم لاحقا بها.

ضم "إسرائيل" للمناطق التي ينتشر فيها البدو سيزيد الضغط على التجمعات البدوية، وتسريع عملية التهجير الممنهج ضدهم، كما ستكون "إسرائيل" أكثر صرامة في تصنيفها للأراضي وتعامل البدو مع تلك التصنيفات، كمناطق عسكرية أو محميات أو غير سكنية وغير ذلك، لا سيما أن البدو لا يملكون أوراق تثبت حقهم في استخدام الأراضي للسكن أو للرعي. ومن جانب آخر، سوف تفرض "إسرائيل" اجراءاتها بشكل أكثر تعسفا تجاه المؤسسات التي تقدم الدعم للتجمعات البدوية، لا سيما الدولية منها، التي سيعمل على أيقاف عملها أو الحد منه أو تنفيذه بشكل أكثر ملاءمة للسياسة "الإسرائيلية". كل ذلك سيجعل الحياة البدوية أكثر صعوبة وقسوة ويساهم في تهجيرهم.

خذ غنماتك وارحل

اتفاقية "أوسلو" وآثارها على التجمعات البدوية

- ج) أثرت اتفاقية أوسلو على التجمعات البدوية من جانبين، الأول عملت اتفاقية أوسلو على ترسيخ الاستعمار وشرعنته في الضفة الغربية، مما سبّب بارتفاع حجم الأراضي المصادرة وعدد المستوطنات والمستوطنين، ما انتج تقليص المساحات المسموح للبدو التحرك فيها واستخدامها، منها المناطق السكنية والرعوية. وأسفر انتشار المستوطنات "الاسرائيلية" في المناطق التي ينتشر فيها البدو عن التضييق على المصادر الاقتصادية الرعوية، والمجالات التي يتحركون فيها. والجانب الثاني هو انسحاب "اسرائيل" من تحمّل المسؤولية الخدماتية لتلك التجمعات. هذا لا يعني أن "إسرائيل" كانت تقدم خدمات لها، وإنما كانت المضايقات حول استخدام المراعي والوصول إلى المياه أقلّ، وكذلك حياة التنقل أيسر وأسهل من الوضع الحالي، وبالتالي كانت الممارسات "الاسرائيلية" تجاه البدو أقل كثافة وعنفا مما هي عليه بعد اتفاقية أوسلو.

بعد اتفاقية أوسلو أصبحت كثافة هذه الممارسات أكثر بعشرات المرات، بسبب ارتفاع عدد المستوطنات، وتقليص المساحات الرعوية، وبسبب التضييق على التجمعات البدوية للوصول إلى الخدمات وتطوير منشآتهم السكنية. يطلب "الاسرائيليون" دائما من تلك التجمعات الانتقال إلى مناطق السلطة الفلسطينية باعتبار المناطق المصنفة "ج" والتي يقيم فيها البدو، تابعة "لإسرائيل". خلال إحدى المداهمات "الاسرائيلية" لهدم إحدى التجمعات السكنية البدوية، وعندما استفسر أصحاب التجمع المراد هدمه من الضابط "الاسرائيلي" إلى أين يتوجّهون، ردّ عليه "خذ غنماتك وروح اسكن عند أبو مازن في المقاطعة".

أعدت السلطة الوطنية "خطة دعم صمود التجمعات البدوية والرعوية: خطة تعزيز صمود التجمعات الفلسطينية في المنطقة المسماة (ج) في مواجهة الاجراءات "الإسرائيلية" الاستعمارية" في العام 2016، ومدة الخطة خمس سنوات (2017-2022). وتطلق هذه الخطة على البدو مصطلح "حراس الأرض"، ولكن في هذه الخطة إشكاليات كثيرة، منها تتعلق بتناقض في الخطة نفسها حول أعداد التجمعات البدوية وعدد سكانها، ومنها تتعلق بالسياسات العملية والتدخّلات، حيث الخطة طموحة أكثر مما ينفّذ في الواقع، ولم يطبّق الكثير منها حتى الآن. فمثلا أحد اهم مطالب البدو هو إلغاء ضريبة الأعلاف التي ترهقهم اقتصاديا وتسبب تقلص في ثروتهم الحيوانية، وحتى الآن لم تتخذ السلطة الفلسطينية أية اجراءات بهذا الخصوص. كما رصدت الخطة حجم موازنتها ب 10 مليون دولار، ولكن هذا المبلغ قد يفيد في تغطية الاحتياجات في مرحلة إعداد الخطة، إلا أن احتياجات التجمعات البدوية متغيرة باستمرار بسبب الاجراءات التعسفية الاستعمارية شبه اليومية تجاه البدو، ما يعني أن حملة هدم لبعض التجمعات البدوية المستمرة قد تتطلب انفاق الكثير من الاموال للتعويض على هؤلاء السكان، إضافة إلى تكاليف المرافعات القانونية التي لا يوجد تحديد لعددها، والخطة لا تأخذ بعين الاعتبار تلك المتغيرات.

لا يوجد استراتيجية واضحة، ولا استراتيجية عملية لدى السلطة في التعامل مع التجمعات البدوية. فمن ناحية تنظر إليهم نظرة شك باعتبارهم متواطئين مع "الاسرائيليين"، لاسيما أن معظم البدو يفضّلون التعامل مع المحامي اليهودي "شلومو ليكر" للدفاع عن قضاياهم في المحاكم "الاسرائيلية". فهم يعتبرونه أكثر جدية، والأقدر على تحقيق نتائج أقرب لصالح البدو كما يرون، حيث المبدأ الذي يستعمله هذا المحامي هو عدم وجود أماكن أخرى لهؤلاء البدو للانتقال إليها، وبالتالي غالبا ما يحصل على أحكام تجمّد قرارات الهدم، مما يعطي البدو مزيدا من الوقت للمناورة. وهو المبدأ ذاته الذي جعل الإدارة المدنية "الاسرائيلية" استحداث القرى البدوية الثلاث السابق ذكرها، أي توفير أماكن لاقامة البدو. في المقابل، المبدأ القانوني الذي تتعامل معه السلطة الفلسطينية في المحاكم "الاسرائيلية" هو عدم شرعية قرارات الهدم، باعتبار أنها قرارات تتعلق بالضفة الغربية المحتلة، أي أن الدفاع سياسي أكثر منه قانوني، وغالبا لا تتعاطى معه المحاكم "الاسرائيلية"، ولا يحمي التجمعات البدوية من الهدم.

أضف إلى ذلك ان معظم البدو يعتبرون أن الدعم الذي تقدمه السلطة الفلسطينية أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لدعم السكان في صمودهم وبقائهم في المناطق المستهدفة بالاستيطان. وهي النظرة ذاتها تجاه المؤسسات الأهلية الفلسطينية، ولهذا رفع البدو شعار "لا شيء عنا بدوننا" من أجل مشاركتهم في السياسات والخطط التي تتعلق بشؤونهم.

كيف يمكن وصف العلاقة مع أصحاب الأراضي التي تقيم عليها التجمعات البدوية؟

- ج) لا يقيم البدو في أراضي يملكونها، ويتنوع تصنيف الأراضي بين أراضي دولة أو وقف أو مشاع للقرى أو أراضي خاصة. بخصوص الأراضي الخاصة، يوجد نوع من الريبة والخوف عند أصحاب هذه الأراضي تجاه البدو. بعضهم يسمح للبدو في الاقامة في أراضيهم، ولكن دون توصيل الخدمات مثل المياه أو الكهرباء كما هو الحال في التجمع البدوي في قرية حزما، حيث يخشى أصحاب الأراضي حصول البدو على شبكة مياه أن يؤدي إلى تثبيت حقوقهم بالأرض. في مواقع أخرى كما هو الحال في بعض التجمعات المحيطة بالقدس، ليس لدى أصحاب الأراضي موقف واضح من وجود البدو في أراضيهم، فمن ناحية يخشون من مصادرة الأرض في حال طلبوا من البدو الانتقال من أراضيهم، وفي ذات الوقت لا يقدمون للبدو أية أوراق تساعدهم في حق التصرف في الأرض لمساعدتهم في المحاكم "الاسرائيلية"، خشية أن تكون هذه الأوراق حجة لهؤلاء البدو بحق التصرف بالأرض. وفي ذات الوقت يخشى أصحاب الأراضي أن تكون هذه الأوراق غير كافية وبالتالي تكون حجة كافية بمصادرة الأرض. في بعض التجمعات كما هو الحال في شمال غرب القدس، تسبب الثروة الحيوانية البدوية تهديدا للأراضي الزراعية للقرى مما يؤدي إلى توتر في العلاقات بين سكان القرى والبدو.

المقاومة جزء من حياة البدو اليومية

ما أهمية الحفاظ على الثروة الحيوانية البدوية، وبالتالي على نمط حياة البدو، في فلسطين اليوم، وخاصة في الضفة الغربية ؟

- ج) يشكل الحفاظ على الثروة الحيوانية أحد أشكال مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني، وذلك من عدة جوانب. الأول، تشكل الثروة الحيوانية البدوية أحد أهم مصادر توفير المنتجات الحيوانية (اللحوم والحليب ومشتقاته) للسوق الفلسطيني، أي انتاجه محليا وعدم استيراده من "إسرائيل". وثانيا، تشكل مناطق انتشار التجمعات البدوية المناطق الحيوية للاستيطان وعملية الضم، وبالتالي وجود هذه التجمعات في تلك المناطق، اضافة إلى مساحات الواسعة من المراعي، يساهم في عرقلة عملية الاستيطان، كما أن وجود هذه التجمعات في المناطق النائية والقريبة من المستوطنات يحمي الهوية الفلسطينية للمكان، ويشجع الفلسطينيين الآخرين على زيارة المنطقة. أن وجودهم في تلك المناطق يجعل مقاومتهم للمشروع الاستيطاني جزءا من حياتهم اليومية، اضافة إلى أن البدو يشكلون نموذجا في الاقتصاد ونمط الحياة المقاوم الذي يصعب على "الاسرائيليين" التحكم به، لأنهم يكتفون بما هو ضروري للعيش.

---------------

*أحمد حنيطي، حائز درجة ماجستير في علم الاجتماع من جامعة بيرزيت، مهتم بدراسة المسائل الاجتماعية والثقافية للتجمعات الزراعية والبدوية الفلسطينية، وخصوصاً في المنطقة "ج"، وركز دراساته على التحولات الاجتماعية في منطقة الأغوار الفلسطينية. صدر له العديد من الدراسات المنشورة في مجلات عربية، وصدر له عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتابين "السياسية الإسرائيلية تجاه الأغوار وآفاقها" عام 2016، و"التجمعات البدوية الفلسطينية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية" عام 2018.

انشر عبر
المزيد