الشيخ عكرمة صبري وزوّار "أوشفيتز"

27 كانون الثاني 2020 - 02:09 - الإثنين 27 كانون الثاني 2020, 14:09:19

بقلم: راغدة عسيران

في الوقت الذي كان فيه الشيخ عكرمة صبري يكسر قرار إبعاده عن المسجد الأقصى، ويدخل بكل ثقة منتصرا برفقة العشرات من المصلين، يوم الجمعة 24 كانون الثاني/يناير 2020، للصلاة في المسجد الأقصى، كان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وزير العدل السعودي الأسبق محمد بن عبد الكريم العيسى، يقدّم الولاء والطاعة الى ناهبي فلسطين ومقتحمي مساجدها ومدنّسي مقدساتها الاسلامية والمسيحية. في الوقت الذي كان فيه المقدسيون وأهل فلسطين يتوجهون الى مساجدهم لأداء صلاة الفجر، من أجل حماية المقدسات الاسلامية في فلسطين من السطو عليها وتدنيسها واختراع رواية مزيّفة حولها، وفي الوقت الذي كانت فيه قوات الهمجية الاستيطانية تشنّ هجومها على المصلين وتعتقل العشرات منهم (كما تفعل كل يوم)، كان بعض "المسؤولين" المسلمين القادمين من أنحاء العالم الى "أوشفيتز" في بولونيا يشرعنون عملية تزوير التاريخ من قبل الصهيونية العالمية.

الذهاب الى "أوشفيتز" لإحياء ذكرى ما يسمونه "المحرقة" ليس فعلا محايدا يقوم به من يسعى الى السلام كما يدّعون، بل هو عدوان على الذاكرة الجماعية العالمية التي استولى عليها المجرمون الصهاينة وحوّلوها الى أسطورة داعمة لكيانهم المغتصب لفلسطين. لقد اقترف الجيش الألماني النازي مجازر بحق الروس واليهود والغجر وعدد من الأقليات الأوروبية القومية والدينية، كما يقترف اليوم جيش العدو، مجازر بحق الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وفعل ذلك على امتداد قرن بكامله وليس لبضع سنوات.

لم تكن المجازر بحق الأوروبيين (ومنهم اليهود) أفظع من المجازر التي ارتكبها الأوروبيون الاستعماريون في الجزائر ومدغشقر وسائر الدول الإفريقية والآسيوية التي احتلوها بقوة السلاح والتي زجّوا شعوبها بالأفران وقصفوها بالطيران، وقتلوا أطفالها بقنابل النابالم الحارقة، وفي أميركا حيث أبادوا شعوبها الأصلية. لكن إحياء ذكرى ما مسّ الأوروبيين (وخاصة اليهود منهم) واعتبار "المحرقة" ذروة الوحشية وأن الشعوب الأخرى غير جديرة بالتوقف عند تاريخها وآلامها والمجازر التي أصابتها، يعني قبل كل شيء أن زوّار "أوشفيتز" انتقائيون وعنصريون لكونهم يتبنّوا الرواية التي اخترعتها الحركة الصهيونية لتاريخ أوروبا، بحوادثها وأرقامها وقصصها، لتبرير السطو على فلسطين وتهجير أهلها.

اضافة الى ان زوّار "أوشفيتز" يتجاهلون التمييز بين اليهود والصهيونية، كما تجاهلها الذين لبّوا دعوة قادة الصهاينة الى المنتدى حول "المحرقة" في القدس المحتلة. بالنسبة لكل هؤلاء، أصبح الكيان الصهيوني الممثل الرسمي والشرعي لليهود في العالم، رغم الأصوات الصاعدة، وخاصة في الولايات المتحدة، التي تؤكد أن الكيان الصهيوني، ولأنه كيان استيطاني أقيم على الغزو والقتل والتزوير للحقائق التاريخية، في فلسطين والمنطقة، كما في العالم وأوروبا، لا يمكن أن يمثل ما يعرف بالقيم اليهودية ولا أن يمثّل الطوائف اليهودية في العالم. عدم التمييز بين اليهودية والصهيونية في العالم (وليس في فلسطين المحتلة حيث اليهودي هو المستوطن المجنّد لاقتلاع الفلسطيني) واعتبار أن معاداة الصهيونية تعني معاداة السامية، كما أكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتجريم مناصري حركات المقاومة المشروعة، هما الوصفة الأمثل لتفشي معاداة السامية (كره اليهود لأنهم يهود) في العالم، رغم كل حملات القمع في الدول الأوروبية والأميركية التي تدعي الديمقراطية.

لقد فضح موقف الشيخ عكرمة صبري المتحدي للاحتلال الصهيوني وقراراته التهويدية، موقف المشايخ و"المسؤولين" المسلمين الذين يتبنّون الرواية الصهيونية المزيّفة. فالشيخ عكرمة صبري يمثّل الضمير العربي والإسلامي عندما يقرّر أداء واجبه والصلاة في المسجد الأقصى رغم أنف الاحتلال وقواه القمعية، ويمثله أيضا إلتفاف الجماهير حوله ومواكبته الى المسجد الأقصى وتجمعّها أمام منزله رفضا لقرار الإبعاد الجديد.

أما المشايخ الذين تبنّوا تزييف التاريخ وقدّموا الولاء لأربابهم في العالم، فهم لا يمثّلون إلا أنفسهم، لأنهم خرجوا عن تاريخ أمتهم، ومهما عملوا ومهما قُدّم لهم الدعم المادي والمعنوي والإعلامي، ومهما فتحت لهم الدكاكين في أوروبا لترويج مواقفهم، فلن يلتفّ حولهم إلا من يسعى للشهرة ولتكديس الدولارات، وهذا مخالف لضمير وأخلاق الأمة.

ينتمي الشيخ عكرمة صبري الى شعبه وأمته والى تاريخها العريق الذي علّمنا مقاومة كل محتل ورفض التعامل معه ومواجهة الطغيان ورفض الاستسلام لكل طواغيت العالم مهما كانت جبّارة. وينتمي زوّار "أوشفيتز" وأمثالهم المطبّعين والمروّجين لتاريخ مزيّف الى المسكتبرين في العالم الذين يملكون المال والشركات والجيوش والأسلحة المدمّرة والمحظورة دوليا، والذين بنوا ثرواتهم على جماجم الشعوب المقهورة في العالم.

استمد الشيخ عكرمة صبري، والمقدسيون بشكل عام، مواقفهم من ايمانهم بحقهم المطلق في الصلاة في المسجد الأقصى وبحقهم الخالص بالمقدسات في فلسطين المحتلة، كما يستمد أحرار فلسطين مواقفهم المقاومة ضد الاحتلال من ايمانهم بحقهم الخالص والشامل بأرض فلسطين وبحقهم في مقاومة الدمار والقتل والتزييف الذي يمثله الكيان الصهيوني. ولكن يستمد مشايخ "أوشفيتز" وأصحابهم المطبّعين مواقفهم من مصالحهم الآنية، السياسية والمالية والمعنوية، ولا تربطهم أي علاقة بتاريخ شعوبهم وآمالها بالتحرّر من الهيمنة الأجنبية.

يستمد الشيخ عكرمة صبري وكل أحرار فلسطين والأمة مواقفهم الرافضة لتهويد فلسطين وتهديد أهلها بالقتل والدمار، من الواقع اليومي الذي يعيشه شعب فلسطين في ظل أعنف وأبغض استعمار استيطاني وجد في التاريخ كونه يستخدم أحدث التقنيات العالمية في مشروعه الاقتلاعي. لكن هذا الواقع الأليم الذي تراه شعوب العالم المتحررة من الإعلام الصهيوني، والذي تتفاعل معه بالتضامن مع الضحية، لا يراه زوّار "أوشفيتز" و"منتدى المحرقة" في القدس المحتلة، كونهم ينظرون الى فلسطين والعالم من خلال عيون الصهاينة المزيِّفة للواقع أو عيون الغربيين الداعمين والمروّجين للأسطورة الصهيونية المختلقة. لم تعد تنفعهم ثقافتهم التي دفنوها تحت أقدامهم، فهم يقرأون العالم كما تراه الشركات العالمية والبورصة والأرباح والصفقات.

انشر عبر
المزيد