التمويل الأوروبي المشروط في خدمة المشروع الصهيوني

15 كانون الثاني 2020 - 01:01 - الأربعاء 15 كانون الثاني 2020, 13:01:41

بقلم: راغدة عسيران

لم يعد خافيا على أحد أن الاتحاد الأوروبي بات يسير فعليا في ركاب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، في حين تبدو تصريحاته وتنديده بالاستيطان التهويدي وكأنه يطمح الى السلام. فمن جهة، تصريحات وبيانات مندّدة بالإرهاب الصهيوني المتواصل، ومن جهة أخرى أفعال وقرارات استفزازية معادية لحقوق الشعب الفلسطيني.

جاءت آخر نسخة للسياسة الاسفتزازية الأوروبية إزاء الشعب الفلسطيني وجمعياته الأهلية والمدنية، عن طريق شروط التمويل الجديدة للجمعيات، أهمها رفض تمويل كل جمعية تقيم علاقات مع منظمات يعتبرها الاتحاد الأوروبي "إرهابية"، أي معظم التنظيمات الفلسطينية المقاومة، من "كتائب شهداء الأقصى" الى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" مرورا ب"حماس" و"حركة الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية – القيادة العامة".

كانت الولايات المتحدة قد فرضت شروطا مماثلة في بداية انتفاضة الأقصى، إذ طلبت يومها مؤسسة فورد والوكالة الأميركية للتنمية (يو أس إيد) من الجمعيات التوقيع على تعهد بـ"نبذ الإرهاب" أي المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الكيان الصهيوني. في بداية الأمر، لم تستجب معظم الجمعيات الفلسطينية وأعلنت رفضها للتمويل المشروط، ولكن اتضح بعد حين، وخاصة بعد 2005، أن عددا من الجمعيات والمؤسسات المموّلة قد تخلّت عن مواقفها المبدئية كما أشارت اليه وثائق أميركية حول الجمعيات الفلسطينية، تحدّد فيها تمويل الجمعيات الفلسطينية، والتمويل الأميركي بالذات (فورد ووكالة التنمية).

أثارت الشروط الأوروبية الجديدة لتمويل الجمعيات الفلسطينية موجة غضب واستنكار حيث أعلنت 134 مؤسسة وجمعية فلسطينيّة في الضّفة والقطاع والقدس، رفضها التوقيع على الورقة الأوروبية. واجتمع ممثلون عنها مع ممثل الاتحاد الأوروبيّ توماس نيكلاسون، لمطالبته بالتراجع عن هذه البنود، وسلّموه في نهاية الاجتماع رسالةً تُلخِّصُ اعتراضاتِهم. يبدو أن اللقاء كان سلبيا إذ لم يتجاوب مع المحتجين، وأصرّ على موقف الاتحاد الأوروبي، مبرّرا ذلك بأن المسألة لا علاقة لها بالجمعيات الفلسطينية، بل تشمل كل الجمعيات في العالم، وأن الشروط لا تمس بالأفراد، بل بالمنظمات وأنه يمكن متابعة الأمر، كما قال، على موقع الاتحاد الأوروبي الالكتروني، استخفافا بالاعتراض الفلسطيني.

أصدرت بعض الجمعيات والهيئات الإئتلافية بيانات تردّ على شروط التمويل الجديدة، منها "هيئة العمل الوطني والأهلي في مدينة القدس" التي رفضت هذا الابتزاز الأوروبي بالقول: "إن شعبنا لن يستبدل حقوقه الوطنية لا بالدولارات ولا اليوروهات... يريد الاتحاد الاوروبي منا مقابل حفنة دولارات أو يوروهات أن نتنكر لقوانا وأحزابنا وفصائلنا ونعتبرها فصائل إرهابية". لذلك، طالبت الهيئة بالتراجع عن هذا الموقف وشطب كل ما يمس بحقوق شعبنا ومقاومتنا في هذه الوثيقة، ودعت كافة المؤسسات الفلسطينية التي وقّعت على العقود بالشروط الجديدة الى "ضرورة سحب توقيعها على هذه الوثيقة التي تمس بجوهر قضيتنا وحقوق شعبنا وتضحياتنا ونضالاتنا، وتجرّم الأدوات التي تعبّر عن هذه النضالات والتضحيات من قوى وفصائل وأحزاب على أنها قوى إرهابية".

وتمّ تشكيل "الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط" من قبل جمعيات ومؤسسات فلسطينية في أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر 2019. أجابت "الحملة" على موقف الاتحاد الأوروبي بالقول: أولا، التمويل المشروط منافي للقانون الفلسطيني (السلطة)، ثانيا، أن مطالبة الوثيقة الأوروبية بأن تتولى الجمعيات فحص المستفيدين من التمويل يعني وضع الجمعيات في موقع استخباراتي وشرطة سياسية في مواجهة شعبها، وهذا غير مقبول من قبل الجمعيات الفلسطينية التي تعتبر أنها جمعيات وطنية وليست وكيلة المموّل: "ان اجراءات ما يسمى الفحص والتدقيق، والتي تتضمن إخضاع أعضاء هيئات المؤسسات والطواقم، والمتعاقد معهم،  ومقدمي الخدمات، والافراد المستفيدين لعملية فحص بموجب معايير لا وطنية وتقنيات استخباراتية، هي اجراءات أمنية مرفوضة ومدانة وليست من اختصاص المؤسسات المدنية بأي حال من الاحول.". وتابعت: "الموافقة على شرط الاتحاد الأوروبي المذكور، او أية مؤسسة مانحة اخرى، ينال من تاريخ شعبنا وكرامته وحقوقه، مرفوض وطنيا وقانونيا واخلاقيا."

تضيف "الحملة"، أن الشروط الأوروبية الجديدة للتمويل متناسقة مع "الحملات الإسرائيلية والصهيونية التي تستهدف المجتمع المدني الفلسطيني وخصوصًا مؤسساته الوطنية"، حيث كانت قد اشترطت سابقا عدم "الانخراط في حملة مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها (حملة BDS)" ومنعتها من العمل "في مناطق فلسطينية مثل قطاع غزة، أو الأراضي المحتلة عام 1948" و"الترويج لحق العودة". وطالبت الحملة كل من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وكذلك المؤسسات الأوروبية والعالمية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني التصدي لهذا الإجراء المعادي لحقوق الشعب الفلسطيني.

في هذا الصدد، دعت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية د. حنان عشراوي الاتحاد الأوروبي الى مراجعة موقفه في رسالة رسمية وجهتها إلى الممثل السامي للاتحاد الأوروبي السيد جوزيب بوريل. ولفتت إلى أن هذا التوجه الجديد للاتحاد الأوروبي جاء بعد حملة التحريض والتشهير الشرسة والممنهجة التي تشنها "إسرائيل" ضد المجتمع المدني الفلسطيني والمدافعين عن حقوق الإنسان بهدف إعاقة نشاطهم ومنعهم من مواصلة عملهم.

تشير المعلومات الى أن الجمعيات والمؤسسات المقدسية قد تتضرّر من هذا التمويل المشروط، إذ كانت بعض المؤسسات قد وقعّت اتفاقا مع الاتحاد الأوروبي لتمويل مشروع يمتد لثلاث سنوات بقيمة مليون و800 ألف يورو، كـ"شبكة شفق" التي تضم اتئلافا لمؤسسات ثقافية وفنيّة، كما أن شبكة مؤسسات حقوقية كانت قد حصلت على تمويل بقيمة مليوني يورو لتنفيذ مشروع حقوقي لمدة ثلاث سنوات. وحصلت مؤسسة الرؤيا على الموافقة بتمويل مشروع مشترك يتعلق بإنشاء وحدة ضغط ومناصرة. ولكن بعد صدور النص الأوروبي الجديد، تراجعت بعض الجمعيات عن التوقيع و"التزمت بالموقف الوطني"، إلا أن الجدل ما زال مستمرا في أروقة الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية، كما ورد في تقارير صحافية، بين الرفض التام والمعلن وبعض المراوغة، كالتوقيع على العقد مع التحفظ على البند الخاص ب"الإرهاب" أو إلحاق بيان يشرح موقف الجمعية الداعم للمقاومة المشروعة.

وفي الداخل المحتل عام 1948، طالت الحملة الصهيونية الكثير من الجمعيات الحقوقية والاجتماعية والثقافية العربية، التي اضطرت الى الإغلاق بسبب تجفيف التمويل الغربي، أم تمّ إغلاقها من قبل الصهاينة، كـ"جمعية أنصار السجين".

بالنسبة لتجفيف التمويل الغربي، يشير محمد زيدان، الذي أدار "المؤسسة العربية لحقوق الإنسان" قبل إغلاقها، أن وزارة خارجية العدو اتصلت بالسفارات العاملة في الكيان وطلبت منها عدم تمويل الجمعيات المؤيدة لحركة المقاطعة، إن كانت "إسرائيلية" أم عربية. وتزامن ذلك مع الحملة ضد الحركة الإسلامية التي تمّ حظرها وحظر جمعياتها الاجتماعية والثقافية.

يضيف محمد زيدان، أن تجفيف الأموال عن الجمعيات الوطنية ساعد على ظهور جمعيات تدعو الى الاندماج والمواطنة والأسرلة، في حين تكيّفت جمعيات أخرى، كجمعية "مساواة"، مع الانعطافة الجديدة للتمويل وغيّرت من مشاريعها وانتقلت الى دعم "المرأة" و"الثقافة" و"المدن المختلطة" للتأقلم مع التمويل المشروط، وكذلك الحال مع جمعية "إعلام" التي غيّرت من محاور اهتمامها، لكي يستمر تمويلها الغربي. يرى زيدان أن تمويل الحملة لمشاركة الجمهور العربي في انتخابات الكنيست مصدره الجمعيات اليهودية الأميركية التي تدعم ما يسمى بـ"اليسار الصهيوني"، وشاركت في الحملة بعض الجمعيات "المختلطة" والفلسطينية المدعومة ماليا من قبل المؤسسات الغربية.

لم يكن يوما التمويل الغربي، الأميركي والأوروبي، للمنظمات والجمعيات الفلسطينية والعربية بشكل عام، خال من اعتبارات سياسية. بعد اتفاقيات أوسلو، ساهم في مشاريع أمنية وإدارية واقتصادية لدعم السلطة الفلسطينية على بسط سيطرتها على المجتمع الفلسطيني ومنع الشباب من الالتحاق بالمقاومة، عن طريق مشاريع ترفيهية وثقافية وحقوقية و"تنموية".

وبعد أكثر من 25 عاما من إقامة سلطة أوسلو وصعود الفاشية في الكيان الصهيوني والتيارات الفاشية والعنصرية في الدول الأوروبية، وفي المقابل، تجذّر المقاومة الفلسطينية والعربية في المنطقة، اعتبر الاتحاد الأوروبي أن الرضوخ للاملاءات الصهيونية والأميركية قد يحميه من العاصفة القادمة، وإن كان على حساب سمعته ومصداقيته لدى "أصدقائه العرب".

انشر عبر
المزيد