سياسة الاغتيالات: الإرهاب المتأصل في الدول والكيانات الإستعمارية

08 كانون الثاني 2020 - 05:16 - الأربعاء 08 كانون الثاني 2020, 17:16:12

سليماني + المهندس
سليماني + المهندس

بقلم: راغدة عسيران

فتحت عملية الاغتيال التي نفذها في بغداد الجيش الأميركي (بأمر من الرئيس دونالد ترامب) بحق قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ومعاون قائد "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، فضلا عن ضباط وعناصر من الحرس الثوري و"الحشد"، ليلة الخميس 2 كانون الثاني/ يناير 2020، ملف الاغتيالات السياسية التي تنفذها الدول الامبريالية بحق شخصيات بارزة في العالم، بسبب انتهاجها سياسة معادية لتوسع هذه الدول ونهبها لخيرات الغير وتهديد أمن شعوبها.   

للدول الأمبريالية الغربية تاريخ حافل بالاغتيالات السياسية، منها اغتيال مواطنيها من أجل إزاحة الخصوم أو منع فضح أسرار تتعلق بالمال العام أو الصفقات المشبوهة، وغيرها من الأسباب الداخلية للدولة، ومنها الاغتيالات أو محاولات الاغتيال لرؤساء دول وسياسيين بارزين أجانب، حاولوا التخلص من الهيمنة الامبريالية على بلادهم.

ما يميّز هذا النوع من الاغتيال عما تقوم به أجهزة أو دول أخرى في العالم، هو أن الدول الأمبريالية الغربية تستهدف شخصيات أجنبية، في حين تستهدف الدول والأجهزة الأخرى في العالم شخصيات معارضة لها داخل بلدانها، كما حصل مؤخرا مع اغتيال الكاتب السعودي جمال خاشقجي، الذي اغتاله موظفون سعوديون بأمر من ولي العهد السعودي نفسه، والأمثلة كثيرة على مثل هذا النوع من الاغتيال.

قد تكلّف الدولة الامبريالية أجهزة خاصة لتنفيذ تلك الاغتيالات، كجهاز السي آي أيه في الولايات المتحدة، الذي اغتال رئيس دولة الكونغو بتريس لومومبا في كانون الثاني/ يناير 1961 وغيره، أو أجهزة المخابرات الفرنسية التي اغتالت الزعيم المعارض المغربي مهدي بن بركة في فرنسا في أكتوبر/تشرين الأول 1965. وكانت هي العادة قبل الألفية الثانية وضربات 11/9/2001 في الولايات المتحدة الأميركية، لإخفاء الجهة المسؤولة عن الاغتيال، وكما حصل مرارا في البلدان الأفريقية والأميركية الجنوبية، تتم عملية الاغتيال أو محاولة الاغتيال باستخدام أدوات محلية، للتستر على الجهة المموّلة والمدبّرة للاغتيال. ولكن بعد هذا التاريخ، أصبح الإغتيال السياسي لشخصيات أجنبية، لدى الولايات المتحدة، من اختصاص الجيش وفروعه في العالم، بحجة محاربة ما تسميه الدوائر الغربية "إرهابا".

تجدر الإشارة الى أن الرئيس الأميركي جيرالد فورد كان قد أصدر قرارا في العام 1976 (رقم 11905) بمنع الإغتيالات السياسية، بعد الفضائح المتكرّرة حول عمليات السي أي ايه التي وثقتها لجان حكومية. غير أن الرئيس جورج بوش الأب ألغى هذا القرار بعد 11/9، وأصبح الرئيس هو الذي يأمر باغتيال شخصيات عالمية، سرا أو علنا، ما يعني أن معظم الإغتيالات التي تنفذ منذ ذلك الحين، من قبل الجيش أو من قبل أجهزة أخرى، تنفذ بأمر من الرئيس الأميركي مباشرة. ويقال في هذا الصدد أن الرئاسة الأميركية قد وضعت لائحة اغتيال لشخصيات عالمية تقف في وجه التمدد الأميركي في العالم.

إلا أن الكيان الاستيطاني الصهيوني يحتلّ المرتبة الأولى في العالم في هذا المجال، كونه أقيم على أسس الإرهاب المنظّم، وهو يستعين بالدول الغربية للتغطية على إجرامه أو المشاركة به. بعد أقل من بضعة شهور على إقامة هذا الكيان على أرض فلسطين، قام العدو باغتيال الكونت برنادوت، مندوب الأمم المتحدة الى فلسطين المحتلة، في أيلول/سبتمبر 1948، لأنه كان يسعى الى حل قضية اللاجئين ويطالب بعودتهم الى بلادهم. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الأجهزة الأمنية، الموساد وغيرها، عن اغتيال المناضلين والمقاومين والكتاب والمفكرين والعلماء الفلسطينيين والعرب والمسلمين، في أنحاء العالم بأسره.

اغتال العدو المجاهدين والديبلوماسيين الفلسطينيين في أوروبا (الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا يوم 26/10/1995، الشهيد وديع حداد في ألمانيا عام 1978، والشهيد وائل زعيتر في روما يوم 16/10/1972)، وفي الدول العربية (الشهيد أبو جهاد في تونس 16/4/1988 والشهيد محمود المبحوح في الإمارات يوم 19/1/2010).

وبعد معظم هذه الاغتيالات، لم تتحرك الأجهزة الأمنية لهذه الدول، على الأقل في الدول الأوروبية، لمحاسبة أو ملاحقة القتلة، وكأنها موافقة أو راضية على الإرهاب الصهيوني على أراضيها.

تتضمن لائحة الاغتيالات الجبانة العشرات من المجاهدين، كما تتضمن لائحة المجاهدين والمناضلين العرب، الذين اغتيلوا على أيدي الموساد، في الدول العربية والأوروبية، العشرات كذلك، ومن بينهم مجاهدي حزب الله في لبنان (الشهيد القائد عماد مغنية في دمشق يوم 12/2/2008) ومقاومين في المغرب العربي.

وشارك الموساد الصهيوني في عمليات اغتيال الى جانب أجهزة أمنية غربية في أوروبا، وكان آخرها اغتيال الأسير الفلسطيني المحرر عمر النايف في 26/2/2016 في بلغاريا.  وفي قطاع غزة (فلسطين)، أقدم جيش العدو على اغتيال بهاء أبو العطا، القائد العسكري في سرايا القدس، يوم 12/11/2019 ... وكان قد اغتال العشرات من المجاهدين داخل فلسطين، خلال العقود الماضية، كما اغتال عددا من القادة الفلسطينيين، بطرق مختلفة ومن منظمات عدة (ياسر عرفات، محمود خواجا، الشيخ أحمد ياسين، أبو علي مصطفى)، ما يدلّ على أن أسلوب الاغتيالات هو من ركائز عقيدته.

تعتبر سياسة الاغتيالات التي تبنّتها بعض الدول الغربية والكيان الاستيطاني الصهيوني من أجبن الأساليب لمواجهة من تنزعج منهم بسبب أفكارهم وأعمالهم الميدانية والتنظيمية، حيث تقف دولة معتدية أصلا على الشعب المستهدف بقيادته، مدججة بالسلاح وتمتلك قدرات اقتصادية واعلامية وأجهزة متنوعة، في مواجهة شخصيات كانت قد احتاطت أم لم تحتاط ضد هذا الغدر، لا تستطيع الدفاع عن نفسها، كما يحصل في الحروب، لأنها لا ترى القاتل ولا تعرف كيف سينفذ الإغتيال.

ولكن لماذا تختار هذه الدول اسلوب الاغتيال؟ وماذا يحقق لها؟

بالنسبة للكيان الصهيوني، يمثل هذا الأسلوب أحد ركائز عقيدته، ولا يمكن ان يغيّره أو يتخلّى عنه إلا عبر الضغوط السياسية والأمنية، كما كان الوضع في قطاع غزة، قبل اغتيال الشهيد سليم أبو العطا. وكلما تراخت الضغوط وتجاوبت معه أنظمة عربية أو فقدت جزءا من أمنها الداخلي، ووجد أن الوقت مناسب لعملية اغتيال ما، يقوم بها دون تردّد، لأنه يعتقد أن الاغتيال قد يريحه من عدو يزعج مخططاته، على المدى القريب أو البعيد.

أما بالنسبة للدول الغربية، وأولها الولايات المتحدة، فالأمور تختلف بين ما نفذ قبل 11/9 وما بعده. لم تعلن الدول الغربية في الماضي أنها مسؤولة عن عمليات الاغتيال، بل كانت تتستر على التخطيط لها وتمويلها والمشاركة المباشرة فيها، كونها تعتبر نفسها دولا يسودها القانون.

لكن بالنسبة للولايات المتحدة بعد 11/9، بات الأمر علني ومبرّر، بحجة "الحرب على الإرهاب". فأعطت لنفسها الحق في ملاحقة واغتيال من يحلو لها من شخصيات رسمية وحتى روساء دول، ولم يستخدم الرئيس ترامب مؤخرا هذا الحق ضد القائدين الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس إلا تتويجا لسياسة اتبعها أسلافه، وإن لم تنجح دائما كما خططوا لها.

يلجأ الأعداء الغربيون والصهاينة الى هذا الأسلوب بسبب ضعفهم، رغم امكانياتهم الاستخباراتية والأمنية العالية، غير أنهم لا يثقون بقدرتهم على تطويع الشعوب باستخدام إعلامهم واقتصادهم ودعاياتهم الكاذبة وحروبهم الدموية. فيعتقدون أن اغتيال القادة والمسؤولين قد تربك الشعوب والتنظيمات الثورية وتغيّر سياستها، ولكن يعتبر معظم المحلّلين في هذا المجال أن الصهاينة وغيرهم من القتلة يخطئون بشأن حركات التحرر، إذ لم تؤثر الاغتيالات على المسيرة الجهادية، بل تزوّدها بقدرات معنوية ومادية جديدة، لا سيما إن كان التنظيم عقائدي يؤمن ببركة الشهادة.

تنفذ الدول والكيانات الإرهابية الاغتيالات لكسب معارك انتخابية والتخلص من أزماتها الداخلية، بحيث تصبح الشعوب المناهضة لها وقيادتها ساحة للتنافس الانتخابي على حساب دمائها. قد تنجح هذه اللعبة الدموية في الكيان الصهيوني، كون الجمهور الصهيوني مؤلف من مستوطنين عنصريين، إلا أنها قد تفشل في الولايات المتحدة، كما يبدو اليوم بالنسبة للرئيس ترامب، الذي يجد نفسه معزولا بعد العملية الحمقاء التي أمر بها ضد ايران والعراق.

تعد عمليات الاغتيال مناسبة للإرهابيين الغربيين والصهاينة للترويج لتفوقهم التكنولوجي، عبر أجهزتهم الإعلامية الضخمة (المكتوبة والمرئية، ثم الأفلام المنتجة والروايات المنسوجة حولها) هدفها ترويع الشعوب ومنظماتها الثورية وتطويعهم، وجذب رأي عام عالمي الى جانبهم، حيث يصوّرون أنفسهم في حالة الدفاع ضد "إرهابيين"، وأنهم الطرف الضعيف الذي يستطيع بفضل عقله "الفذ" الانتصار على "الهمجية" العربية والإسلامية وغيرها.

لن تتوقف عمليات الاغتيال السياسية التي تنفذها القوى الاستكبارية في العالم، لأن من طبيعتها أن تحاول كسر شوكة الشعوب وترويعها وتطويعها. لكن يمكن التقليل منها برص الصفوف حول مناهضة الهيمنة الامبريالية على العالم، والتراجع عن التطبيع العربي والإسلامي مع الكيان الصهيوني.

لقد استغلّ العدو الصهيوني الانقسام الفلسطيني، بعد اتفاقيات أوسلو، والتنسيق الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية مع أجهزته، للتوغّل في الجسم الفلسطيني وتسهيل عمل أجهزته المخابراتية، لينال من المقاومين والمجاهدين (الشهيد أبو العطا مؤخرا والشهيد مازن فقها في 24/3/2017). كما أن الصراعات الداخلية في الدول العربية والتطبيع الرسمي لبعض الأنظمة مع العدو أفسح المجال لكل الأجهزة التابعة للإرهاب الصهيوني والغربي من تنفيذ اغتيالات بحق مجاهدين (الشهيد سمير القنطار في سوريا يوم 19/12/2015) وقادة، كاغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

انشر عبر
المزيد