51 منشأة هُدمت بأيدي أصحابها بـ2019

الهدم الذاتي.. سلاح الاحتلال لاستنزاف المقدسيين وقتل إرادتهم

06 كانون الثاني 2020 - 01:14 - الإثنين 06 كانون الثاني 2020, 13:14:32

وكالة القدس للأنباء - متابعة

لم يجد المقدسي حاتم العباسي خيارًا أمامه سوى هدم منزله بيده في حي عين اللوزة ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، تنفيذًا لقرار بلدية الاحتلال الصهيوني بالقدس المحتلة.

ورغم ما يتركه هدم منزله في نفسه من قهر وحسرة شديدة، إلا أنه اضطر لتنفيذ هذا القرار الظالم والقاسي، تجنبًا لدفع غرامات مالية باهظة تصل لآلاف الشواقل تكاليف هدم بلدية الاحتلال.

ففي حزيران/ يونيو الماضي، أصدرت بلدية الاحتلال قرارًا يُلزم حاتم وشقيقه باسل بهدم بنايتهما ذاتيًا، بحجة البناء دون ترخيص، وفي حال عدم تنفيذ القرار ستقوم جرافاتها بذلك، وعلى العائلة دفع تكاليف الهدم.

يقول العباسي والألم يعتصر قلبه: "تنفيذًا لقرار البلدية، اضطرت العائلة لهدم البناية المكونة من طابقين بمساحة 380 مترًا مربعًا ذاتيًا، بدلًا من تراكم الديون علينا وزيادة معاناتنا بدفع نحو 87 ألف شيقل عن كل طابق تقوم جرافات البلدية بهدمه".

ويضيف "مع هدم المنزل، هُدم وتبخر كل شيء كنا نملكه وضاع شقا عمرنا، بعدما أنفقنا كل مدخراتنا، وما نملك في بناء المنزلين"، لافتًا إلى أن البناية كانت جاهزة للعيش فيها هو وشقيقه باسل وأفراد عائلتيهما المكونة من 10 أشخاص غالبيتهم من الأطفال.

ويعيش العباسي حاليًا في بيت استأجره ليقيه برد الشتاء القارس هو وأطفاله الذين لا يعلمون حتى اللحظة أن منزلهم الجديد تم هدمه، خوفًا على حالتهم النفسية.

ويوضح أن الاحتلال يريد تهجيرنا من أرضنا واقتلاعنا من جذورنا، بفرضه شروطًا تعجيزية في حال حصولنا على رخص البناء، لكن رغم ذلك "نحمد الله على كل حال، ونقول للاحتلال إننا سنبقى صامدين في القدس ولن نتخلى عنها حتى لو هُدمت منازلنا وتم تشريدنا".

ويقطن آلاف المقدسيين بالمدينة تحت تهديد صهيوني دائم بهدم منازلهم ومنشآتهم التجارية، بعدما أصدرت بلدية الاحتلال أوامر هدم بحقّها أو أنها تُجبرهم على هدمها بأنفسهم.

وفي عام 2019، طرأ ارتفاعًا كبيرًا على عدد الفلسطينيّين الذين اضطرّوا لأن يهدموا منازلهم أو أجزاء منها بأنفسهم، بعد أن بنوها دون ترخيص. بحسب مركز المعلومات لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"

ووفقًا لتقديرات بلديّة الاحتلال، بُني في شرقيّ القدس بالسنوات الأخيرة ودون ترخيص ما بين 15-20 ألف منزل.

وبحسب مركز معلومات حلوة، فإن قوات الاحتلال هدمت 173 منشأة في مدينة القدس خلال العام 2019، من ضمنها 51 منشأة هُدمت ذاتيًا بأيدي أصحابها، وتشمل منشآت قيد الإنشاء.

تفاقم المعاناة

مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري يقول إن سلطات الاحتلال تهدف بالأساس من خلال إجبار المقدسيين على هدم منازلهم ومنشآتهم التجارية ذاتيًا، لدفعهم للرحيل والهجرة من القدس لإحلال المستوطنين مكانهم.

ويوضح أن سلطات الاحتلال تتبع سياسة الهدم بالمدينة تحت مسمى غير قانوني وبحجة عدم الترخيص، حيث تُخير المقدسيين إما الهدم بأيديهم أو أن تقوم جرافات البلدية بذلك.

ويشير إلى أن المقدسيين يلجؤون إلى الهدم الذاتي هروبًا من دفع غرامات مالية باهظة، مما يثقل كاهلهم ويزيد من معاناتهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها.

ويعتبر الهدم الذاتي من أقسى وأسوأ أنواع العقاب الجماعي الذي يفرض على المقدسيين، لما يتركه من آثار نفسية واقتصادية سيئة عليهم.

ويوضح مركز "بتسيلم" أن اتّساع نطاق البناء غير المرخّص في شرقيّ القدس جاء نتيجة مباشرة لسياسة سلطات الاحتلال التي تتعمّد دفع سكّان المدينة الفلسطينيّين إلى معايشة أزمة سكن حادّة، وفي المقابل تتيح لليهود البناء على نطاق واسع وتوظّف أموالًا طائلة في الأحياء التي أقيمت لهم.

ويشير إلى أن "إسرائيل" تتعامل مع سكّان شرقيّ القدس لا كأشخاص متساوين في الحقوق وإنّما كأشخاص ينبغي ترحيلهم عن منازلهم، لأنّهم يقفون حجر عثرة أمام مساعيها لتهويد المدينة.

ولأجل تحقيق ذلك، "تستخدم وسائل عديدة جميعها مخالفة للقانون: إنّها تتعمّد منع الفلسطينيّين من البناء لأغراض السّكن أو أيّة أغراض أخرى وتصدر أوامر الهدم للمباني التي أقيمت دون ترخيص في غياب أيّة خيارات أمام أصحابها وتهدم كلّ سنة عشرات منها".

شروط تعجيزية

ويضع الاحتلال قيودًا وشروطًا تعجيزية على المقدسيين إزاء الحصول على رخص البناء، ما يضطرهم إلى البناء دون ترخيص. وفق ما يقول رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد "همة" ناصر الهدمي.

ويوضح أن المقدسي يُنفق كل مدخراته وما يملك من أجل الحفاظ على بقائه بالقدس، وهو لا يستطيع بناء منزل بترخيص، بسبب التعقيدات والتكاليف الباهظة التي يفرضها الاحتلال عليه.

ويشير إلى أن الاحتلال يفرض على المقدسيين غرامات مالية قد تصل إلى 100 و200 ألف شيكل على غرفة واحدة فقط، وهذا ما يُنهك المقدسي بشكل كبير.

ويحاول الاحتلال من خلال الهدم الذاتي، كسر إرادة وصمود المقدسي وإذلاله والعمل على إفقاره واستنزافه ماديًا، بالإضافة إلى مساعيه المتواصلة لتفريغ القدس من سكانها، ومنع المقدسيين من التمدد العمراني، وجعلهم أقلية هامشية لا تؤثر على مستقبل المدينة.

وبنظر الهدمي، فإن البناء غير المرخص يعتبر الوسيلة الوحيدة أمام المقدسيين للحفاظ على هويتهم وبقائهم وصمودهم فيها، رغم سلبياته وحتى وإن كانوا غير معنيين بخرق القانون.

ويضيف أن "الاحتلال ليس معنيًا برفاهية الإنسان المقدسي، بقدر ما هو معني بإيذائه وتضييق الخناق عليه، من خلال سياساته وإجراءاته العنصرية التي لا تتوقف منذ احتلاله المدينة".

والهدم الذاتي أصعب ما يمر على المقدسي، لانعكاساته السلبية ليس فقط على صاحب المنزل بل على العائلة التي فقدت منزلها وتشرد أفرادها، وهُدمت كل أحلامهم وذكرياتهم بداخله.

وهنا يقول الهدمي إن هدم المنزل ذاتيًا يؤثر نفسيًا واقتصاديًا على المقدسي وعائلته، ويدمر حياتهم الاجتماعية نتيجة التشرد والتهجير وعدم امتلاكهم أي مأوى يقيهم برد الشتاء القارس وحر الصيف.

ورغم استمرار عمليات الهدم، إلا أن المقدسي لا زال صامدًا وثابتًا في مدينته، يواصل البناء والإعمار متحديًا آليات الاحتلال، بهدف الحفاظ على تواجده وفي سبيل مواجهة سياساته التهويدية.

انشر عبر
المزيد