الاقتصاد الأخلاقي للإستعمار الإستيطاني: "إسرائيل" و"صدمة إخلاء المستوطنات"*

11 كانون الأول 2019 - 05:20 - الأربعاء 11 كانون الأول 2019, 17:20:38

وكالة القدس للأنباء - ترجمة

يتناول الباحث في هذه الدراسة انقلاب المفاهيم وكيفية تحوّل القاتل الى ضحية، انطلاقا من تجربة المستوطنين الصهاينة الذين أخلوا المستوطنات من صحراء سيناء (المصرية) عام 1982 ومن قطاع غزة عام 2005.

استند الكاتب على تصريحات المسؤولين الصهاينة، سواء كانوا ممن أدانوا إخلاء المستوطنات أو ممن دافعوا عن قرار حكومة أرئيل شارون، وعلى الإعلام الصهيوني المواكب للإخلاء الذي ركّز على "صدمة" المستوطنين وحاول تسويق صورة الضحية التي خُذلت مرة أخرى من قبل حكامها.

رغم إصدارها قبل 5 سنوات، تكمن أهمية هذه الدراسة بشرح الأسس الفكرية التي ينطلق منها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، أي الاعتبار أن الاستيطان في فلسطين حق إلهي، والاعتراض عليه غير شرعي وغير أخلاقي، وكل عملية إخلاء المستوطنين تشكّل صدمة نفسية للمستوطنين المخليين وللجمهور الاستيطاني بكامله، وهي منافية للصهيونية وخيانة لمبادئها، وتعيد ذكرى "الهولوكوست" الى الأذهان. بالنسبة للصهاينة، لا يمكن الشفاء من "الصدمة" إلا بمزيد من الاستيطان ونهب الأراضي الفلسطينية. هذا ما اعتبره الكاتب "الاقتصاد الأخلاقي" لدى المستوطنين الصهاينة.

(ترجمة مختصرة وبتصرف)

يتساءل الكاتب: أي نوع من القوى المعرفية والسياسية تشاركت في صناعة مستوطنين "ضحايا مصدومين"، وتدعو الى الاعتراف بالصدمة الخاصة بالمستوطنين المخليين؟ كيف تحوّل فعل إخلاء مستوطنة، الذي يجب ان يعتبر أحد أشكال تعويض الفلسطينيين بعد عقود من الاستيلاء على أراضيهم من قبل الاحتلال العسكري، الى صدمة وصناعة الضحية واعتباره انتزاع للملكية اليهودية؟ كيف أصبحت الصدمة إطارا أخلاقيا يقود بآخر المطاف الى إعادة شرعنة نظام العنف حيال الشعب الأصلاني وإزاحته؟

قبل وبعد إخلاء مستوطنات قطاع غزة، صدرت دراسات عديدة تتناول الجوانب النفسية لدى المستوطنين الذين اضطروا الى إخلاء ما اعتبروه حقا لهم، لتبرير مواصلة عملية الاستيطان في مكان آخر من فلسطين. كتب العالم النفساني مايكل فروند، داعيا الى تكثيف الاستيطان من أجل علاج "الصدمة" النفسية التي شكلها هذا الإخلاء : "يوجد فرق بين "الاضطراب ما بعد الإرهاق الصدمي" و"الاضطراب الارهاقي الصدمي الناتج عن السلام". في حين تحاول الفئة الأولى نسيان سبب الصدمة المولّدة للاضطراب، تتشبث الفئة الثانية باحتضان الصدمة وحتى بإحيائها. العلاج الوحيد للتخلص من هذا المرض المتلازم للإخلاء، هو تعزيز التمسّك بكل أجزاء "إسرائيل الكبرى" والمطالبة باحتلال أراض إضافية وتطبيق عليها السيادة الاستعمارية."

وصف الإخلاء كصدمة منافية للأخلاق، يعني التأكيد على شرعية كل عملية الاستيطان، واعتبار ان إخلاء المستوطنات كفعل منافي للأخلاق يولّد صدمة يعني التأكيد على القيمة الأخلاقية للاستعمار الاستيطاني. تُستخدم إعادة الشرعنة هذه بطريقة مزدوجة ضمن نطاق الصدمة، تتعلّق الطريقة الأولى بالجانب الاجتماعي والسياسي الذي يتيح لمرتكبي العنف أن يتحولوا الى ضحايا، فتصبح بالتالي عملية انتزاع ملكية (الفلسطينيين) مشروعة. الاستخدام الأول يتضمن الخروج عن التاريخ: ادعاء الصدمة وصناعة الضحية يمحيان كون المستوطنين قاموا بالأساس بنزع ملكية الفلسطينيين، الذين يملكون الأرض بالأساس. الاستخدام الثاني هو تحويل الجانب الطبي السريري للصدمة الى مستوى أخلاقي من أجل شرعنة الاستيطان كفعل عادل. يمكن تسمية الجانبين في سياق فلسطين/"إسرائيل" الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني، المطابق لآلية صناعة لذاتية سياسية خاصة بالمستعمر المستوطن، المبنية على عدم الاعتراف بوجود الأصلاني. ينتج عن هذه التركيبة الخاصة للصدمة مفهوم مشترك بأن الإخلاء هو انتهاك للقيم والقواعد الأساسية المؤلفة لذات المستعمر المستوطن اليهودي "الإسرائيلي" وكيانه السياسي.

ما حصل خلال الإخلاء، هو نوع من الانقلاب الأخلاقي. بدلا من أن يعتبر الإخلاء عملية إصلاح وتعويض، شعر المستوطن بأنه ضحية، وأن المجموعة الاستيطانية الوطنية تعيش صدمة وانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة بالاستعمار.

شكّل إخلاء المستوطنات من سيناء عام 1982 ومن غزة عام 2005 اللحظة الحاسمة لاطلاق الترويج السياسي للقيم الأخلاقية المعكوسة: يُصور المستوطن المخلي كأنه الضحية المنتزع أرضه، في حين تشكّل العودة المحتملة للمشردين الفلسطينيين الى أرضهم صدمة وطنية للمستوطنين. لا تشرعن هذه المعاكسة الأخلاقية العمل الاستيطاني الأصلي المتمثل بنزع ملكية الفلسطيني فحسب، بل تشرعن أيضا تجديد سياسة الاستيطان، و"صدمة الإخلاء" تمحي النكبة. يعزّز خطاب الصدمة الدولة الاستعمارية الاستيطانية الحالية وتوسعها.

يروّج الصهاينة أنه بإقدامهم على توقيع اتفاقيات سلام مع العرب، يقدّمون "ثمن السلام" و"تنازلات مؤلمة". فهم يوازنون بين "الأرض" و"الألم" وفقا لأفقين: مساحة الأرض من جهة والقيمة الأخلاقية من جهة أخرى، ما يسبب لهم توتّرا مستمرا.

بعد صدمة "يميت" في سيناء، حصلت صدمة غزة في 2005. إقيمت بعض مستوطنات غزة للتعويض عن "خسارة" مستوطنات سيناء، ما يعني أنه تم تعويض فك الارتباط بإعادة الارتباط ب"فضاء جديد لتشغيل الذاكرة، حيث حفر المستوطنون ذاكرة الصدمة وألم الانسحاب". في العام 2003، قرّر رئيس حكومة العدو أرييل شارون فك الارتباط الأحادي من قطاع غزة، وسحب 8000 مستوطن الذين اعتبروا أن هذا الانسحاب خطوة نحو "تدمير المنزل". تم الانسحاب من القطاع في صيف 2005. اعتبر الصهاينة أن هذا الانسحاب وإخلاء المستوطنات من القطاع كارثة، إذ كتب أحد الاخصائيين في القانون ردا على أرييل شارون : "إذا كانت المستوطنات في غزة ذات مكانة مؤقتة، ما الذي يمنعنا من اعتبار (المدن "الإسرائيلية") أشدود وأشكلون والرملة والليدا وبير شيفا وايلات أو الكرمل كمناطق محتلة، يجب علينا إخلاءها يوما؟"

في الميدان، تصرّف المستوطنون وكأنهم يواجهون "هلوكوست" آخر، وتداخل الخطاب مع الممارسات لبلورة اقتصاد أخلاقي مبني على انتاج الصدمة والضحية حيث مثّل الإخلاء إعادة متجددة "للهولوكوست". استخدمت تعبيرات جديدة لوصف هذا الإخلاء، مثل الطرد والتدمير والهدم والتهجير، وركّز الإعلام والسياسيون على "ثمن الإخلاء"، الثمن المالي أولا حيث يجب تعويض المستوطنين، وثانيا، الثمن غير المالي حيث يجب التعامل مع الصدمة وآثارها النفسية.

قبل فك الارتباط بسنة، شكّل أرييل شارون هيئة لتخطيط الإخلاء وإدارته (سيلا)، مهمتها تقدير ودفع التعويضات ل1700 عائلة مستوطنة، وتقديم المساعدات الاجتماعية والنفسية للمستوطنين وإعادة إسكانهم. رفضت نسبة مهمّة من المستوطنين التعامل مع الهيئة رفضا للإخلاء، وصوّرت رفضها وكأنه موقف أخلاقي، كونها لا تساوم على المبادئ (مبادئ الصهيونية)، وتدخلت مؤسسات غير حكومية لدعم مطالب المستوطنين ومساعدتهم نفسيا. فاعتبر داعمو المستوطنين ورافضو الإخلاء ان "الإخلاء يمثل صدمة في تاريخ الشعب اليهودي، وتؤشر هذه الصدمة الى انحلال أسس مواطنة الاستعماري الاستيطاني". ظلّ موضوع الإخلاء يتصدّر الإعلام الذي ركّز على "الأخطاء" و"إخفاقات" الهيئة المكلفة بالإخلاء، الى أن تم تعيين لجنة حكومية لدراسة الموضوع. فأصدرت هذه اللجنة تقريرها في حزيران 2010، فانتقدت تعامل هيئة (سيلا) مع "المستوطنين المخليين" واعتبرت أنه كان يجب على أرييل شارون الاستعانة بالمنظمة الصهيونية العالمية بسبب جدارتها في موضوع الاستيطان ولأنها تميّز بين الممارسات الإخلاقية وغير الأخلاقية في هذا المجال. واقترحت اللجنة تعويض "جرح" الإخلاء بتكثيف وتعزيز الاستيطان".

الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني هو اعتبار أن تكثيف الاستيطان يشفي من "الصدمة". من ناحية، هو يعيد الى الواجهة انتزاع الملكية الذي أسس دولة "إسرائيل"، ويضعه عميقا في سياق خطاب الصدمة المرتبط بالإخلاء وفك الارتباط. ثم صدر عن مجموعة من أعضاء المحكمة العليا نصا يعتبر هؤلاء المستوطنين المخليين روادا "حوّلوا الصحراء الى جنّةّ"، ينتقدون الدولة الإستعمارية الاستيطانية لعدم احترامها لحقوق الانسان، ويسلطون الضوء على "تاريخ الصهيونية المنير بمستوطناته". بالنسبة لهؤلاء القضاة، التعويض عن الإخلاء الذي يصفونه "جرحا تاريخيا" لا يكون إلا بالعملية الاستيطانية. هكذا جعلت اللجنة خطاب الصدمة أساسا لشرعنة متجددة للاستيطان.

لم ينتج عن فك الارتباط في سيناء أو قطاع غزة "علاقة مبنية على إزالة الاستيطان بين الإسرائيليين والفلسطينيين". بل العكس، يمكن فهم فك الارتباط في الحالتين (سيناء وغزة) لحظة إعادة التأكيد على صوابية أخلاقية لعملية تجريد الآخر من ملكيته، الذي تأسس عليه نظام الاستعمار الاستيطاني. في الاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني، تم تجنيد الصدمة كآلية خطابية من أجل التبرؤ من (خطيئة) نزع الملكية في التاريخ الاستعماري "الإسرائيلي".

بدأت القصة في العام 1948 مع إقامة (الكيان)، واستمرت مع إعادة شرعنة المشروع الاستعماري كمشروع أخلاقي عادل، الذي يسعى الى محو التجربة الفلسطينية الخاصة بانتزاع ملكيتهم ومقاومة المشروع الاستيطاني "الإسرائيلي" منذ نشأته. ولكن الأهم هو أنه أصبح مصدر شرعية دورة الإخلاء والاستيطان المتجددة. الشرعنة هذه جعلت من خطاب الصدمة أكثر من التبرؤ من اللحظة المؤسسة لنزع الملكية، كونه أصبح حجة لإقامة مستوطنات جديدة.

أحد العناصر المؤسسة للاقتصاد الأخلاقي للاستعمار الاستيطاني "الإسرائيلي" هو إنتاج قيم معكوسة، أي بناء صورة تمثل الناهب كضحية مصدومة والإخلاء كصدمة استيطانية وطنية. حصيلة هذا الانعكاس مزدوج: فهو يحدّد من هي المجموعة السياسية الاستيطانية من جهة، ويبذل جهدا للامتناع عن التفكير بطبيعة علاقات الاستعمار الاستيطاني بالآخر ويعيق فتح ملف إزالة استيطان فلسطين من جهة أخرى.

*دراسة للباحث نيكولا بروجيني Nicola Perugini، صدرت عام 2014 بعنوان: The moral economy of settler colonialism : Israel and the «evacuation trauma»

صدرت في «History of the Present ; a journal of critical history» vol 4 N°1, Spring 2014

للكاتب مؤلفات عديدة حول الاستعمار الاستيطاني وحقوق الانسان بشكل عام.

انشر عبر
المزيد