«إعلان بومبيو».. إستفزاز أمريكي وعودة عربية لـ"القضية"

06 كانون الأول 2019 - 02:21 - الجمعة 06 كانون الأول 2019, 14:21:43

بقلم: حلمي موسى

في استفزاز مباشر للكرامة العربية وانتهاك صارخ للقانون والأعراف الدولية أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أن إدارته لم تعد ترى أن المستوطنات الصهيونية في الأراضي العربية المحتلة تخالف القانون الدولي. وجسد بإعلانه هذا التغيير الجوهري على الموقف الرسمي الأمريكي والذي يعتبر أن الأراضي المحتلة ليست كذلك وأنها «أرض متنازع عليها». وينسف هذا الإعلان ما تبقى من أطلال الموقف الأمريكي بشأن حل الدولتين الذي تراه الأسرة الدولية الحل السلمي الوحيد المتوفر.

طبيعي أن يتداعى الفلسطينيون والعرب للرد على الإعلان الأمريكي المتحيز للرواية الأشد يمينية في «إسرائيل». وعدا عن الغضب الذي أبداه الفلسطينيون على الأرض وفي المحافل الدولية جاء الرد العربي على شكل اجتماع طارئ على مستوى وزراء الخارجية في مقر الجامعة العربية في القاهرة. وأعلن العرب جميعاً أن إعلان بومبيو بشأن الاستيطان "باطل ولاغٍ وليس له أثر قانوني وأنه مخالفة صريحة لميثاق وقرارات الأمم المتحدة".

وقد رد بومبيو على الفور على موقف وزراء الخارجية العرب بطريقته حيث نشر تغريدة على «تويتر» دعا فيها الدول العربية «للتخلي عن المقاطعة والعمل مع «إسرائيل». فالانقسامات في المنطقة تساوي عدم الاستقرار. ولا يجب أن يتعرض المفكرون العرب الذين يخاطرون بشجاعة بحياتهم للدفاع عن رؤية إقليمية للسلام والتعايش للانتقام. نحن بحاجة إلى الحوار".

فرض الأمر الواقع

وواضح أن إدارة ترامب التي تتعمد منهج فرض الوقائع على الأرض وتريد تغيير صورة التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية عبر إلغاء الالتزامات الدولية تجاهها تصطدم بتحدٍّ شديد. فهي من جهة، وكما تبين في الجمعية العامة للأمم المتحدة عند بحث أمر إنهاء تفويض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وجدت نفسها منعزلة هي والكيان وحدهما في مواجهة 170 دولة رفضت ذلك. كما أن محاولاتها لإرغام دول العالم على الاعتراف بالمستوطنات وبالرؤية الأمريكية الجديدة، من اعتراف بالقدس كعاصمة للاحتلال إلى رفض مبدأ حدود العام 1967 وحل الدولتين، تلقى فشلاً حتى في الداخل الأمريكي. وما توقيع أكثر من 170 عضو كونجرس أمريكي على مذكرة رفض لهذه السياسة إلا أحد عناوين هذا الفشل. كما أن قرار محكمة العدل الأوروبية بشأن وجوب وسم منتجات المستوطنات في الضفة الغربية وتمييزها عن منتجات الاحتلال إلا إشارة قوية أخرى على رفض المنطق الأمريكي المستند أصلاً إلى منهج فرض الوقائع «الإسرائيلي».

ومن المهم الإشارة عند الحديث عن رد الفعل العربي الذي استفز بومبيو أنه أعاد التأكيد على مبادئ حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إزاحتها عن مصطلحات التعامل السياسي العربية. فقد دعا مجلس وزراء خارجية الدول العربية الطارئ إلى حشد الجهود العربية على مستوى الحكومات والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني للعمل مع الشركاء الدوليين لاتخاذ إجراءات لمحاسبة «إسرائيل» على سياستها وممارساتها الاستيطانية غير القانونية.

إلى الجنائية الدولية

وبين أمور عدة جرت الإشارة خصوصاً إلى «حث المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق في جريمة الاستيطان المتكاملة الأركان وفقاً لميثاق روما الأساسي، ودعوة المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى سرعة إصدار قاعدة البيانات للشركات التي تعمل في المستوطنات «الإسرائيلية»، والدعوة لمقاطعة أي مؤسسة أو شركة تعمل في المستوطنات، ومقاطعة بضائع المستوطنات ومنع دخول المستوطنين إلى الدول».

ومن المؤكد أن مثل هذا الموقف يعيد، من وجهة النظر اليمينية الأمريكية والصهيونية، الوضع إلى منطلقاته الأساسية. فما حاولت الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة وإدارة ترامب تكريسه من تقبل العرب، أو بعضهم، للواقع المفروض والتباهي بذلك ينقلب رأساً على عقب. فمجلس جامعة الدول العربية أعلن صراحة وقوفه التام إلى جانب الحق العربي في فلسطين، معتبراً الإعلان الأمريكي» محاولة مبيتة لشرعنة ودعم الاستيطان الاستعماري «الإسرائيلي» من شأنها أن تجحف فعلاً بمبادرة السلام العربية التي تنص على انسحاب «اسرائيل»، القوة القائمة بالاحتلال، إلى خطوط 4 يونيو 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948»

وذهب المجلس أبعد من ذلك، حين اعتبر أن «النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية باتخاذ قرارات أحادية، مخالفة على نحو فاضح للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية، ويعتبر تهديداً حقيقياً للأمن والسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم واستهتاراً غير مسبوق بالمنظومة الدولية، القائمة على القانون الدولي والالتزام به».

تصويب البوصلة

وقد يقال إن هذا كلام عمومي وإنشائي لا يغير من واقع الحال شيئاً. ولكن من المهم الإشارة إلى أن الكلام، في تعبيره عن مواقف، يغدو فعلاً خصوصاً مع التحركات التي بدأت في الأمم المتحدة أولاً بالطلب الكويتي لعقد اجتماع لمجلس الأمن بدا فيه التناقض واضحاً بشأن المستوطنات بين الموقفين الأمريكي والأوروبي. كما أن إعلان بومبيو ومحاولة إدارة ترامب فرض وقائع على الأرض حثت العرب في الجمعية العامة على التحرك بقوة من أجل تقريب موعد إعلان القائمة السوداء للمتعاملين مع المستوطنات. وبدأت السلطة الفلسطينية تحركات جدية لتحريك ملف الاستيطان في المحكمة الجنائية الدولية وهي أمور كانت إدارة ترامب وحكومات الاحتلال تعتقد أنها باتت وراء ظهريهما.

يذكر أنه ارتفعت في «إسرائيل» نفسها، أصوات تحذر من أن الموقف الأمريكي المنحاز بشدة لليمين الصهيوني المتطرف لا يقرب من فرص السلام في المنطقة ويثير اعتراضات تهدد الاستقرار الإقليمي. ومن المؤكد أن إعلان بومبيو ساهم في إعادة تصويب البوصلة العربية نحو القضية الفلسطينية التي تعرضت إلى نوع من التشويش جراء الانشغالات العربية بهموم ساخنة أخرى. وواضح تماماً أن الدبلوماسية الفلسطينية ترى في الموقف العربي داعماً كبيراً لبلورة استراتيجية تحرك جديدة في المحافل الدولية ضد الاستيطان وضد المحاولات الأمريكية لشرعنته.

وفي فلسطين يرون أن ما يجري في المحافل العربية والدولية، هو استمرار لما يجري من مقاومة على الأرض في مواجهة تهويد المدينة المقدسة من ناحية ومنع قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس من ناحية ثانية. وإذا كان لإعلان بومبيو من أثر، فإنه أظهر مدى تمسك العالم بالشرعية الدولية ومدى تمسك العرب بمركزية القضية الفلسطينية.

انشر عبر
المزيد