الصراع على مكانة الأسرى والشهداء

05 كانون الأول 2019 - 10:53 - الخميس 05 كانون الأول 2019, 10:53:15

بقلم: راغدة عسيران

أعاد إضراب الأسرى المحررين المقطوعة رواتبهم الى الواجهة مسألة الصراع حول مكانة الأسرى والشهداء لدى الشعب الفلسطيني، حيث يحاول العدو الصهيوني وداعميه في العالم النيل منها وحتى إلغاءها معتبرين أن المقاومة الفلسطينية (وكل مقاومة للعدو) "إرهابية"، والأسرى والشهداء "مخرّبين".من خلال الابتزاز المالي والضغط السياسي والترويج الإعلامي، شنّت جبهة الأعداء حربا متعددة الأوجه لتغيير الوعي الفلسطيني والعربي حيال الأسرى والشهداء.

تحتل قضية الأسرى والشهداء موقعا مركزيا في نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته لاسترجاع وطنه. فمنذ بداية مقاومة الاحتلال البريطاني والغزو الصهيوني، شهدت فلسطين ارتقاء عشرات الآلاف من الشهداء وزج مئات الآلاف من أبنائها في سجون المحتلين.

تعتبر هذه المسألة إحدى أهم الثوابت الوطنية التي تجمع الشعب الفلسطيني بكل أطيافه في الوطن المسلوب واللجوء، وقواه المقاومة كافة، كما تؤكد يومياعلى ذلك الوقفات المساندة للأسرى (وإن كانت ضعيفة أحيانا) والمشاركة الواسعة في تشييع الشهداء.

وبسبب هذه المكانة الراقية التي تحتلها هذه المسألة في ضمير ووجدان الشعب الفلسطيني، تسلك القوى العالمية المناهضة للحرية طرق ملتوية أو صريحة، منذ عشرات السنين، لتغيير المفاهيم والسلوك والتعبير، الخاصة بالمقاومة والأسرى والشهداء، بالتزامن مع الحرب الدامية التي يشنها العدو ضد الأسرى في سجونه، لسحب منهم كل الإنجازات التي حصلوا عليها عبر عقود من النضال، وضد أهالي الشهداء عبر احتجاز جثامين أنبائهم وتحديد عدد المشيّعين وتدمير النصب التذكارية التي يضعها الثوار.

تدلّ ممارسات العدو المنافية لكل معاني الانسانية على نيّة إذلال الشعب الفلسطيني واحباطه والانتقام من المقاومة التي يمثلها الأسرى والشهداء، مستغلا الصمت العالمي والتجاهل العربي والانقسام السياسي الداخلي. فنشر فيديوهات حول قمعه الوحشي للأسرى، والاستهتار بصحتهم والتضييق عليهم من خلال التنقلات والتفتيش والزيارات، وإذلال عائلاتهم، ما هي إلا وسائل لكسر معنوياتهم وردع الفلسطينيين بشكل عام عن الإقدام على مقاومة المحتل، من جهة، وطمأنة جمهور المستوطنين حول قوة كيانهم، من جهة أخرى.

استكمل العدو ممارساته الفاشية بإجراءات "ديمقراطية" خارج السجن، من خلال تشريعات تهدف الى تجريم الأسرى والشهداء، وبشكل عام تجريم المقاومة. ومن بين تلك القوانين الخاصة ضد الأسرى التي أقرها الكنيست الصهيوني في العام 2018، يهدف قانون اقتطاع المبالغ التي تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى وعائلات الشهداء من أموال الضرائب والرسوم الجمركية (المقاصة) التي يجب عليه تسديدها، الى شطب مسألة الأسرى والشهداء من قاموس سلطة مترددة وعاجزة ومنقسمة أمام الاحتلال والمجتمع الدولي، إن لم تكن مهادنة وخاضعة لهما.

ومما ساهم في شرعنة هذا الابتزاز المالي المفضوح، إصدار قرارات مماثلة من قبل جهات دولية، أولها الولايات المتحدة التي أقرت قانون "تايلور فورس" (يونيو/حزيران 2018) الذي يستهدف الأسرى وعائلاتهم من خلال مطالبة السلطة بوقف دفع رواتب شهرية "للمخربين وعوائلهم" مقابل استمرار "الدعم" المالي. وكانت بريطانيا قد أعلنت في العام 2017 أنها لم تعد تقبل أن تذهب "مساعداتها" الى "تمويل الإرهابيين وعوائلهم".

لم تكتف هذه الجهات الدولية بالابتزاز المالي للسلطة الفلسطينية، بل سبقتها ضغوط على الجمعيات المدنية والأهلية العاملة في (الضفة الغربية المحتلة)، معلنة سحب تمويلها ودعمها إذا تضمنّ نشاطها ذكرا للشهداء أو دعما للأسرى والمقاومين. تقام جميع الفعاليات الداعمة للأسرى والمطالبة باسترجاع جثامين الشهداء وتكريمهم خارج أطر المنظمات والجمعيات الممّولة من الدول المانحة، التي لا تفصح عن موقفها إلا باستخدام مصطلحات الأمم المتحدة، التي لا تلبي طموحات أي حركة تحرّر في العالم.

بعد الانتقادات الموجهة لها من قبل المجتمع الدولي منذ 2014 بخصوص هذا الموضوع بالذات، حاولت السلطة الفلسطينية المراوغة وأجرت "تعديلا تقنيا"، بإزالة وزارة شؤون الأسرى من الحكومة الفلسطينية ونقل صلاحياتها الى "لجنة شؤون الأسرى" في منظمة التحرير الفلسطينية، غير أن هذه الخطوة لم تكن مقنعة للصهاينة وأصدقائهم في العالم، الذين أصروا على الإبتزاز المالي والضغط المعنوي لكسر هيبة الأسرى والشهداء لدى الشعب الفلسطيني.

استجابت السلطة لبعض هذه الضغوط، واتخذت قرارات ضد عوائل الشهداء والأسرى، متحججة بأمور داخلية كصراعها مع "حماس" أو بتقليص ميزانيتها بسبب الحصار المالي الذي تعاني منه، وخاصة بعد رفضها لما يسمى "صفقة القرن". ولكن مهما كان السبب الحقيقي لقراراتها، فهي تساهم، بوعي أو بغير وعي، بمحاولات تغيير مكانة الأسرى والشهداء في الوعي الوطني الفلسطيني، لإرضاء المجتمع الدولي.

ويأتي قطع رواتب الأسرى المحرّرين ضمن هذا الرضوخ للإملاءات الصهيونية والدولية الداعمة للاحتلال، لا سيما وأن بينهم أسرى أمضوا أكثر من عشرين عاما في سجون الاحتلال، ومن حقهم وحق عوائلهم استلام هذه الرواتب، كما صرّح الأسير المحرّر الشيخ خضر عدنان، قائلا "ان ما تقدمه السلطة ليس منّة من أحد" و"إنّه من المعيب إهانة أشخاص ضحوا بحياتهم وراء قضبان المحتل سنوات طوال، واللعب في ارزاق عائلاتهم المستورة".

لكن، ورغم تصريحات أركان السلطة حول وقوفها مع الأسرى ودعمهم، تدلّ الممارسات اليومية عكس ذلك، بدءا من ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية ومنع المقاومة من الانطلاق لردع المستوطنين عن جرائمهم، وزجّ الأسرى المحرريّن من سجون العدو في سجون السلطة، بدلا من تكريمهم والاعتناء بعوائلهم.

وبسبب تخوفّها من استعادة روح المقاومة في الضفة الغربية، استولت أجهزة السلطة، قبل أشهر، على كل النسخ من كتاب (درب الصادقين) الذي يفصّل فيه الأسير صبحي أبو طبيخ، مقاومة ونضال الأسرى قبل الاعتقال وفي السجون، واعتقلت مدير دار النشر المسؤول عن إصداره، لأن الكتاب يضع أمام الجمهور الفلسطيني والعربي نماذج رائعة من الأسرى المقاومين، المطلوب نسيانهم وعدم التذكير بمقاومتهم، بالنسبة للسلطة وأجهزتها.وقبل سنوات، كانت هذه الأجهزة تقمع المسيرات المستقبِلة للأسرى المحررّين، كونها تعبّر عن تحدّي السجان والاحتلال وتجمع أفراد المجتمع حول المقاومة، السبيل الوحيد للتخلص من الاحتلال.

لم تفلح الى الآن القوى المعادية لحرية الشعوب والكرامة الانسانية من النيل من مكانة الأسرى والشهداء في الوعي الشعبي الفلسطيني، إذ كلما حاولت المسّ بجوهر القضية الأساسية للأمة، القضية الفلسطينية، وبرموزها، تشبث الشعب بهم أكثر، إدراكا منه أن التخلي عنهم يعني أولا التخلي عن المقاومة، وهي الوسيلة الوحيدة لاسترجاع الحقوق الوطنية كافة، كما يعني ضياع تاريخه المتجذر في فلسطين وتاريخ صراعه مع المحتلين، لصالح تاريخ اسطوري صهيوني جاء من وراء البحار.

انشر عبر
المزيد