القانون الدولي واضح: المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية

04 كانون الأول 2019 - 11:40 - الأربعاء 04 كانون الأول 2019, 11:40:31

بقلم: ريتشارد فولك

تصدرت العديد من تصريحات وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو عناوين الصحف حول العالم هذا الأسبوع وذلك عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها قد غيرت موقفها، ولم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية انتهاكا للقانون الدولى. ففى واحدة من أغبى التصريحات فى عصرنا هذا، أوضح بومبيو أن «الجدل الدائر حول من على صواب ومن على خطأ بشأن المستوطنات وطبقا لقواعد القانون الدولى، لن يجلب السلام أبدا». إنه غبى، حيث كانت "إسرائيل" تقف وحدها فى الدفاع عن شرعية المستوطنات قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتساندها.

الواقع على الأرض

يتمثل دور القانون الدولى فى تنظيم سلوك الدول ذات السيادة ــ وليس صنع السلام من خلال إغفال القانون. أزال بومبيو أى شك حول هذا عندما برر تغير موقف الولايات المتحدة تجاه المستوطنات "الإسرائيلية" بأنه «اعتراف بالواقع على الأرض». بعبارة أخرى أكثر وضوحا، يمكن أن يصبح السلوك الخارج عن القانون قانونيا إذا استمر لفترة طويلة بالقوة، وهو المنطق الذى لا يتحدى القانون الدولي فحسب، بل يتعارض مع جوهر الالتزامات القانونية لميثاق الأمم المتحدة..

يمكن أن يكون القانون الدولي غامضا بعض الشىء عندما يتعلق الأمر على وجه التحديد بالسلم والأمن. فلقد تم الإبقاء على العديد من المواقف المتضاربة أو حلها من قبل محكمة معتمدة أو من خلال الممارسة المستمرة مدة من الزمن. إن إقامة مستوطنات على الأرض الفلسطينية المحتلة لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال قانونية لمجرد إنشائها على أرض محتلة لا سيادة لها.

وقد أشار المراقبون مرارا وتكرارا إلى عدم مشروعية اعتداءات المستوطنين باعتباره أكبر عقبة أمام السلام، وانتهاك "إسرائيلي" وقح وصارخ للقانون الدولي.

إذن، هل منحت واشنطن "إسرائيل" الضوء الأخضر لفعل ما يحلو لها بشأن المستوطنات حتى تلك الموجودة فى الضفة الغربية المحتلة؟ على العموم، إذا أقر البيت الأبيض الآن ضم "إسرائيل" لمرتفعات الجولان، فقد يُنظر إلى الضفة الغربية على أنها مغانم صغيرة.

إن موقف القانون الدولي تجاه مسألة المستوطنات "الإسرائيلية" يظهر بجلاء من تصريحات الفاعلين المؤثرين فى المجتمع الدولي بأنها غير قانونية، وهناك عدة أمثلة رئيسية توضح هذا الإجماع الدولي.

إجماع على عدم الشرعية

أولا: تنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن سلطة الاحتلال «لا يجوز لها ترحيل أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضى التى تحتلها». هذا البند المهم من القانون الإنساني الدولي يُفهم عالميا على أنه يحظر إقامة المستوطنات الإسرائيلية فى أي جزء من الأراضى الفلسطينية المحتلة.

وإذا كانت "إسرائيل" تمتثل للقانون الدولي، لكانت قد أوقفت النشاط الاستيطاني وأزالت ما قامت ببنائه فى السنوات التي تلت حرب 1967. فبدلا من ذلك، واصلت "إسرائيل" بناء المستوطنات بوتيرة متسارعة، معززة بذلك المنطق الأعرج القائل إن «على الإسرائيليين العيش فى أي مكان يريدونه فى فلسطين». لا ترى "إسرائيل" حتى أن مناطق المستوطنات فى القدس والضفة الغربية «مناطق محتلة» بالمعنى القانوني، لكنها تعتبرها جزءا من "الأرض الموعودة".

ثانيا: أظهرت محكمة العدل الدولية درجة غير عادية من الوحدة والاتفاق. عندما أكدت المحكمة بقوة فى العام 2004 عدم مشروعية بناء المستوطنات "الإسرائيلية" على الأرض المحتلة ــ وذلك بقرار صادر بأغلبية 14 صوتا مقابل 1.

أشارت المحكمة إلى أن الجدار الفاصل تم بناؤه بحيث يضع على الجانب "الإسرائيلي" 80 فى المائة من المستوطنين، مشيرة إلى أنه تم إنشاء المستوطنات فى انتهاك صارخ للقانون المعمول به. رفضت "إسرائيل" الامتثال لهذا الحكم النهائي، مؤكدة على طابعه «الاستشاري".

ثالثا، فى ديسمبر/كانون الأول 2016، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2334، واعتبر بتصويت (14ــ0) ــ حيث امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت ــ أن المستوطنات ليس لها أى شرعية قانونية. أشار القرار إلى أن المستوطنات تشكل «انتهاكا صارخا للقانون الدولي وعقبة رئيسية أمام تحقيق حل الدولتين وسلام عادل ودائم وشامل». وهو عكس ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي بومبيو.

الأهمية الجيوسياسية

لا يمكن لأي دولة أن تغير من الوضع القانوني للنشاط الاستيطاني "الإسرائيلي". ما أعلنه بومبيو هو تحول فى الموقف السياسى للحكومة الأمريكية. فإن كان غير مهم من الناحية القانونية، إلا أنه مهم من ناحية الجغرافية السياسية. وحاول ترامب أن يقلل من حدة تأثير تغير الموقف الأمريكي بشأن المستوطنات وذلك بالتذكير بما أعلنه رونالد ريجان (الرئيس الأمريكي الأسبق)، بينما كان رئيسا، أنه لا يعتقد أن المستوطنات غير قانونية، ولكنه مضى قائلا أن التوسع فى بناء المستوطنات "عمل استفزازي غير ضروري".

والأمر الأكثر أهمية هو تبادل رسائل بين الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق أرييل شارون فى العام 2004، والتى اتفقا فيها على أن أي اتفاق سلام قابل للتطبيق مع الفلسطينيين لابد أن يدمج الكتل الاستيطانية على طول الحدود مع "إسرائيل". مرة أخرى، كان هذا الاتفاق الجانبي بدون أسس قانونية، لكنه كان مؤشرا على ما ستطالب به "إسرائيل" والولايات المتحدة فى مفاوضات السلام المستقبلية.

ما يجعل بيان بومبيو مختلفا هو موقعه بالنسبة لتصريحات ترامب المثيرة للجدل ولغة التمويه المرتبطة بها، والتى تعطي "إسرائيل" حافزا للمضي قدما فى الضم. وهذا هو مثال آخر على سياسة الخداع التى تنتهجها الولايات المتحدة.

آخر مسمار فى النعش

لا تزال المقاومة الفلسطينية قوية، بدليل مسيرة العودة الكبرى على طول السياج بين غزة و"إسرائيل"، وها هي مبادرات التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني تتلقى الدعم، كل ذلك دفع "إسرائيل" إلى محاولة تشويه خصومها العزل على أنهم معادون للسامية.

إن الخطاب الجديد حول المستوطنات يؤكد التوجه الذى وضعته إدارة ترامب: التنصل من الإجماع الدولي حول القضايا الرئيسية التى تؤثر على حقوق وواجبات الدول. حيث شملت النقاط البارزة لهذا التوجه فى السياق الفلسطيني نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والموافقة على الضم "الإسرائيلي" لمرتفعات الجولان، والآن، تهميش مستوطنات "إسرائيل" باعتبارها غير ذات صلة.

لقد تم إدانة هذه الخطوة فى الأوساط الدبلوماسية باعتبارها المسمار الأخير فى نعش حل الدولتين. إنها تحرك البوصلة السياسية نحو إقامة دولة واحدة ذات هيمنة يهودية مع إخضاع الفلسطينيين لدولة تظهر وتتصرف مثل نظام الفصل العنصري.

هل هذه إذن نهاية لعبة الكفاح والنضال الفلسطيني؟ لا أعتقد ذلك. فالمقاومة الفلسطينية وحركة التضامن العالمية ستخبران العالم قصة مختلفة.

(المصدر: جلوبال ريسيرتش ـ 21/11/2019)

انشر عبر
المزيد