أسرى فلسطين بين ظلام وظلم

29 تشرين الثاني 2019 - 01:05 - الجمعة 29 تشرين الثاني 2019, 13:05:03

بقلم: نواف التميمي

من قتل الأسير سامي أبو دياك؟ بقدر ما يبدو السؤال بليداً، يأتي الجواب ملبداً بالمتهمين المشاركين في جرائم قتل الأسرى المستمرة. نعم هو الاحتلال "الإسرائيلي" القاتل بالفعل والأداة، والقاتل بسبق الإصرار والترصد، ولكن القتلة بالمشاركة والتواطؤ والصمت كثر. يقتل الاحتلال أسرانا في ظلام السجن، ونقتلهم نحن بظلم الصمت.

ارتقى الشهيد أبو دياك بثالوث الاحتلال والسرطان والصمت، ولا فرق هنا بين القتلة الثلاثة. يقتل الاحتلال "الإسرائيلي" الأسرى بأحكامه الخرافية الجائرة، أحكام تفوق الألف سنة في بعض الحالات، أو تصل إلى مدى أربع أو خمس حيوات في أحكام أخرى. ثم يمارس السجَّان كل صنوف السادية على أجساد الأسرى وأرواحهم، لكسر هاماتهم وهممهم. يحاول الاحتلال، منذ اللحظات الأولى، كسر ظهر الأسير على كرسي التعذيب، وكسر صموده بالإهانة والابتزاز. يُرمى الأسرى في غياهب زنازين، انفرادية أو جماعية، باردة يعشش في جنباتها المرض والقرف والقهر. يترك الاحتلال أجساد الأسرى مثل جرحٍ مفتوحٍ تنهشه الأمراض والأوبئة والأوجاع. يعضّ السجين على جرحه، ويُمضي سنوات عمره بالصبر والصمود على أمل الحرية.

يتمكّن سرطان الزنازين من أجساد أسرى، يسري فيها كما ينتشر الاحتلال في الأرض الفلسطينية. تطول قائمة الأسرى الشهداء يومياً، كما تتوسع خريطة سرطان الاستيطان كل يوم. يموت الأسرى بصمت، وحدهن أمهاتهم اللواتي ينتظرن فلذات أكبادهن يُكابدن الألم بإنتظار ساعة الفرج، وقد تخلى عنهن وعن أولادهن وطن ضحّوا لأجله بحيواتهم. يقتل الصمت الأسرى، صمت القيادة، صمت الناس، وصمت الإنسانية. لا يريد الأسرى أن يكون لهم يوم للاحتفال، ولا يريدون أوسمة أو نياشين، فلا شيء يعادل الحرية، ولا شيء يعادل مجد الانتصار على الجلاد.

تخلت القيادة عن الأسرى، وهذا متوقع من سلطةٍ هي نفسها أسيرة "أوسلو" ومخرجاتها. ولكن ما يضاعف عذابات الأسرى هو صمت أهلهم وشعبهم عمن ترك لحم الأسرى في العراء، مرة للسرطان، وأخرى للجوع. لا يقوى السجان على الأسرى، إنما تخذلهم إهانة عائلاتهم وأبنائهم. لا يخشى الأسرى عتمة السجن، ولكن تخيفهم عتمة قلوب من خذلوهم من شعبهم. حق الأسرى علينا ألا نتركهم لأصفاد الجلاد تنهش أبدانهم وتنخر عظامهم، وهم من ضحّوا بحريتهم ليعبروا بنا نحو الحرية والعودة... أول آيات الوفاء للأسرى، تقتضي على الجميع، سلطة، وفصائل، ومنظمات مجتمع مدني، وأفرادا، رفع صوت الأسرى، وحماية ظهورهم، أولاً من السجان الذي يتوعدهم بالنار والمرض، ثم تحصينهم من وباء الانقسام، وثالثا نقل عذاباتهم إلى عالم بات متواطئا وشريكا في الجريمة بالصمت عن وحشية إسرائيل وجرائمها.

ألم يسمع سكان رام الله وضواحيها صرخات فخري البرغوثي، الأسير المحرّر، شقيق عميد الأسرى، وأبي الأسرى؟ ألم يسمعوا صرخات الرجل الذي قضى 33 سنة في سجون الاحتلال، وهي تشقّ السماء قهراً وظلماً، وتسأل الشعب عن حق الأسرى؟ ألم يرَ من وصفهم البرغوثي "عبئاً على صدر الشعب والوطن" عشرات الأسرى المحرّرين يفترشون "دوار الساعة" مطالبين بالحد الأدنى من كرامة العيش، بعد أن ضحّوا بشبابهم من أجل وطن، خذله بعضهم، وسرق ما تبقى منه بعضٌ آخر. ألا يخجل أصحاب السيادة والمعالي وهم يرون أم الشهيد سامي أبو دياك تَهج إلى خارج الوطن بحثاً عن مغيث لابنها. يموت أسرانا بسرطان السجن وبرد زنازينه مرات، ولكنهم يموتون أكثر بظلم ذوي القربى.

ترفّع الأسير سامي أبو دياك إلى رتبة شهيد مع مرتبة الشرف، لا أمنية له سوى لحظات قليلة أخرى، إن بقي في العمر بقية، يقضيها في حضن أمه، وكأنه يتمنّى أن تنتهي حياته هناك، حيث بدأت أول مرة.

لم يتمن الشهيد شهادةً من رئيس، أو قراراً وزاريا لترفيعه رتبة أو توسيمه بنجمة، بل خطف من سجانه حريةً تصعد بروحه إلى السماء، ليكون مع سابقيه ممن اختاروا شرف الشهادة على ذل الحياة تحت بساطير الاحتلال.

(المصدر: العربي الجديد اللندنية)

انشر عبر
المزيد