الاستيطان الصهيوني التهويدي : القدس والضفة الغربية مثالا

29 تشرين الثاني 2019 - 11:42 - الجمعة 29 تشرين الثاني 2019, 11:42:46

بقلم: راغدة عسيران

يتميّز الاستيطان الصهيوني في فلسطين، عن الاستيطان الأوروبي – الأمريكي في أنحاء العالم بأنه استيطان تهويدي أيضا. رغم ادعاء المستوطنين في أميركا وأفريقيا أن "الرب" أرسلهم لأنسنة الشعوب وتطويرها، بل لقتلهم إذا تمرّدوا، فلم يدّعوا أن الأرض التي يحتلونها ويستوطنوها كانت ملكا لهم وفقا لأساطير دينية.

في فلسطين المحتلة، اضطرت الحركة الصهيونية، مدعومة من الأكاديمية الغربية، الى شرعنة استيطانها باختراع تاريخ يهودي يعود الى آلاف السنين. أكملت خطتها بادعائها أنها وريثة التاريخ اليهودي وممثلة لكل اليهود في العالم. في حين أثبتت الدراسات التاريخية الحديثة حول أصول القبائل اليهودية الغربية والحفريات الأثرية في فلسطين والقدس تحديدا، أن لا علاقة لليهود المستوطنين الصهاينة بيهود الأزمنة السابقة، وأن "الحقبة اليهودية" في فلسطين لم تكن إلا مرحلة قصيرة وعابرة، وفي مناطق محدودة، من مراحل تاريخ فلسطين والمنطقة.

رغم ذلك، وخلافا لمنطق العلم والعقل الذي يتباهى به، ما زال الغرب الامبريالي، بمعظم فئاته الدينية والعلمانية، يتبنّى الأطروحات الصهيونية التهويدية، ويبرّرها بسبب عنصريته الدفينة إزاء العرب والمسلمين، ومصالحه الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بوجود كيان استيطاني توسعي واقتلاعي في قلب الأمة، يمنعها من توحيد شعوبها وإدارة شؤونها.

تشكلّ الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلتان مركز الاستيطان التهويدي في فلسطين، وإن صعدت مدن وبلدات أخرى محتلة عام 1948 الى مكانة مميّزة في الاسطورة الصهيونية (صفد وصفورية)، إضافة الى أن سياسة التهويد الممنهجة طالت المقدسات الإسلامية والمسيحية الفلسطينية في أنحاء البلاد.

يعتبر المستوطن الصهيوني التهويدي أن كل أرض يحتلها تحتوي على آثار يهودية، يمكن إعادة احيائها متى سنحت له الفرصة. يروي مثلا الباحث الفلسطيني خالد عودة الله زيارته الى مقام ابراهيم الخليل (عليه السلام) في مزارع شبعا (اللبنانية) المحتلة برفقة صهاينة ينتمون الى "مدرسة حقلية صهيونية في الجولان"، قرّروا القيام برحلة "لمعرفة البلاد وإقامة طقس تلمودي في جبل "بين هبتريم" مسمّى المقام عند الصهاينة" (خالد عودة الله "الصعود الى مقام أبينا إبراهيم الخليل في مزارع شبعا").

ينطلق الاستيطان الصهيوني التهويدي التوراتي أو التلمودي من اعتبار الضفة الغربية "يهودا والسامرة" ومدينة القدس "أورشليم" وبشكل عام، كون فلسطين "أرض إسرائيل" التي تمتدّ الى حيث يصل المستوطن. تتضمن عملية التهويد طمس المعالم التاريخية الفلسطينية الحقيقية وتشويهها، وإطلاق أسماء توراتية على المعالم الأثرية والشوارع والمدن والجبال والأودية والأنهر والبرك والنباتات والأشجار الفلسطينية.

لا يخلو الاستيطان التهويدي من اعتبارات سياسية، إذ يفرض "مفاهيم سياسية خاصة في محاولة لجعلها فوق القانون الدولي وبديلا عنه في تفسير الوقائع" (رائد جبور في مقال "الاستيطان والحفر في نفق التاريخ")، بالتركيز على أساطير تعطي "مضمونا وبعدا وجدانيا" كالارتباط الأزلي بين اليهود وهذا المكان بالتحديد، واعتبار الصهاينة شعب أصلاني، كما يدعي اليوم المستعمرون الأوروبيون أو أحفادهم في البلاد الأميركية (كندا خاصة) لمواجهة الشعوب الهندية الأصلانية المطالبة بحقوقها.

نالت مدينتا القدس والخليل ومقدساتهما المرتبة الأولى لدى الصهاينة في مشروعهم التهويدي. في القدس، يحاول المستوطنون تكريس فكرة "الهيكل" المزعوم مكان المسجد الأقصى، ويتم البناء حوله وتحته العشرات من المعابد والمتاحف الخاصة بتاريخ يهودي مزوّر.

يستهدف الاستيطان التهويدي أيضا الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، الذي تم تقسيمه ومنع المسلمين من دخوله خلال المناسبات اليهودية. كما يستهدف بلدة سلوان في القدس لإحياء "مملكة داوود"، وجبل الزيتون ورأس العامود لتنفيذ مشروع "الحوض المقدس". وقد تم الاستيلاء على الأراضي من أجل إقامة "حدائق توراتية"، وافتتحت المتاحف لعرض المقتنيات الفلسطينية القديمة كتراث "توراتي" خاص باليهود. وفي خطوة استفزازية للعالم الإسلامي، ضمّ العدو الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم لقائمة "التراث اليهودي". 

امتدّ الاستيطان التهويدي الى القرى والبلدات المحيطة بالقدس، من قرية النبي صموئيل الى لفتا وعين كارم. في قرية النبي صموئيل الواقعة شمال غرب مدينة القدس، وتمت السيطرة على مقبرة البلدة وتحويلها الى كنيس يهودي. ويقوم الاحتلال بحفريات في البيوت المهجّرة منذ العام 1971 لإبراز ما يسمى ب"التراث اليهودي" وتبديد الآثار الفلسطينية لهذه القرية التي يعود تاريخها الى آلاف السنين.

وفي عين كارم، أخفت "سلطات الآثار الإسرائيلية" معالم وآثار مسيحية تعود الى الفترة البيزنطية لتكريس محورية "الحقبة اليهودية" في تاريخ فلسطين والمنطقة. في قرية لفتا المهجرة، والتي يعود تاريخها الى أربعة آلاف عام، حاول الاستيطان التهويدي الاستيلاء على البركة بالادعاء أنها خاصة بطقوس يهودية، تمهيدا لتهويد المكان وبناء الفنادق السياحية، إلا أن نشاط أهلها والجمعيات الداعية للعودة اليها تمكنّوا من إلغاء هذا المشروع.

اعتبر بعض الباحثين أن أخطبوط الاستيطان التهويدي لن يطال مدينة نابلس، كما طال مدينتي الخليل والقدس، إلا أنها أصبحت اليوم محاطة بالمستوطنات، ويدعي الصهاينة، الذي يطلقون عليها اسم "شخيم" أنها مدينة مقدّسة يهودية، وتضم "قبر يوسف بن يعقوب"، فيما تذكر الدراسات أن لا علاقة لهذا القبر، الذي يقتحمه المستوطنون وجيشهم في كل مناسبة يهودية، بما تم اختراعه حول "الحقبة اليهودية" في فلسطين. أصبح "قبر يوسف"، الواقع عند المدخل الجنوبي الشرقي لمدينة نابلس، وهو مقام لشيخ مسلم اسمه يوسف الدويكات، أحد أذرع الاستيطان التهويدي في المنطقة.

كما تعتبر بلدة سبسطية أكبر مثال على تزوير التاريخ وطمس معالمها الآثارية من قبل الصهاينة.  رغم أنها تابعة لمدينة نابلس، تخضع بعض المواقع الأثرية للعدو الصهيوني، كما نص اتفاق بين السلطة الفلسطينية والعدو -باشراف الأمم المتحدة- الذي يقوم بين الحين والآخر على تدمير الآثار الفلسطينية والترميمات التي أنجزت من الجانب الفلسطيني.

جنوبا، بالقرب من قريتي قريوت وترمسعيا، تقع خربة سيلون التاريخية التي يعتبرها الاستيطان التهويدي كموقع تراث يهودي – مسيحي، حيث منع أهل القرية من استعمال المسجد. واستولت "سلطة الآثار الإسرائيلية" على الموقع، بحجة أنه "حجر الأساس لأسباط بني إسرائيل"، فزرعت آثار ورموز يهودية وتوراتية في المكان وطمست الآثار الفلسطينية، ثم فتحت أبوابه للسياحة.

 يقع وادي قانا، أكبر محمية طبيعية في الضفة الغربية المحتلة، بين مدينتي سلفيت وقلقيلية. اعتبره الاستيطان التهويدي "منطقة مقدسة" وحولّه الى مستوطنات، يُمنع الفلسطينيون من الاقتراب منه. يستهدف الصهاينة المعالم الأثرية في هذه المنطقة المصنفة "ج" وفقا لاتفاقيات أوسلو، ويمنع الفلسطينيون من ترميمها. من بين المعالم الأثرية المستهدفة، "مقامات كفر حارس" التي يقتحمها المستوطنون بشكل دوري، وخربة شحادة التي تقع بين بلدتي دير استيا وقراوة بني حسان.

في العام 2016، قام العدو بعمليات حفر المقامات الإسلامية والقبور القديمة، فاعتدى على قبر "إستيا" الموجود داخل المسجد الغربي ببلدة دير استيا، ثم انتقل لمقامات أخرى مثل مقامي عمرو بن العاص على أطراف بلدة قراوة وأبو عبد الله في قرية حارس.

ليست هذه الأمثلة إلا عيّنة لما يرتكبه العدو في فلسطين المحتلة، وخاصة في الضفة الغربية، لتغيير معالم البلاد وتهويدها. حيث يواجه الفلسطينيون أكبر حملة تخريبية وتزويرية للمعالم الأثرية في البلاد، تستند الى قوة الاحتلال العسكرية، والدعم الغربي المادي والمعنوي الموجّه ضد الشعوب العربية واستهتار هذه الشعوب بتاريخها العريق بكل مكوناته.

انشر عبر
المزيد