الانتخابات الفلسطينية.. في غرفة الانتظار

15 تشرين الثاني 2019 - 10:52 - الجمعة 15 تشرين الثاني 2019, 10:52:23

بقلم: حلمي موسى

تتحرك الساحة الفلسطينية وكأنها تتجه فعلاً نحو انتخابات تشريعية ورئاسية وتعلن كل الأطراف فيها جاهزيتها واستعدادها لإجراء هذه الانتخابات. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أعلن في الأمم المتحدة نيته حسم الخلافات في الحلبة الفلسطينية وإنهاء الانقسام عبر إصدار مرسوم رئاسي بإجراء الانتخابات في موعد قريب. وبدأت لجنة الانتخابات المركزية برئاسة الدكتور حنا ناصر عملها بلقاءات مع القوى السياسية الفلسطينية، معلنة وجود تقدم وتوافق الجميع على الانخراط في العملية الانتخابية، لتكون مدخلاً لإنهاء الانقسام.

يحتار كثيرون في فلسطين والخارج في أمر الانتخابات المقترحة ومدى جديتها في ضوء ما وصلت إليه الأوضاع العامة من انقسام. ويتساءل هؤلاء عما إذا كانت الانتخابات فعلاً مدخلاً لإنهاء الانقسام أم مناسبة لتعميقه سواء جرت أم لم تجر. ويدور الشك في نفوس الكثيرين تجاه الانتخابات ليس من واقع رفضها وإنما من ضرورة توفير مستلزماتها. ويشير هؤلاء أولاً وأخيراً إلى تجربة الانتخابات الفلسطينية في العام 2006 والتي قادت نتائجها إلى ما يعانيه الجميع من انقسام متزايد.

وهناك من يرى أن مسألة الانتخابات، والتي تعتبر بديهية في أي مجتمع ديمقراطي، ليست كذلك في الواقع الفلسطيني إن لم يكن بسبب الانقسام فعلى الأقل بسبب الاحتلال. ويرفض البعض حجة الاحتلال مشيراً إلى أنه سبق للفلسطينيين أن أجروا انتخابات كانت مثالاً في الشفافية حتى في ظل الاحتلال. ويرد آخرون على ذلك بالحديث عن اختلاف الظروف وتغير مواقف الاحتلال منذ ذلك الحين.

توافق ظاهري على الانتخابات غير أن جانباً من المشككين في جدية التوجه نحو الانتخابات يقولون بأن الأمر كان في الأصل مجرد إلقاء حجر في بركة مساعي المصالحة الفلسطينية الراكدة. ويذهب بعضهم إلى أن الانتخابات أيضاً ليست أكثر من وسيلة للمناكفة الجارية بين سلطتي رام الله وغزة وأن أياً من الطرفين لا يريد الانتخابات حقاً على الأقل في الظروف القائمة.

توافق وتضارب

في كل حال، من الناحية الظاهرية، هناك توافق فلسطيني على إجراء الانتخابات وكل طرف يعلن استعداده وجاهزيته. ولكن هذا التوافق لا يخفي حقيقة التضارب في العديد من المواقف المؤدية إلى إجراء الانتخابات والتي ظهرت مؤخراً. وعلى سبيل المثال اشترطت حماس والفصائل في غزة إجراء الانتخابات على أن يسبقها حوار وطني شامل قبل إصدار مرسوم الانتخابات الرئاسي. وقد ذللت لجنة الانتخابات المركزية شرطاً مسبقاً كانت تضعه حماس وهو إجراء انتخابات متزامنة تشريعية ورئاسية بأن وصلت إلى اتفاق على أن تجري الانتخابات الرئاسية بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية. ويبدو أن لا أحد في الحلبة الفلسطينية يريد الظهور بمظهر من يعرقل الانتخابات لدرجة أنه لم تظهر اعتراضات على مبدأ الانتخابات النسبية الكامل وإلغاء نظام الدوائر.

ومع ذلك فإن الخلافات القائمة حتى الآن تتعلق بمن يسبق من: الحوار الوطني أم المرسوم الرئاسي. وتطالب حماس ومعها فصائل أخرى بأن يكون الحوار الوطني سابقاً على المرسوم الرئاسي في حين تصر فتح على أسبقية المرسوم على الحوار. ويبدو أنه في ظل رغبة حماس في عدم الظهور بمظهر المعرقل يمكن أن تمرر هذا الأمر على أن تتشدد في جوانب أخرى أو تترك للعوائق الأخرى أن تفعل فعلها.

قفاز التحدي

عموماً، بدا للمراقبين أن الرئيس عباس ألقى قفاز التحدي في وجه حماس فتلقفته الأخيرة معلنة موافقتها على إجراء الانتخابات. وأشار معلقون إلى أن حماس قبلت التحدي في ظل إحساسها بأن تحدي الانتخابات ليس أكثر من استدراج لها للوقوع في شرك رفض الانتخابات. وواضح أن جانباً من الموقف من الانتخابات يعود إلى رغبة كل طرف في إثبات شرعيته خصوصاً بعد تعمق شرخ شرعيات الحكم في فلسطين لغياب العمل البرلماني منذ أكثر من عشر سنوات إثر انقلاب غزة. ولم تفلح حكومة التوافق في ردم هوة الخلاف الذي عاد أعمق من السابق بعد تشكيل حكومة الدكتور محمد إشتية وتصرف حماس في قطاع غزة بوصفها سلطة الأمر الواقع.

عوائق داخلية وخارجية ومن المؤكد أن عوائق جدية داخلية وخارجية تنتظر إجراء الانتخابات الفلسطينية في حال الإعلان عن إجرائها. وعلى سبيل المثال من سيحمي العملية الانتخابية في قطاع غزة غير شرطة سلطة الأمر الواقع في القطاع وهي جهة فرض الأمن الوحيدة القائمة هناك؟ وهل ستعترف السلطة الفلسطينية في رام الله بهذه الشرطة بعد أن كان هذا الموضوع واحداً من أسباب عدم التوصل لاتفاق مصالحة. وكذا الحال مع الجهة القضائية التي ستشرف على الانتخابات في القطاع في ظل عدم وجود جهاز قضائي غير ذلك الذي تديره حماس. ورغم بساطة هذه الأسئلة إلا أنها مفصلية في أي عملية انتخابية من دون الحديث عن دور أجهزة الأمن السرية خصوصاً في ظل الاتهامات الدائمة بالاعتقالات والترهيب.

العوائق "الإسرائيلية"

وبعد ذلك تأتي العوائق «الإسرائيلية» المختلفة سواء عبر الحواجز القائمة بين مدن وقرى الضفة الغربية أو عبر التوتير الدائم للأجواء في قطاع غزة. غير أنه فضلاً عن ذلك هناك الموقف «الإسرائيلي» من إجراء الانتخابات في القدس المحتلة. وقد سبق للفلسطينيين أن أجروا انتخابات في القدس في ظروف مختلفة وحينما كانت العلاقات مع الإدارة الأمريكية مقبولة وليست متوترة كما هو الحال اليوم. وعدا ذلك فإن حكومة نتنياهو، وبعد نيلها الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان، يصعب عليها تسهيل إجراء انتخابات فلسطينية فيها. وهو ما قد يعرقل الانتخابات الفلسطينية من أصلها، خصوصاً أن هناك اتفاقاً فلسطينياً جامعاً على عدم جواز الانتخابات من دون القدس بوصفها عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة. وعدا ذلك هل سيسمح الكيان للفلسطينيين في الضفة أصلاً بحرية الانتخاب والترشح، أم أنه سيمنع ذلك سواء باحتجاز مناطق أو اعتقال مرشحين.

استقطاب

عموماً تبدو الانتخابات بعيدة رغم كثرة الحديث عن قربها وتبدو كل الجهات مستعدة لها رغم أنها ليست كذلك. وإذا كانت حماس لبنيتها الحزبية الخاصة مستعدة فعلا فإنه في داخل حركة فتح تساؤل واسع حول القدرة على توحيد قواها في ظل ما يعرف بظاهرة التجنح والموقف من تيار محمد دحلان.

وعدا ذلك فإن باقي القوى الفلسطينية ليست مستعدة لخوض انتخابات في ظل إيمانها بصعوبة التوافق على ذلك ومعرفتها أن الاستقطاب داخل الحلبة الفلسطينية لن يترك لها مكاناً. ولذلك فإن قوى فلسطينية فاعلة تبدي شكوكها بإمكانية إجراء الانتخابات وتأمل أن يكون الحراك حولها مقدمة لإعادة التواصل بين جميع الأطراف. فتجربة الماضي تثبت أن الانتخابات قد تمنح شرعية لكنها لا توفر الحلول. وفي وضع كحال الفلسطينيين راهناً هم أحوج ما يكونون إلى حكمة توحدهم وتقربهم من مبدأ: الانتخابات هي الحل.

helmi9@gmail.com

انشر عبر
المزيد