الزحف الاستيطاني الصهيوني والتوسّع: أراضي الغمر والباقورة الأردنية نموذجا

09 تشرين الثاني 2019 - 11:04 - السبت 09 تشرين الثاني 2019, 11:04:22

الزحف الاستيطاني
الزحف الاستيطاني

بقلم: راغدة عسيران

قرّر الأردن منع وصول المستوطنين الصهاينة الى أراضي الباقورة بدءا من يوم الأحد 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بعد رفضه تمديد ايجار أراضي الباقورة والغمر الى الكيان الصهيوني. كان قد ورد في ملحق 1/1 لاتفاقية وادي عربة الموقعة بين الأردن والكيان الصهيوني عام 1994، أن الأردن يؤجر لمدة 25 عاما أراضي الغمر، التي تقع 70 كم جنوب البحر الميت، في منطقة وادي عربة، وأراضي الباقورة، الواقعة في الأغوار الشماليّة، جنوب بحيرة طبريا، الى الكيان الصهيوني، بسبب الاستيطان الزراعي فيهما منذ العام 1967، مع امكانية عدم تمديد فترة الايجار، والاعلان عن ذلك قبل سنة من انتهاء العقد.

هذا ما فعله الأردن في العام 2018، متمسكا بحرفية النص ومعتبرا أن الكيان الصهيوني سيلتزم هو أيضا بالاتفاقية وأن المجتمع الدولي، الذي يراهن عليه كل من سقط وعقد اتفاقية مع العدو، سيقف في وجه المعتدي ويعيد الحق الى أصحابه.

بعد إعلان الملك الأردني عن نيّته عدم تجديد العقد، قبل عام، لم يصدّق الصهاينة أنه سيطبّق عليهم هذا القرار، فتحركوا في كل الاتجاهات، داخليا وخارجيا، لمنع تطبيقه أو على الأقل، لإرجائه لبعض الوقت، وأطلقوا التصريحات والتلميحات والتهديدات المتنوعة ضد الشعب الأردني، إلا أن الضغط الشعبي الرافض لاتفاقية وادي عربة وملحقاتها ولكل علاقة مع الكيان الصهيوني، ويقظته المستمرة حول هذه القضية، مكّنا الملك الأردني بالتمسك بتنفيذ إنهاء العقد ومنع دخول المستوطنين الى الباقورة.

يعترف الصهاينة أن الشعب الأردني يرفض أي علاقة معهم ومع كيانهم، ولكنهم واصلوا ويواصلون استفزاز مشاعرهم، كلما سنحت لهم الفرصة. فيختلقون تارة أماكن "مقدّسة" في الأردن، كما فعلوا في فلسطين، وخاصة في الجنوب ومنطقة البتراء، التي "تتعرض لحملة تهويد منظمة من السياح اليهود.. وعملية شراء أراضي منظمة بأسماء شركاء أجانب" (د. عصام الغزاوي) ويدعون تارة أخرى أن لديهم أراضِ وممتلكات في الأردن (في الباقورة تحديدا، يدعون أن لديهم "ملكية خاصة" و"معلم تاريخي يهودي" وهي محطة روتنبرغ لتوليد الكهرباء التي أسسها بنحاس روتنبرغ في العام 1923)، كما يدعون ذلك أيضا في فلسطين، لا سيما في منطقة القدس، من أجل شرعنة استيطانهم ونهبهم وتدميرهم للممتلكات الفلسطينية.

فيما يخص أراضي الغمر والباقورة، حاول المستوطنون جرّ قيادتهم السياسية الى رفض القرار الأردني، بشتى الوسائل. هدّد غلعاد شارون، ابن رئيس الوزراء السابق، بتعطيش الأردنيين إذا ما تم استعادة الأردن لأراضيه وتباكى على مصير "مئات العائلات" التي "تعتاش منها"، واشتكى مستوطن آخر من القرار الأردني الذي يعني "الحكم بالموت على 35 مزارعا "إسرائيليا" يفلحونها، والحكم بالموت على المستوطنة كلها"، بالحديث عن أراضي الغمر حيث بلغت مساحة الجزء المزروع منها حوالي 1100 دونما.

من جهة أخرى، بعث رئيس "المجلس الإقليمي لغور الأردن"، المستوطن عيدان غرينباو، رسالة الى الملك الأردني قبل أسابيع، يطلب منه التراجع عن قراره، لأن المستوطنين الصهاينة "مجرد مزارعين يرغبون في العيش في سلام من خلال حسن الجوار معكم ومستعدين لبذل أقصى ما لدينا من جهد للمساعدة في أي مسألة مدنية مشتركة بيننا". وفي الشهور الماضية، تكثف الاستفزاز الصهيوني، إذ تشير الصحف الى تصاعد عدد المستوطنين "الزائرين" الى المنطقة، وتنظيم اعتصامات من أجل "الحفاظ على السلام في جزيرة السلام".

واصل المستوطنون عملهم في أراضي الغمر، ولم يفككوا معداتهم ولم يخلوا المكان، بانتظار المباحثات الثنائية بين الأردن وكيان العدو، حيث يحاول الجانب الصهيوني تمديد الاتفاق لأراضي الغمر خاصة، بسبب "المزارعين" وانتاجهم الموسمي. أوردت صحيفة هآرتس الصهيونية أن هناك حاجة الى "مزيد من الوقت للتفاوض على آليات استمرار دخول المزارعين "الإسرائيليّين" إلى تلك الأراضي واستخدامها، حتى بعد إعادتها للسيادة الأردنيّة" وأن هناك بحثًا عن "نماذج تجاريّة مُستقبليّة تُتيح استمرار عمل المزارعين الإسرائيليين".

فصدر قبل أسبوع خبر عن إذاعة جيش العدو مفاده أن طواقم وزارتي الخارجية الأردنية و"الإسرائيلية" توصلت الى اتفاق حول أراضي الغمر، ولكن نفت الوزارة الأردنية هذا الخبر، دون النفي أن ثمة مباحثات ما زالت تجري بخصوص هذه الأراضي ومصير "المزارعين".

رغم القرار الأردني المدعوم شعبيا بمنع وصول المستوطنين الى أراضي الباقورة، لم يستسلم الصهاينة بعد، بسبب نمط الزحف الاستيطاني الذي يتبعونه منذ أن وطأت أقدامهم أرض فلسطين، وهو نمط الزحف الاستيطاني الذي مارسه المستوطنون الأوروبيون لسرقة أراضي الأمم الهندية في القارة الأميركية. يتمثل هذا النمط ب :

أولا، الاتفاقيات الموقعة بين المستوطنين والشعب الأصلاني لا تعني شيئا إن لم تكن لصالحهم، يستغلونها لآخر درجة ممكنة ويرفضون أي مساس بها طالما تفيدهم وتتيح لهم مواصلة زحفهم. لهذا السبب، يواصل الصهاينة المباحثات مع الجانب الأردني الذي التزم بالنص، لكنهم يحاولون الخروج عنه وايجاد حلا آخر يناسبهم. لقد أطلق الكاتب منير العكش مصطلح "الإبادة بالمعاهدات" في حديثه عن هذا النوع من المناورة التي اعتمدها المستوطنون لنهب الأراضي الهندية وطرد وإبادة شعوبها.

ثانيا، يكفي أن تقام مزرعة أو زرع قبور أو بناء منشأة ما أو شق طريق على أراضي الغير حتى يدعي المستوطن الصهيوني أن المكان أصبح ملكا له، تماما كما ادعى المستوطنون الأوروبيون وزحفوا نحو الأراضي الهندية قبل ثلاث مئة سنة. يسرد الكاتب منير العكش كيف تمت إزاحة الشعوب الهندية عن أراضيها بعد شق طريق خاص للمستوطنين، أو بعد ان اجتاز مستوطنون غير منضبطين حدود "الدولة الهندية" التي اعترفت بها الحكومة الأميركية المركزية، خلال بحثهم عن مناجم الذهب. فما كان أمام هذه الحكومة إلا خيار الدفاع عن شعبها (طليعة المستوطنين)، رغم الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الهندي، وتوسيع رقعة سيادتها، على حساب الشعوب الأخرى (غير الأوروبية وغير اليهودية). بهذه الطريقة، استولى أيضا الصهاينة على الأراضي الفلسطينية ويواصلون اليوم زحفهم في الضفة الغربية وينظرون الى أبعد من فلسطين.

بعد تحرير أراضي الباقورة ومنع الصهاينة من "زيارتها"، بفضل اليقظة الشعبية والضغط المستمر منذ أكثر من سنة لإنهاء هذا الاختراق الصهيوني، من الواجب مواصلة الضغط لتحرير أراضي الغمر ومنع أي تسلّل صهيوني عبر اتفاقيات جديدة، قد تفسد عودة هذه الأراضي للسيادة العربية الأردنية.

انشر عبر
المزيد