الفلسطينية ابتسام عازم… الرواية للشعوب المضطهدة هي بمثابة التاريخ البديل

17 تشرين الأول 2019 - 10:57 - الخميس 17 تشرين الأول 2019, 10:57:39

وكالة القدس للأنباء - متابعة

«فجأة وبدون أي إشارة مسبقة يستيقظ الإسرائيليون ليجدوا أن العرب اختفوا من كل أرض فلسطين، من البيوت والشوارع وأماكن العمل، وحتى المعتقلين الفلسطينيين اختفوا من الزنزانات، «العرب اختفوا! ببساطة اختفوا. لم يظهر أي منهم في مكان عمله. بيوتهم خالية، هواتفهم ترنّ ولا أحد يجيب، لا العمال، ولا المتسولون، ولا السجناء، ولا المدرّسون، ولا المرضى. جميعهم اختفوا… البعض يعتبر أن الفلسطينيين يخططون لتنفيذ هجوم شامل، وما هي إلا ساعات حتى يخرج جيش من المخربين عليهم ليهدد أمنهم واستقرارهم، في ما يرى آخرون أنه تدخل إلهي، أراد تخليصهم بمعجزة من العرب، كي يعيشوا وينعموا بالهدوء في الأرض التي هي من حقهم، بينما يطلب القسم الثالث من الجميع أن يفرحوا بهذا الاختفاء وليس مهماً فهم أسبابه ومن وراءه، فالمهم أنهم تخلصوا من مصيبة كبيرة.

أما القسم الرابع فيرى أن هذه عملية نوعية قامت بها قوات الجيش الإسرائيلي، وهنا تتضارب الآراء بين فرحٍ بهذه العملية، وخائف من ردة فعل العرب، وغير مقتنع أساساً بهذه الفكرة، لأن دولة إسرائيل هي دولة قانون، وما زالت الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة». (من رواية «سفر الاختفاء»)

من خلال مركز الجالية الفلسطينية في مدينة كلفتون في ولاية نيوجرسي الأمريكية، أقامت الجالية العربية فعالية احتفائية بمناسبة صدور الترجمة الإنكليزية لرواية «سفر الاختفاء» للفلسطينية ابتسام عازم، التي التقتها «القدس العربي» على هامش الاحتفالية، وكان الحوار التالي:

كيف كانت البداية؟ ولماذا اخترت الرواية وسيلة تعبير عن معاناة الفلسطينيين في فلسطين التاريخية؟

بداية النشر ــ وليس الكتابة ــ كانت قبل عشرة أعوام مع رواية «سارق النوم غريب حيفاوي» عن دار الجمل في بيروت لصاحبها الشاعر العراقي خالد المعالي. في حينه بعثت رسالة إلكترونية للمعالي، ولم أكن قد قابلته من قبل. كانت الرسالة ثلاثة أسطر أعرف بها بنفسي وأرفقت النص وسألته إن كانت داره معنية بنشره. عاد إليّ بعد فترة وقال إن المادة أعجبته، وأنه رأى بصوتي الإبداعي شيئا مختلفا، وكانت عنده بعض الملاحظات وأخذتها بعين الاعتبار، وأعدت له النص بعدها بشهرين ومن ثم نشر الكتاب بعد سنة.

بالنسبة لاختبار الرواية كأسلوب تعبير فلأنني أولا أحب هذا النوع من الفن الكتابي ولأن لديّ ما أقدمه فيه، كما أن الرواية تتيح مرونة عالية وإمكانية التجريب على عدة مستويات. فالرواية للشعوب المضطهدة، بمثابة التاريخ البديل أو التاريخ الاجتماعي من وجهة نظر المجموعات المهمشة، وتلعب دورا لا يمكن أن نستهين به.

بدأت مسيرتك الأدبية برواية «سارق النوم – غريب حيفاوي» ومسرحها حيفا ثم سفر الاختفاء ومسرحها يافا. فما دلالة اختيار المكان؟

التركيز على المدينة جاء لرصد نكبة تلك المدن التي بقي فيها جزء بسيط من أهلها، وللوقوف عند أوضاعها الآن وبناء مستقبلها ولكن هذا يحتم معرفة ماضيها. إن الحيز المكاني في فلسطين التاريخية، سواء كان في المدن كحيفا ويافا والقدس، أو في القرى والبلدات البدوية هو حيز مشوَّه، هو بين حيزين. فيه شرخ بسبب نكبته المستمرة لم يعد حيزا يشبه ذاته ولا هو ما أراد له المستعمر أن يكون، أي مكان آخر ممسوح من تلك الذاكرة.

في كتاباتي أحاول أن اتحدث عن الحياة اليومية للفلسطيني الذي يعيش انفصام المكان وتأثير ذلك على عوالمه الداخلية. طبعا التأثر يختلف من شخص إلى آخر وأنا أحاول أن أمسك بهذا وبكل تلك التناقضات.

هناك الكثير من الأمور الرمزية المتعلقة بالاختفاء، الذي حدث فعليا وليس فقط الفانتازيا، ولكن كلها أمور أعتقد يمكن أن يستشفها القارئ، أو على الأقل يشعر بها بسلاسة.

في روايتك الجديدة ماذا عن رمزية اختفاء الشعب الفلسطيني فجأة من الوجود "الإسرائيلي"؟ ولماذا تركت النهايات مفتوحة أمام القارئ؟

ثيمة الاختفاء لها رمزيات كثيرة، لكنها بداية محاولة لتصوير ما الذي سيحدث في المجتمع "الإسرائيلي"، وكيف سيتعامل مع هذا الاختفاء. فهو مجتمع منقسم على ذاته فيه عنصرية ضد فئاته المختلفة وهو يحتاج «البعبع» الفلسطيني للتماسك. كان من الضروري هنا استخدام السخرية والسخرية السوداء، ناهيك من توظيف أشكال أخرى لرصد طريقة تعامل "الإسرائيليين" مع حدث الاختفاء المفاجئ. لكن لم أرغب أن تنشغل الرواية فقط بـ"الإسرائيليين"، وكان من الضروري بالنسبة لي أن تذهب الرواية إلى ما هو أعمق من لعبة الفانتازيا، بل أن تقوم بتوظيفها لسرد قصة مدينة أو مدينتين، يافا وتل أبيب. كانت يافا، ربما، أهم مدينة فلسطينية من ناحية موقعها الاقتصادي والتاريخي والثقافي وعدد السكان. كبرت تل أبيب وترعرت على حسابها وبنيت على جزء منها وعلى ضواحيها. تل أبيب هي رمز للمشروع الصهيوني و«الحداثة»، خاصة أن بناءها بدأ قبل النكبة. رواية «سفر الاختفاء» تحاول أن تدخل في عمق أكبر عن معنى هذه المدنية للناجين من الفلسطينيين. تل أبيب بالنسبة للرواية الصهيوينة مهمة جدا لأسباب كثيرة، ليس فقط للحيز الذي تلعبه ورمزيته في الصورة التي يريد المستَعمِر رسمها عن ذاته، بل حتى في تفاعله مع الزمن الحالي والمكان الفلسطيني، وإعادة ترتيب معناه. وهنا بالتحديد تحاول الرواية أن تعيد هيكلة هذا الترتيب وخلط الأوراق وعلاقة المستعمِر بمدينته «النقية». أضف إلى ذلك هناك الكثير من الأمور الرمزية المتعلقة بالاختفاء، الذي حدث فعليا وليس فقط الفانتازيا، ولكن كلها أمور أعتقد يمكن أن يستشفها القارئ، أو على الأقل يشعر بها بسلاسة. بالنسبة للنهاية، كتبت أكثر من واحدة وهذه هي التي رأيتها الأنسب للنص، ولا أدري إذا كانت فعلا مفتوحة كما يقترح البعض، ولكن هي بدون شك نهاية تبحث عن القارئ الذي يقبل التحدي، ولا يبحث عن روايات ونهايات تخدره. فـ"الحدوته" الفلسطينية لم تنته وللحديث بقية.

وكيف استقبل الجمهور الأمريكي ترجمة الرواية؟

الترجمة صدرت مؤخرا والتفاعل معها جيد جدا، وأنا سعيدة به، وسعيدة أن الذي ترجمها الكاتب والشاعر العراقي سنان أنطون. ولكن طبعا ليس من السهل للأدب المترجم في الولايات المتحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين وبالطريقة التي أكتب بها، أن يحصد انتشارا أو نجاحا كبيرين في السوق، قضية الأدب المترجم في الولايات المتحدة قضية معقدة، ونسبته ضئيلة جدا والدول الأوروبية كألمانيا وفرنسا وحتى إنكلترا تسبق أمريكا بمراحل. لكن الجميل أنها تلقى اهتماما وتفاعلا، كذلك بين أجيال من الفلسطينيين الذين ولدوا في الولايات المتحدة ويتحدثون العربية، ولكن لا يقرأونها بالضرورة. كما أن الترجمة في الغالب تعيد الاهتمام بالكتاب الأصلي، وهذا جميل.

……

ابتسام عازم ..

كاتبة قصصية فلسطينية وصحافية من مواليد مدينة الطيبة في فلسطين التاريخية بالقرب من يافا، عاشت في القدس لسنوات قبل أن تنتقل للدراسة والعيش في ألمانيا حيث حصلت على درجة الماجستير من جامعة فرايبورغ، وتخصصت في دراسات الشرق الأوسط والإسلام، والأدبين الألماني والإنكليزي. ترجمت بعض كتابات عازم إلى الفرنسية والألمانية والإنكليزية والعبرية.

(المصدر: القدس العربي اللندنية)

انشر عبر
المزيد