ما حقيقة المخاوف "الإسرائيلية" بشأن الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

11 تشرين الأول 2019 - 05:27 - الجمعة 11 تشرين الأول 2019, 17:27:44

الجيش الأمريكي
الجيش الأمريكي

وكالة القدس للأنباء - متابعة

تواصل أوساط واسعة في "إسرائيل" التعبير عن قلقها من تبعات الإعلان الأمريكي بالانسحاب من شمال سوريا ومن تغير موازين القوى في الشرق الأقصى ومن “الرياح الجديدة” التي تهب من واشنطن. وبعد أقل من شهرين من الحديث عن احتمال بناء تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي إشارة لعدم رضاه من موقف صديقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو “إننا سندافع عن أنفسنا بقوانا الذاتية”.

وبعد صمت طويل تطرق نتنياهو للانسحاب الأمريكي من شمال سوريا، وشدد على أن "إسرائيل" ستدافع عن نفسها بقواها مقابل كل تهديد. وتابع: “النظام الإيراني هو مركز العدوانية الحالية في الشرق الأوسط. إسرائيل لا تطمح أن تكون وحيدة ومعزولة، لكن هكذا وقفنا في مستهل حرب 1973 التي بلغتنا المساعدة الأمريكية قبيل نهايتها فقط”.

لكن نتنياهو ليس وحيدا في التعبير عن مخاوفه تلك، إذ تعرب أوساط "إسرائيلية" أخرى عن قلقها من “ترك الولايات المتحدة لحلفائها الأكراد دون تردد” وعن أن ذلك ربما ينتظر "إسرائيل" مستقبلا.

ونقلت صحيفة ” يديعوت أحرونوت” عن وزير "إسرائيلي" بقي محجوب الهوية، قوله إن “الصورة تبدو سيئة” فيما نقلت عن وزراء آخرين قولهم إنه “ليس سليما المقارنة بين الأكراد وبين "إسرائيل" بالنسبة للولايات المتحدة التي تبدي التزاما بـ"إسرائيل" بمستوى مختلف تماما، ومع ذلك فإن هذا يبث الرسالة المذكورة للسوريين والإيرانيين والأتراك وهذا أمر ليس جيدا”.

مسؤول "إسرائيلي" قال إن “إيران وحزب الله وحماس لن يفتحوا النار على "إسرائيل" غدا، ولكن كل ميزان القوى في الشرق الأوسط مبني على نسيج حساس مكون من تحالفات وضغوط وتفاهمات واتفاقان، وترامب يقوم بتقطيع أوصال هذا النسيج”.

تدريب "إسرائيلي" للأكراد

واستذكرت الصحيفة قيام "إسرائيل" خلال سنوات سابقة بإرسال ضباط عسكريين لتدريب الأكراد في العراق، ومن أبرزهم الجنرال في الاحتياط تسوري ساغي، الذي “ساهم بتدريب ميليشيات كردية وساهم في إحرازها انتصارات غير قليلة”.

وتنقل عنه “يديعوت أحرونوت” المفارقة التالية بقوله: “في 1965 تم إرسالي لتدريب قوات إيرانية خاصة كي تقوم هذه بتدريب الأكراد. بعد عدة تدريبات طلبت استحضار الأكراد لطهران لأتولى تدريبهم بشكل مباشر”.

وتشير إلى أن تسوري طوّر نظرية قتالية ناسبت المحاربين الأكراد تعتمد على القناصة بعدد كبير، وبالتوازي يتم تأهيل كتائب أخرى للقتال الهجومي، وتنقل عنه قوله: “رغبنا بالقيام بذلك، لكن جهات إيرانية رفضت، فنقلنا مركز التدريب في منطقة حيفا قريبا من بلدة دالية الكرمل”. وتوضح أن ساغي كان مقربا من القائد الكردي مصطفى البرزاني، واطّلع على واقع الأكراد. ويضيف: “الأكراد شعب رائع وأنا تحولت لوطنيّ كردي”.

تواضع واستقامة

كما تشير الصحيفة العبرية لدور يورام زاموش، وهو جنرال "إسرائيلي"، في تدريب الأكراد وهو الآخر يعرّف نفسه كـ”وطني كردي” وتنقل عنه قوله: “كنت هناك عدة مرات وكنت مقربا من مسعود البرزاني نجل مصطفى البرزاني. أعجبني تواضع وبساطة واستقامة الأكراد”.

كذلك تشير “يديعوت أحرونوت” للجنرال بالاحتياط ايزي كنعان، الذي كان آخر مدرب "إسرائيلي" قام بتدريب الأكراد عام 1975. وعن تلك الفترة قال: “قمنا بتدريبهم على مهاجمة بطاريات المدافع العراقية في مناطق مفتوحة ومن خلال كمائن وقد التقينا مع برزاني عدة مرات وكان قد اهتم بتربية الأكراد أكثر مما اهتم بتسليحهم وهذه كانت عملية قد انقلبت عليه. ويوم أنهينا وقبيل عودتنا للبلاد اصطفوا في طابور وقاموا بمعانقتنا وتقبيلنا في وجوهنا وكانت تلك لحظة درامية انفعالية واليوم أرى الأكراد ويكاد قلبي ينفطر وجعا وحزنا عليهم فالمجتمع الدولي للأسف تخلى عنهم”.

على خطى أوباما

من جهته يرى المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، أن قرار ترامب من شأنه أن يثمر عن منافع سياسية داخلية له؛ لأن الهجمات التركية في شمال سوريا بالنسبة للمواطن الأمريكي الاعتيادي هي هجمة خلف جبال العتمة ولن تهمه نتائجها طالما أن جنودا أمريكيين لن يقتلوا فيها”. لافتا إلى أن قرار ترامب يخدم إيران وروسيا وداعش، و”دون حلف دفاعي فعلي، ستضطر إسرائيل أيضا للنظر بشكل مختلف للتهديد الإيراني”.

ويضيف: “هناك أمر مفرط بل اصطناعي بالتعبير عن الخلل الأخلاقي بقرار ترامب ترك الأكراد وشأنهم لدى صحافيين ومعلقين في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل”. معللا ذلك بالقول إنه “من السخرية قياس ترامب بمعايير أخلاقية، فهذه لم تكن يوما في حساباته”.

ويتابع: “نظرة واحدة في سيرته الذاتية تظهر كم هو سريع الطعن في ظهور حلفائه ومن ثم الكذب بوقاحة وثانيا هو يسير على خطى سابقه (باراك) أوباما بكل ما يتعلق بالشرق الأوسط ويعكس رغبة الكثير من الأمريكيين بالانسحاب وتقليص التدخل العسكري في الخارج”.

ويستعرض المحلل والقنصل "الإسرائيلي" الأسبق في الولايات المتحدة في “يديعوت أحرونوت” ألون بينكاس سلسلة القرارات المتعجلة والخاطئة التي اتخذها ترامب، مقدما المكسيك والصين وكوريا الشمالية وحلف الناتو كأمثلة. لافتا إلى أن الحالة الكردية مختلفة تماما لأن تبعات قرار ترامب فورية، وقال إن “دماء الأكراد على أيدي ترامب وإن محاولاته تبرير أفعاله وقراراته تزيد الطين بلة”.

ويتابع: “لا توجد رؤية سياسية وأمنية لدى الإدارة الأمريكية الحالية. والولايات المتحدة اليوم دولة بلا سياسات وتتجلى أزمتها باستقالة عدد كبير من المسؤولين الكبار في السنوات الأخيرة فيما ينشغل الرئيس ترامب بكتابة تغريدات في تويتر بلغت في الشهر الماضي وحده 797 تغريدة”.

انسحاب تدريجي

لكن بينكاس ينبه إلى أن الولايات المتحدة تنسحب من الشرق الأوسط في العقد الأخير وإن كان بطريقة مرنة وتدريجية وحسب المصالح والاحتياجات. ويدلل على ذلك بالإشارة للموقف الأمريكي الضعيف حيال أحداث “الربيع العربي” والتوتر بين السعودية وإيران والصراع "الإسرائيلي" – الفلسطيني.

ويتابع: “رغم المخاوف الكبيرة لدى "إسرائيل" والسعودية من عدم فهم الولايات المتحدة لما يشهده الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة لا تغير سياساتها واتجاهها بمغادرة هذا المستنقع النازف المدعو الشرق الأوسط “.

ويرى بنكاس عدة عوامل خلف هذا الاتجاه الأمريكي في المنطقة، أولها عدم وجود الاتحاد السوفياتي، وثانيها عملية القاعدة في 11 أيلول/سبتمبر 2001. كما يشير لاستقلالية الولايات المتحدة في مجال الطاقة منوها أنها كانت حتى تسعينيات القرن الماضي تستورد نصف وقودها من الشرق الأوسط.

ويتابع: “منذ عقدين بدأت الولايات المتحدة تعتمد على زيوت كبديل للنفط، علاوة على زيادة إنتاج النفط لدى جارتيها كندا والمكسيك وهي تستهلك اليوم 7.3 مليار برميل نفط سنويا ما يعني أنها مستقلة من ناحية مصادر الطاقة بنسبة 86%-92% وهي اليوم تواصل استيراد النفط من السعودية (11% من احتياجاتها) ومن كندا (40%) بسبب رخص أسعاره. كذلك يشير بينكاس إلى أن الولايات المتحدة تعبت ولا ترغب بالتورط بحروب جديدة في الشرق الأوسط بعدما سبق وتورطت في حروب كثيرة مكلفة من عدة نواحٍ.

 

لكن بينكاس وبخلاف مراقبين "إسرائيليين" آخرين يتحفظ من مقولة أن إيران هي الرابح الأول من الانسحاب الأمريكي، لافتا لاحتمال انتعاش تنظيم الدولة (داعش) من جديد، وهو ليس تنظيما إيرانيا.

ويتابع: “ليس واضحا أن هذا إنجاز إيراني وبشكل عام فإن إيران عسكريا هي نمر من ورق وطالما بالغوا في قوتها”. كما ينفي القول إن روسيا هي مستفيدة كبيرة، معللا ذلك بالقول إن التواجد الأمريكي أصلا لم يكن كبيرا، علاوة على تشكيكه بالمنافع التي يمكن أن يحققها الروس من تواجدهم في مستنقع الشرق الأوسط العنيف.

نمر من ورق

ويخلص بينكاس للإشارة لتبعات ذلك على "إسرائيل"، بالقول إنها تشهد حالة ذعر متعددة الأبعاد تنبع من شعور زائف ومن “التمسكن” و”ارتداء لبوس الضحية وكأننا سنتعرض كالأكراد للهجران والإهمال”.

معتبرا أن مقارنة بعض الكتائب العسكرية الكردية لـ”دولة هي الأقوى في المنطقة مهينة” لافتا لعدم وجود سياسة أمريكية واضحة حيال الشرق الأوسط أصلا، وإن ذلك كان متوقعا ومكتوبا، وعلى "إسرائيل" التعود على هذا الوضع.

بالمقابل يحذر مراقبون "إسرائيليون" من تبعات قرار ترامب، بالقول إن إيران ترى وتراقب، مرجّحين أن ذلك سيشجعها على إنهاء الحساب الطويل مع "إسرائيل".

ويقول المعلق العسكري في القناة 13 ألون بن دافيد، إن إيران ستعمل على استغلال الفراغ كي تغلق حسابها مع "إسرائيل" بعد استهداف العشرات من مواقعها في سوريا.

انشر عبر
المزيد