"أوسلو" الشرك الذي قاد لـ"صفقة القرن"

07 تشرين الأول 2019 - 06:45 - الإثنين 07 تشرين الأول 2019, 18:45:23

بقلم: عبدالحميد الهمشري

مرت قبل أيام 26 عاماً على توقيع تفاهمات "أوسلو"  بين  (حكومة العدو الصهيوني)  ومنظمة التحرير الفلسطينية أطلق عليه في حينه اتفاق إعلان المبادئ، والذي كان يتطلع فيه الموقعون من الجانب الفلسطيني الوصول لتفاهمات تفضي لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس..

وقد تبين لاحقاً أن هذا الاتفاق كان مغامرة بل مقامرة غير محسوبة النتائج تم التنازل فيها عن 78 % من الأرض الفلسطينية مقابل اعتراف (كيان العدو) بمنظمة التحرير الفلسطينية وليس الدولة الفلسطينية.

 استغلت دولة الاحتلال بنودا من هذا الاتفاق لاحقاً للتمدد الاستيطاني وبناء جدار فصل عنصري طوقت فيه التجمعات الفلسطينية التي لم تشكل أكثر من 25 % من مساحة الضفة الغربية (المحتلة) بمعسكرات ومستوطنات وجدر وطرق التفافية والتي اقتطعت المناطق الحيوية منها في القدس ومناطق (ج) التي تمثل مستودع غذاء ومياه الضفة العربية ومتنفسها، وتحويل المفاوضات لعبثية لا رجاء من التوصل لأي اتفاق فيها بعد أن تم تقطيع أوصال  المناطق الفلسطينية وفك الارتباط الأحادي الجانب مع قطاع غزة المحاصر .

وقد كان العدو يخطط لذلك ويرغب في وضع القيادة الفلسطينية في الشرك لتبقى تحت إبطه لا تقوى على الحراك، وفي هذا السياق سرد الراحل محمد حسنين هيكل ما قاله (الرئيس الفرنسي فرانسوا) ميتران له حول  فحوى الإجابة عن سؤال  وجهه الرئيس الفرنسي لشمعون بيريز الذي كان وزير خارجية (الكيان العبري) ومهندس اتفاقيات أوسلو بين الجانبين (الصهيوني) والفلسطيني بعد توقيع الطرفين لتفاهمات أوسلو.  

ميتران يسأل بيريز:  ما الذي ستقدمونه لعرفات بعد هذه المخاطرة التي أقدم عليها؟

أجاب بيريز: أنهم لم يفكروا في ذلك بعد، فقد فضلوا التعامل مع القيادة  الفلسطينية لأن أي وفد ربما يجري تغييره في حال خروجه عما ترسمه القيادة، وبحسب وجهة نظر بيريز أنه في حال كانت القيادة هي المفاوض فمعنى ذلك أن الذي أمامهم هو من يملك القرار، وحينئذٍ يكون الباقي عليهم كقيادة عبرية.

 وحين طلب ميتران مزيداً من الشرح حسبما نقل هيكل سمع من بيريز ما معناه أنهم سيحتاجون لوقت طويل كي يأخذوا الفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات ثم يعودون بهم عن قرب إلى المائدة ويطرحون عليهم صيغاً واسعة مفتوحة للاجتهادات، ثم يأخذونهم معهم إلى تمارين في الصياغة قد تكون مفيدة في تعليمهم دون أن تكون بالضرورة مؤدية إلى اتفاق معهم، ثم أنهم سوف يعرضون عليهم وسطاء ووساطات يذهبون بأفكار ومقترحات ويتركونهم يذهبون إلى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك ثم يكون المطلوب من بعد كل هذا الجهد من الطرف الفلسطيني أن يؤقلم نفسه تدريجياً على كيفية تخفيض سقف توقعاته .. وهذا ما حصل بالفعل فقد كان هناك تفاوض واجتماعات وتم الخروج منها فلسطينيا بخفي حنين، وجرى تدريب الفلسطينيين لتخفيض سقف التوقعات وربما على الصياغة دون أن تفضي إلى شيء أي جرى تحويلها لملهاة مارسها قادة الاحتلال خاصة نتنياهو الذي حولها بامتياز لملهاة إلى درجة أن القيادة الفلسطينية التي وقعت اتفاق أوسلو احتارت في الشكل الذي يقدمون فيه أنفسهم لدولة الاستيطان كي تستمر المفاوضات، للتوصل معهم إلى تسوية، حيث جرى محاصرة عرفات وتسميمه، وكذلك  لم يعد أبو مازن الذي يعتبر عراب الاتفاق مقبولاً لدى الطرف الصهيوني.

وبعد هذا كله كيف يمكن الخروج من النفق المظلم الذي قادت  فيه أوسلو القضية الى عالم المجهول وكانت السبيل لمهزلة القرن بعدما فقدت فيه القيادة الفلسطينية بوصلتها وأسقطت مختلف الأوراق من يدها حيث لم يعد بإمكانها صنع شيء سوى التوجه للمجتمع الدولي الذي يقف عاجزاً أمام صلف إدارة ترامب التي وصلت لدرجة الوقاحة في فرض حلول تفضي لتصفية القضية الفلسطينية بعد إعلان القدس عاصمة للدولة العبرية وتشريع الاستيطان وضم الأغوار وشمال البحر الميت ولا دولة في فلسطين غير الدولة العبرية ذات القومية اليهودية.

أمام هذا الواقع المزري في الزمن العربي الرديء، المطلوب حقاً بعد أن تعلم المفاوض الفلسطيني الدرس القاسي في السياسة، أن تمارس فلسطينيا وعربيا السياسة باحتراف حتى نحاصر الدولة العبرية ونعيد الكيد الأمريكي إلى نحره، لا أن تكون كالنعامة تدفن رأسها في التراب وصيادها خلفها يصطادها بحمقها، فالسياسة كياسة وفن لا تياسة وحماقة يتحكم فيها التعاجز عن متابعة المسيرة التي بحسن استخدامها يتم تجاوز المستحيل وتحويله لحقيقة ويعود لفلسطين جأشها ورباطها وعزها ونصرها الذي فيه عز ونصر لكل العرب.

المصدر: الدستور الأردنية

انشر عبر
المزيد