الفصل العنصري.. الدولة الواحدة والتفكيك

04 تشرين الأول 2019 - 10:16 - الجمعة 04 تشرين الأول 2019, 10:16:24

بقلم: راغدة عسيران

في دراسة صدرت عام 2017، عنوانها "الأصلانية، الفصل العنصري وفلسطين"، تساءل الباحث الأميركي مارك ريفكين، الأستاذ المتخصص بفضاء الأمم الأصلانية (الهندية) في أميركا، عن طبيعة الكيان الصهيوني "إسرائيل": هل هو دولة فصل عنصري أم دولة استعمارية استيطانية؟ وهل يمكن التوفيق بين التعريفين؟ ما الذي يختفي عندما نتبنى أحدهما، ذلك لأن لكل تعريف مرجعياته الفكرية والسياسية؟ وكما يشرح في الدراسة، الانطلاق من أحد التعريفين يقود الى استراتيجية نضالية مختلفة.

امتازت الدراسات الأكاديمية المتخصصة بفضاء الأمم الأصلانية في أميركا بطرح أسئلة حول السيادة ومركزية الأرض وتقرير المصير وطبيعة السلطة وأمور أخرى، في ضوء المفاهيم التي تبثها النيوليبرالية اليوم، كالديمقراطية والحقوق والاعتراف بالآخر.

بناءً على هذه الأطروحات التي اتخذت من تاريخ وحاضر الأمم الأصلانية عناوين "الأصلانية" و"الاستعمار الاستيطاني"، تطالب بعض الأصوات التقارب المفاهيمي بين الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي الصهيوني في فلسطين وبين الاستعمار الاستيطاني الأوروبي في أميركا، كما يدعو اليه الباحث ستيفن سلايتا، ذو الأصول العربية، الذي يدعو أيضا الى التقارب النضالي بينهما. بغض النظر عن التماثل التام أو عدمه بين الاستعمارين الاستيطانيين (فلسطين وأميركا)، يقدّم هذا التقارب أدوات لصياغة استراتيجية نضالية مغايرة لما تقدّمه اطروحة الفصل العنصري، التي اتخذت من تجربة إفريقيا الجنوبية مثالا لها.

تتصدّر مسألة الأرض ونهبها وطرد شعبها أو إبادته الأمور التي تميّز طرح "الأصلانية" و"الاستعمار الاستيطاني" عن طرح "الفصل العنصري"، إذ يعتبر الباحث ريفكين أن توصيف الكيان الصهيوني بكيان "الفصل العنصري" كما تم توصيف جمهورية إفريقيا الجنوبية سابقا، لا يناقش السيادة على الأرض، بل يختصر الأمور الإشكالية داخل بنية الدولة القائمة وطريقة معاملتها التمييزية للسكان أو "للمواطنين"، غير أن الشعب الأصلاني موجود على أرضه قبل إقامة هذه الدولة، وكان يمارس حكما مختلفا جوهريا عن حكم هذه الدولة، وكان ينظم حياته وأرضه وموارده بطرق مختلفة عن طرق "مواطني" الدولة الاستعمارية الاستيطانية.

من خلال نقده للناشط "الإسرائيلي" يوري ديفيس الذي صنّف الكيان الصهيوني بدولة "الأبارتايد"، يلاحظ الباحث ريفكين أن مسألة الأرض وامتلاكها طرحت وتطرح، في مقولة الأبارتايد، باختزال السيادة على الأرض (فلسطين) بمجموعة من الأملاك العقارية يطالب الفلسطينيون باستعادتها، ضمن دولة الكيان، دون التطرّق الى مسألة الأوقاف والمسائل المتعلقة بامتلاك الأرض، الفردية أو الجماعية، التي كانت سائدة قبل الاستعمار (النمط الغربي الرأسمالي) والاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

فيذكّر الباحث، في هذا الصدد، أن هذه الأمور لم تجد حلولا بعد في دولة جنوب إفريقيا ما بعد الأبارتايد، حيث أن النضال من أجل الأراضي الجماعية وإدارتها يصطدم بالنظام الاستيطاني الأوروبي الذي جزأ الأرض الى أملاك فردية كما يصطدم بسيادة الدولة الموروثة عن النظام السابق، التي لا تستطيع تلبية حقوق العديد من المجموعات الأصلانية من خلال مفهوم "المواطنة" والمساواة بين المواطنين.

يطرح أيضا التقارب المفاهيمي بين الأمم الأصلانية في أميركا ونضالها من أجل استعادة أراضيها وبسط

سيادتها وتقرير مصيرها، وبين الشعب الفلسطيني وصراعه ضد الكيان الصهيوني الاستيطاني الاقتلاعي لتحرير الأرض وتقرير المصير، مسألة طبيعة الحكم والسلطة، من خلال التاريخ، تاريخ المجازر والنكبة والاستئصال، وتاريخ ما قبل السطو على الأرض وقبل الاستعمار، في حين تقترح مقولة الأبارتايد تسوية الأمور كما تظهر الآن، أي دولة تمارس أنواع شتى من التمييز إزاء سكان البلاد الأصليين، باعتبار الجميع "مواطنين" والاعتراف بالحقوق القومية (الثقافية) والدينية للشعب الأصلاني (الفلسطيني)، بحيث تبقى السيادة على الأرض للدولة الحاكمة والجامعة "لمواطنيها".

يأتي طرح "الدولة الواحدة الديمقراطية" للأستاذ عوض عبد الفتاح (أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي السابق) والناشط "الإسرائيلي" جف هالبر ضمن هذا السياق، في النداء المشترك "النضال الفلسطيني من أجل إنهاء الاستعمار" (2018).  الدولة الواحدة هي المساواة في الحقوق كافة، إضافة الى "الاعتراف" (من قبل المستعمِر المستوطن) بالمجازر التي ارتكبها سابقا لإقامة كيانه، والاعترف بـ"الحقوق الجماعية للشعوب التي تعيش في البلاد"، و"توزيع الأراضي والممتلكات والموارد الاقتصادية" بين جميع المواطنين. أما إنهاء الاستعمار فيتمثل بـ"تفكيك جميع هياكل وآليات الهيمنة والقمع والتمييز".

لقد اتخذ الناشطان نموذج افريقيا الجنوبية مثلا لهما، بعد استبعاد المناذج العالمية الأخرى، دون إعادة النظر بمفاهيم استعمارية استعلائية، كمسألة "الاعتراف"، والتي انتقدها الكاتب الأصلاني الأميركي (كندا) غلين سين كولتهارد في كتابه "بشرة حمراء، أقنعة بيضاء" (2014) في خضم نضال أمته الأصلانية ضد الحكومة الكندية، لاستعادة أراضيها وبسط سيادتها وتقرير مصيرها. بالنسبة لكولتهادر، مطالبة المستعمِر بالإعتراف بحقوق الشعوب الأصلانية ترسّخ علاقة تبعية المستعمَر للمستعمِر.

من ناحية أخرى، يتم "تفكيك" الصهيونية، وأدواتها، حسب النداء، دون الأخذ بعين الاعتبار تاريخ وحاضر الأمة ومكانة فلسطين بالنسبة لها، بحيث تخرج فلسطين من التاريخ العربي الإسلامي والاسطورة الصهيونية معا لتصبح أرضا وعقارات يتقاسمها الغزاة والأصلانيين سويا.

فالانطلاق من اطروحة الأبارتايد أو الفصل العنصري لتحديد طبيعة الكيان الصهيوني بدلا من أطروحة الشعب الأصلاني المحارب للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وإن كثُر استخدام مصطلح "الاستعمار الاستيطاني الإحلالي" في أدبيات طارحي الأبارتايد والدولة الواحدة، يختزل الكثير من الأمور التي قد تساعد على فهم طبيعة المشروع الصهيوني بكل تجلياته، الدينية والسياسية والعسكرية والثقافية، وعلى المستوى العالمي والإقليمي.

رغم تشابه المشروع الاستيطاني الإحلالي في فلسطين مع المشروع الاستيطاني الاستئصالي في أميركا، من ناحية الادعاء الديني أحيانا واستخدام العنف الهمجي والتحايل لمواصلة الزحف الاستيطاني ونقد الاتفاقيات، والتلاعب بالقوانين وتزوير الحقائق، كما أوردها الكاتب منير العكش، تبقى فلسطين والقضية الفلسطينية قضية فريدة في العالم، بسبب موقعها في العقيدة والتاريخ والجغرافيا، وموقع مدينة القدس في الصراع بين الغرب الامبريالي والأمة، بين الاستكبار العالمي والشعوب المستضعفة.

لقد تبنّت بعض الحركات السياسية الفلسطينية مفهوم "الأبارتايد" لتوصيف الكيان الصهيوني وممارساته، ربما لأنه يقرّبها من حركات التضامن العالمي، لا سيما حركة المقاطعة "بي دي أس"، ولم يصدر أي موقف واضح منها من قبل حركات المقاومة، باستثناء حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي اعتادت على توضيح الفكرة ومناقشة المستجدات، منذ تأسيسها على يد الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي. في الوثيقة السياسية لعام 2018، تشير الفقرة 9 من فصل "فلسطين" الى أن "الصراع مع الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين هو صراع وجود، لا صراع حدود، ولا صراع ضد نظام تمييز عنصري "أبارتايد". فـ"إسرائيل" موجودة لتغييب فلسطين من الوجود واليهود الغرباء موجودون حيث هم، لأن الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشرعيين، طردوا من أرض آبائهم وأجدادهم بقوة السلاح وبالإرهاب الصهيوني". وهذا ما يطرحه ممثلو الأمم الأصلانية في أميركا لدى حديثهم عن وضعهم ونضالهم الحالي.

لكن تشير أيضا الوثيقة السياسية الى أبعاد الصراع: "أرض فلسطين هي محور الصراع المباشر مع المشروع الصهيوني. وهي بما لها من قداسة في الدين، ومكانة في التاريخ، وتميّز في الموقع الجغرافي، تمثل مفتاح الشرق والعالم الإسلامي، وتجسد الصراع بكل أبعاده، والذي لن ينتهي قبل تحرير كل شبر من أرض فلسطين". هنا يكمن التمييز بين فلسطين وسائر الأراضي التي احتلت في العالم وإقيم عليها مستوطنات بشرية ومورس بحق أهلها كل أنواع الظلم بما فيه التمييز العنصري.

انشر عبر
المزيد