المناهج الفلسطينية بعيون الصهاينة

30 أيلول 2019 - 11:42 - الإثنين 30 أيلول 2019, 11:42:10

بقلم: راغدة عسيران

منذ اتفاقيات أوسلو وإقامة سلطة الحكم الذاتي وتعهد المجتمع الدولي بمساعدتها على صياغة مناهج تعليمية متجانسة مع مسار التسوية، تثير الأوساط الصهيونية، بين الحين والآخر، ضجة إعلامية عالمية ضد ما تعتبره "خرقا" لاتفاقيات السلام مع العدو. فقد تشكّلت العديد من الجمعيات والمؤسسات الصهيونية في العالم لمتابعة ودراسة المناهج الفلسطينية المتعاقبة منذ إقامة السلطة، وأشارت الى "الخروقات" في هذه المناهج، وأصدرت توصياتها الى مؤسسات المجتمع الدولي المعنية بهذا الشأن للسعي لتغييرمحتواها.

تمثل مؤسسة "إمبكت– أس أي Impact-se" ، ومقرها في الجامعة العبرية في القدس المحتلة، إحدى هذه المؤسسات الساعية الى صهينة المناهج الفلسطينية. تدعي هذه المؤسسة أنها تتبنى معايير "اليونسكو" في نقدها للمناهج الفلسطينية، وأنها رائدة في مجال تحليل المناهج في العالم. رغم ذلك، لم تتجرأ هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات الصهيونية العالمية على دراسة وتحليل المناهج الصهيونية المتبعة في مدارس الكيان، ولم يصدر عنها أي نقد لفرض تعليم "قانون القومية" الصهيوني العنصري.

في آخر تقرير لها والذي صدر في شهر نيسان/ ابريل 2019، والمتزامن مع القطيعة الرسمية بين السلطة الفلسطينية والقيادة الصهيونية (إلا في مسألة التنسيق الأمني والمالي مع العدو)، تشير المؤسسة الصهيونية الى "راديكالية" المنهج الفلسطيني الجديد الصادر عام 2018، والتي اعتبرتها إشارة الى عودة الفلسطينيين الى برنامج منظمة التحرير الفلسطينية المرحلي لعام 1974، "الذي وضع خطة لاحتلال conquest فلسطين (إسرائيل)"، وفقا لقرارات مؤتمر حركة فتح السادس لعام 2009، التي تبنّت "التخلي عن المفاوضات" مع الكيان لصالح التحرّك الديبلوماسي الى جانب "المقاومة الشعبية".

ما يؤرق هذه المؤسسة الصهيونية بشكل خاص، عدة مسائل عثرت عليها في المنهاج الفلسطيني، بعد دراسة دقيقة للصور والخرائط وكل النصوص في الكتب والمراحل كافة.

الهاجس الأول لدى الصهاينة يتمثل بحق عودة اللاجئين، إذ تعتبره دعوة الى "احتلال" الكيان الصهيوني، ذلك لأن كتب المنهاج الفلسطيني ما زالت تذكّر بالقرى والمدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، وبقضية اللاجئين وحقهم بالعودة، كما تذكّر الطلاب بالمجازر التي ارتكبها الصهاينة لإقامة كيانهم على أرض فلسطين. تعتبر المؤسسة أن التذكير بالمجازر هو تحريف للتاريخ، كونها حصلت خلال "معركة الاستقلال". ولكنها اعتبرت بالمقابل أن عملية الشهيدة دلال المغربي في 11/3/1978 اقترفت "مجزرة" بحق أطفال "إسرائيليين".

الهاجس الثاني لدى المؤسسة يتمثل بعدم الاعتراف بالرواية الصهيونية، وعدم إدماجها في المنهاج الفلسطيني. في كافة التقارير الصادرة عنها، تشتكي المؤسسة من غياب الحديث عن "التواجد" اليهودي القديم في فلسطين (إلا في كتاب واحد صدر بعد تولي محمود عباس رئاسة السلطة) ونفي الاعتراف بالكيان وعدم ذكر "مدنه" وإنجازاته، بل التركيز على المدن الفلسطينية المحتلة وتاريخها، وتسمية "إسرائيل" بـ"الاحتلال الصهيوني".

تعترف المؤسسة أن المنهاج الفلسطيني يراعي بعض المعايير الدولية، لدى اعترافه بالآخر، كـ"المسيحيين الفلسطينيين والمرأة والشيوخ والمعاقين" ولكنه لا يعترف ب"الآخر الإسرائيلي" وهم "جيران يتشاركون في الأرض، والإرث، والتاريخ والمستقبل مع الفلسطينيين المسلمين. "

تنتقد تقارير المؤسسة الصهيونية استخدام مصطلحات نابعة من تاريخ وحضارة ومقاومة الشعب الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني، كمصطلحات "الجهاد" و"الرباط" و"الشهادة" و"الشهيد" و"الأسرى"، رغم أن المناهج الفلسطينية لا تذكر شهداء انتفاضة الأقصى وما بعد، إلا من ناحية العدد، ولا تذكر الاسرى وقضية الأسرى كما يجب أن تذكرها مناهج تابعة لحركة تحرر وطني تقاوم كيان استيطاني إحلالي همجي. إلا أن القليل منها أو بعض التذكير بهذه القضية عبر المناهج اعتبره معدّو التقارير دعوة الى العنف.

أما بالنسبة لمصطلح "الرباط"، فاعتبرت المؤسسة الصهيونية أنه يعود الى الفترة الزمنية "العنيفة" في بداية التاريخ الإسلامي، أي أنه لا يحق للفلسطينيين ما يحق لليهود المستوطنين، عندما يستخدمون المصطلحات اليهودية والتلمودية لترسيخ الفكر والممارسة الصهيونية، وتهويد القدس والمقدسات. بالنسبة لمعدي التقارير، يحظر على الفلسطينيين استقدام تاريخهم ودينهم وحضارتهم لمواجهة من يسرق الارض والوطن ومن يدنّس المقدسات.

تعتبر المؤسسة الصهيونية أن وصف الواقع الفلسطيني في المناهج الصهيونية بمثابة "شيطنة إسرائيل والإسرائيليين" وهذه "الشيطنة" تعادل "معاداة السامية". تتحدث المناهج الفلسطينية عن سرقة الاراضي وعنف المستوطنين، وإطلاق الخنازير نحو المزارع الفلسطينية، وعن هدم المنازل وغيرها من الممارسات اليومية التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني.

بالنسبة لمعدّي التقارير، التركيز على هذه الممارسات التي يجب اعتبارها هامشية لا يعني إلا الدعوة الى العنف، خاصة أن المناهج الفلسطينية لم تعد تذكر اتفاقيات السلام مع العدو، التي كانت قد ذكرتها في مناهج سابقة (2014 و2015)، وفقا للتقارير الصهيونية. الإشارة الى انتفاضة العام 1987 التي اعتبرتها المناهج الفلسطينية انتفاضة سلمية وشعبية، والى يوم الأرض في العام 1976، هي أيضا دعوة الى العنف والكراهية في عيون الصهاينة، وبالتالي مخالفة لمعايير اليونسكو الذي يدعو الى نبذ العنف والكراهية.

تكمن "شيطنة إسرائيل والإسرائيليين" في المناهج الفلسطينية، بالنسبة للمؤسسة الصهيونية، في الحديث عن جريمة إحراق المسجد الأقصى والحفريات المتواصلة تحته ونبش القبور كما يحصل في مقبرة مأمن الله في القدس وغيرها من المقابر الإسلامية والمسيحية في فلسطين المحتلة عام 1948، وبالمقابل، عدم ذكر "التعاون الإقتصادي" وغيره بين الكيان والسلطة. وتدعو هذه المناهج، بنظر الصهاينة، الى العنف من خلال تمجيد الأبطال في التاريخ الإسلامي، وخاصة من بين المقاومين للاحتلال كصلاح الدين الأيوبي، ولا تشير الى أبطال من بين "الأطباء والعلماء والمغنين والرياضيين والفنانين".

لا يريد الصهاينة الحديث عن الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، حتى وإن اختصرت مناهج السلطة الكثير من الوقائع لضمان دعم المجتمع الدولي ومؤسساته لها. ولكن ما يريده الصهاينة فعلا، هو أن تكون المناهج الفلسطينية نسخة للمناهج الصهيونية، تعتمد روايتهم المزوّرة للتاريخ ونظرتهم العنصرية للشعب الفلسطيني، ولن يطمئنوا إلا عندما سيقدّم للطالب الفلسطيني الرواية الصهيونية بكل تفاصيلها، وبأيدي فلسطينية بالذات.

نجح الصهاينة في تبديل المناهج التربوية في الدول العربية، من خلال اليونسكو وغيرها من المؤسسات الدولية المانحة (الاتحاد الأوروبي ووكالات التنمية التابعة للدول الغربية) بإزالة كل ما يتعلّق بالصراع العربي الصهيوني واستبداله بالتاريخ المحلي والعموميات العربية والدولية، باعتبار أن الأمة غير موجودة وأن القضية الفلسطينية ليست القضية المركزية لها، وأنها لا تعني الشعوب العربية أكثر مما تعني الأمم المتحدة. وبعد هذا الإنجاز (المرحلي)، يأتي التركيز الآن على مناهج السلطة الفلسطينية لتبديل محتواها، عبر ممارسة الضغط على المؤسسات الدولية، لصهينة المناهج وصهينة الوعي العربي والإسلامي والتطبيع الفكري مع ايديولوجية وممارسة كيان استعماري احلالي، من قبل ضحيته الأولى، الشعب الفلسطيني.

وما الأفكار المتصهينة التي تصدر بين الحين والآخر من قبل بعض صحفيين وكتاب عرب ومسلمين إلا تجسيدا لما يطمح اليه الصهاينة. ولكن يبقى الواقع أصدق من الكتب والروايات كافة. فمهما حاولوا، لا يمكن أن يخفوا الجرائم اليومية التي يقترفونها، والتعبيرات العنصرية التي ينطقون بها، كما لا يمكن لبعض الأصوات المطبّعة مع الحالة الصهيونية أن تخدش أيمان الأمة بحقها وأحقية جهادها لهزيمة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين.

انشر عبر
المزيد