التطبيع العربي ومخاطره

26 أيلول 2019 - 09:35 - الخميس 26 أيلول 2019, 09:35:29

قلم
قلم

بقلم: د.شفيق ناظم الغبرا*

التطبيع درجات بعضها أكثر خطورة من غيرها على العدالة والحقوق. في الحالة العربية الراهنة التطبيع يساوي انضمام مجموعة من العرب للرواية الصهيونية دون الإنصات لقيم العدالة ودون معرفة بحقائق التاريخ. بل يتضمن هذا التطبيع الاعجاب باستعمار الصهيونية للأرض العربية والانطلاق بأن الصراع في مجمله نتاج تعنت العرب ورفضهم التعايش. ويعني التطبيع بنفس الوقت الإضرار بالضغوط التي تهدف لمقاطعة كل مؤسسات استعمار فلسطين واستيطان أراضيها.

أما التطبيع العربي الجديد المدعوم رسميا، فهدفه «التحالف» مع "إسرائيل" في ظل التخلي عن القضايا الرئيسية الخاصة بالعدالة وتقرير المصير وحق العودة. بل أن التطبيع الرسمي العربي، الذي يعلن أن هدفه مواجهة إيران، يهدف في حقيقته لضبط دعوات المواطنين المتنامية للمشاركة والمساءلة. إن جلب دعم خارجي خاصة أمريكي في ظل حكم اليمين وترامب والآن "إسرائيلي" هدفه تثبيت النظام السياسي وتفادي الإصلاح الجاد.

التطبيع العربي الرسمي الراهن في جانب منه يشبه ذلك التطبيع الذي قامت به في السابق شخصيات مختلفة في لبنان في سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن العشرين. في تلك الحقبة وقع تطبيع مباشر بين "إسرائيل" وبعض الأحزاب اللبنانية اليمينية. سنكتشف، بأنه في كل الحالات ومهما كانت المبررات، تحول ذلك التطبيع لوبال على لبنان وعلى المشاركين به. فقد أنتج التطبيع مقاومة شرسة من قبل قطاع كبير من اللبنانيين، وكانت النتيجة تخلي "إسرائيل" الكامل وتخلي الولايات المتحدة عن حلفائها في لبنان واستفراد سوريا بالوضع اللبناني. إن الوضع الذي يعيشه لبنان اليوم مشتق من تلك المرحلة، بل لا يمكن فهم لبنان اليوم بلا فهم تلك الفترة وكيفية تطور الدور "الإسرائيلي" فيه منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين وطوال مرحلة الثمانينيات. وتمثل تجربة سعد حداد وأنطوان لحد في التعامل المباشر مع "إسرائيل" نموذجا لكيفية تخلي "إسرائيل" عن من يتعامل معها في المراحل المفصلية.

ان التطبيع العربي "الإسرائيلي" يهدف لتحويل المعركة في الإقليم من صراع من أجل الحقوق العربية والفلسطينية الى معركة مدمرة في الداخل الإسلامي حيث القبضة الحديدية في الداخل في ظل استمرار النهب المنظم لدول ومجتمعات المنطقة من قبل القوى الدولية وقوى الفساد. إن الخوف هو أحد أهم العناصر المثبتة للحالة غير الديمقراطية في الإقليم، هذه الحالة هي الأفضل لسحب البساط من تحت أقدام النقاد والمطالبين بالإصلاح. ان فتح معركة مع إيران ثم خلق نزاع شيعي سني وإسلامي غير إسلامي بين الشعب وبناء حالة تطبيع مع "إسرائيل" والانقضاض على الحريات يصب بهذا الاتجاه المدمر.

لكن للتطبيع أهدافا مخفية لا يراها قادة الإقليم العربي المتورطون به. فنادرا ما ينظر النظام العربي وقادته لأبعد من السيطرة السياسية المباشرة في الداخل والخارج. لكن "لإسرائيل" أهدافا أبعد من أهداف النظام العربي المفكك. إن نفط الخليج والصناديق السيادية الخليجية هي هدف "إسرائيلي" كما هي هدف يميني أمريكي، وذلك بسبب قوة هذه الصناديق، وبسبب خوف "إسرائيل" واليمين الأمريكي من مقدرة هذه الصناديق على التأثير في سياسات الغرب تجاه "إسرائيل" في مراحل لاحقة. إن القوة المالية الخليجية، بغض النظر عمن يديرها اليوم، هدف "إسرائيلي". وقد سبق لهذه القوة أن استخدمت باستقلالية في العام 1973 أثناء الحرب العربية "الإسرائيلية". بالنسبة للأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" لا يمكن تدمير هذه القوة إلا من خلال التوتر ونشر الخوف بين الدول وضمن الدول والتسلح. بهذه الطريقة بالإمكان استنزاف كل من إيران والخليج. ذات النظرية التي سادت الحرب العراقية الإيرانية حول إضعاف كل من العراق وإيران، تسود اليوم الدوائر الصهيونية ودوائر إدارة ترامب.

ان سياسة "إسرائيل" الراهنة هي سياسة نقل المعركة لأرض العدو: العدو في الرؤية "الإسرائيلية" هي المنطقة العربية برمتها والخليج كما إيران وتركيا والشعوب كما الأنظمة. لكن الهدف الثاني هو إفقاد العرب لأي قيمة استراتيجية مهما صغرت وتحويل بلادهم لملعب لكل الأطراف، وهذا يفتح الباب لسيناريوات كثيرة. بالنسبة "لإسرائيل" كل العرب امتداد للفلسطينيين حتى لو قالوا بعكس ذلك وكل الفلسطينيين امتداد للعرب حتى لو قالوا بعكسه.

التطبيع الراهن سيعني عمليا إدامة الصراع العربي "الإسرائيلي" لعقود قادمة، وهذا ما لا تراه القوى السياسية الرسمية. فالشعوب العربية ستشعر، بسبب ما يقع في هذه المرحلة بمزيد من الإهانة والخسارة في الداخل والخارج. لنتخيل لو طبعت كل افريقيا مع نظام الأبارثايد في جنوب أفريقيا لكان البيض تحكموا بأفريقيا لعقود طويلة.

إن مقاومة الأبارثايد الصهيوني مستمرة لأن قيم التحرر كامنة في المشهد العربي كما تؤكد لنا حالة الاحتجاج في فلسطين كما وفي البلدان العربية. إن من يربط نفسه بالصهيونية، قد يشتري تكنولوجيا أمريكية وربما "إسرائيلية" جديدة، وقد يشعر ببعض القوة أمام الداخل والخارج، لكنه سيخسر قواعد سكانية هامة وسيكتشف ان الكثير من الاهداف المتخيلة عن الاستقرار والسيطرة ستذهب أدراج الرياح.

(المصدر: القدس العربي)

*استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

انشر عبر
المزيد