على هامش انتخابات الكنيست الصهيوني: أزمة الممارسة السياسية الفلسطينية

15 أيلول 2019 - 12:39 - الأحد 15 أيلول 2019, 12:39:45

وكالة القدس للأنباء - خاص

بقلم: راغدة عسيران

بعد الانتخابات السابقة التي شهدت انقسام "اللائحة المشتركة" الى لائحتين عربيتين تتنافسان على الأصوات العربية من أجل الدخول الى الكنيست الصهيوني وارتفاع عدد المصوّتين للوائح الصهيونية، عقد مؤتمر مؤسسة "مدى الكرمل" السنوي حول "الفلسطينيون في "إسرائيل": تحولات المشاركة السياسية في العقدين الأخيرين ورؤية نحو المستقبل"، حيث أن المشاركة السياسية لا تقتصر على المشاركة في انتخابات الكنيست، بل تشمل أنواع مختلفة من الممارسة السياسية، وحيث ينقسم العقدان الأخيران الى فترتين: ما بعد انتفاضة الأقصى وما بعد نشر "التصورات المستقبلية". 

لقد قُدمت ثلاثة مداخلات خلال المؤتمر، الأولى للدكتور عميد صعابنة، الذي حلّل "مواقف الفلسطينيين في "إسرائيل" من أنماط المشاركة السياسية المختلفة"، استنادا الى استطلاع الرأي العام "الذي بادر إليه مركز مدى الكرمل"، والمداخلة الثانية للدكتور مهنّد مصطفى حول "التنظيم السياسي للفلسطينيين في "إسرائيل" : بين سياسات الأمل والاستخفاف"، و"الاستخفاف" بمعنى الcynism  الذي يميّز من يفتقد الى استراتيجية تغيير أو تحرير، والذي يمكن استبداله بمفهوم "الفكر الانهزامي".

أما المداخلة الثالثة، فكانت للدكتورة هنيدة غانم بعنوان "الفلسطينيون في "إسرائيل" بعد صدور وثائق الرؤى: السياسة من العبثية الى القدرة على التأثير"، ووثائق الرؤى أو التصورات المستقبلية هي التي أصدرتها المؤسسات المدنية الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948، مدعومة بتمويل أجنبي، تطرح تصوّرها لعلاقة الفلسطينيين مع "الدولة"، بين 2006 و2007، التي "سعت للتوفيق بين خطاب المواطنة والخطاب الوطني الأصلاني" (د. هنيدة غانم) والتي حاربتها المؤسسة الصهيونية باعتبارها تهديد أمني استراتيجي للكيان.

بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ وتمويل وزارة التنمية والتعاون الاقتصادي في ألمانيا، أصدرت "مدى الكرمل" في حيفا (فلسطين المحتلة) كتيبا ينقل هذه المداخلات، أضافت اليها ملاحق، منها نتائج الاستطلاع، ومقال حول "نتائج الانتخابات البرلمانية (2019) في المجتمع الفلسطيني ومعانيها" كان قد صدر سابقا عن المركز.

أجمع الباحثون على التأكيد أن ثمة تغيير جذري قد حدث في الممارسة السياسية لفلسطينيي 48، بسبب التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الفلسطيني، بفعل السياسات النيوليبرالية التي تبنّتها حكومات العدو المتعاقبة. لقد أحدثت فجوة طبقية وتراتبية اقتصادية - اجتماعية في حيّز ضيّق (الغيتو الفلسطيني)، وتطوّرت الطبقة الوسطى في العقدين الأخيرين بفعل ارتفاع معدلات التعليم العالي ومشاركة أكبر للنساء في سوق العمل وغيرها من الأسباب، كسياسة قادة الكيان، الذين فصلوا السياسة عن الاقتصاد، وطرحوا خططا لتطوير اقتصادي شامل داخل المجتمع الفلسطيني، من جهة، وإقصاء الفلسطينيين من حقوقهم السياسية وملاحقتهم أمنيا من جهة أخرى.

التنظيم الجماعي الوطني أم الاندماج في المؤسسات الصهيونية

يميّز د. عميد صعابنة بين نمطين من المشاركة السياسية، نمط المشاركة الجماعية في المؤسسات والنشاطات المختلفة والنمط الاندماجي في المجتمع الصهيوني، كوسيلة للنهوض بالمجتمع الفلسطيني. يشير استطلاع الرأي المذكور الى ان نسبة المشاركين لا تختلف كثيرا لدى النمطين (47% للنمط الجماعي و45% للنمط الاندماجي)، إلا أن تقارب النسبتين لا يعني بالضرورة أن الطبقة الوسطى الصاعدة هي الأقرب للاندماج، حيث يتّضح أن هذه الطبقة التي تمتاز بالتحصيل العلمي العالي، "هي الأقل عرضة للاندماج"، وفقا لاستطلاع الرأي واستنتاج الباحث.

ولكن، إذا كان الاندماج يعني "الأسرلة"، يجب ربط ما استنتجه الباحث بما تشير اليه دراسة د. هنيدة غانم، أن هذه الطبقة الوسطى أخذت "تتحول الى مصدر لنخبة جديدة تعيد انتاج مفاهيم الأسرلة والانتماء بحيث لا ترى فيهما تناقضا بالضرورة"، والأسرلة هي "أداة للاندماج في المواطنة يتوسطه خطاب عقلاني يبرّر هذا بالحفاظ على الوجود والهوية"، أي أن ثمة تناقض بين الدراستين حول دور الطبقة الوسطى الصاعدة في المجتمع الفلسطيني أو حول مفهوم "الأسرلة".

من ناحية أخرى، بالنسبة لانتخابات الكنيست، أشارت نتائج الاستطلاع الى أن نسبة التصويت للأحزاب العربية لدى أصحاب النمط الجماعي تعادل 57% في حين أن تأييد الأحزاب العربية لدى أصحاب النمط الاندماجي يعادل 43%، دون أن يكون للتحصيل العلمي تأثيرا واضحا على أنماط التصويت، ما يفيد أن الطبقة الوسطى التي تتميّز، وفقا للاستطلاع، بتحصيل علمي مرتفع، تتوزّع على النمطين، الاندماجي والجماعي – الوطني. هذا ما تؤكده د. هنيدة غانم التي تقول أن الأسرلة لم تعد تتناقض مع الانتماء، بالنسبة لهذه الطبقة التي رضخت لفكرة "المواطنة" في دولة الكيان، وأن التصويت للأحزاب "اليسارية" الصهيونية أو للأئتلاف الصهيوني الذي يستطيع إزاحة "الفاشية" المتمثلة بنتنياهو والأحزاب المتطرفة، كما حصل في الانتخابات الأخيرة، يمكن تفسيره ضمن هذه التغييرات الاجتماعية – الاقتصادية التي تؤكد على "المواطنة" أولا، كون الأحزاب العربية لا تستطيع تغيير الوضع انطلاقا من العمل في الكنيست.

سعت دراسة د. هنيدة غانم لتفسير هذه الظاهرة التي تلت سقوط "الرؤى المستقبلية"، أي بعد العام 2006  في ظل حكومة أولمرت، بسب "أمننة" التعامل معها من قبل المؤسسة الصهيونية. تعتبر الباحثة أن المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل يتموضع في "حقلين"، الحقل الفلسطيني المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، والحقل "الإسرائيلي" المناقض له، دون تحديد الفترة الزمنية التي نشأ فيها هاذان "الحقلان"، وكأن هذا الوضع ملازما للوجود الفلسطيني في الداخل وليس مرتبطا بالأطروحات أو الاسترتيجيات السياسية الفلسطينية. بعد وصف هذه الحالة بالضعف والإغتراب، تتساءل الباحثة عن أسباب تحول الطبقة الوسطى التي كانت "رائدة العمل الوطني الى جزء من أدوات عقلنة الاندماج" ؟ فتعدّد الأسباب، بعضها متعلّق بالوضع الفلسطيني العام كغياب الاستراتيجية السياسية الجامعة، و"النفور من الثقافة السياسية الفلسطينية" ومن الانقسام، وبعضها متعلّق بالوضع الداخلي الخاص، كتراجع الثقة بالأحزاب العربية وبقدرتها على التأثير.  

يحلّل د. مهنّد مصطفى في مداخلته هذه الأسباب من منظور مختلف، ويضيف الى التوجهات الاقتصادية النيوليبرالية ودمج الفلسطيني كفرد في المجتمع الصهيوني، غياب المشروع السياسي الجماعي، وغياب الثقة بالقدرة على العمل السياسي الجماعي، والخوف من الواقع والعنف في المجتمع الفلسطيني والشعور بالعجز. فقد أدخل الباحث مصطلحي "الأمل" و"الاستخفاف" لشرح إحدى إفرازات الأزمة السياسية الفلسطينية، التي قد تنطبق ليس فقط على الداخل المحتل عام 1948، بل على الوضع الفلسطيني بمجمله. فيشرح أولا ما يعنيه ب"الاستخفاف" في السياسة وما هي أسبابها. الاستخفاف "يعكس غياب الثقة بالعمل السياسي وبالتنظيم السياسي وبفكرة المشروع الجماعي"، حيث يقوم الإعلام، لا سيما إعلام التواصل الاجتماعي، بدور في نمو سياسة الاستخفاف، من خلال التغطية السلبية الدائمة للأحداث، كما يقول الباحث.

من أجل توضيح الفكرة، وكيف يتم الانتقال من سياسة الأمل، التي "توفّر للفرد مقاربة تفكيرية ذات بعد فردي وجماعي في الوقت نفسه"، الى سياسة الاستخفاف، توسّع الباحث في عرض ثلاثة أمثلة لدى فلسطينيي الداخل: التصورات المستقبلية، لجنة المتابعة وتشكيل القائمة المشتركة.

شكّلت "التصورات المستقبلية" سياسة الأمل، لأنها نقلت الأفكار المتداولة في المجتمع الفلسطيني "من هامش الخطاب السياسي العربي قبل أكثر من عقد لتتحول خلال العقد الأخير الى جوهر الخطاب السياسي العربي"، للخروج من أزمة العلاقة مع السلطة الصهيونية. ولكنها لم تتطوّر لتصبح استراتيجية للعمل السياسي الجماعي، بل انكفأت وتراجعت أمام الهجمة الأمنية الصهيونية، ولم يعد أحد يتكلّم بها، رغم المشاركة العربية الواسعة في ذلك الحين في صياغتها، ما أدى الى صعود خطاب الاستخفاف.

بالنسبة للجنة المتابعة، التي شكلّت في فترة سابقة مرجعا وطنيا جامعا، رغم الاختلافات السياسية، وحاضنة العمل الوطني في الداخل المحتل، تراجعت مكانتها وفقدت قدرتها على تنظيم العمل الجماعي، بسب غياب التصور الجماعي لدورها. هل يتم إعادة تشكيلها وعلى أي أسس ؟ لقد تصاعدت لغة الاستخفاف تجاهها بعد فقدان الثقة بها، كما يقول الباحث.

فيما يخص تشكيل القائمة المشتركة في العام 2013، اعتبرها البعض "خطوة لتطوير العمل السياسي الموحّد، ومحاولة ترسيم أفق عمل مشترك طويل الأمد"، رغم الخلافات السياسية بين مكوناتها، و"نموذج لإنهاء الانقسام الفلسطيني". لقد عبّرت عن سياسة "الأمل" من ناحية "أمكانية التأثير على الأداء البرلماني العربي في الكنيست"، إلا أنها سرعان ما انقلبت الى سياسة الاستخفاف، بسبب صراعاتها الداخلية وانقسامها قبل انتخابات نيسان/ابريل الماضي. لكن، يقول الباحث، سياسة الاستخفاف تعود في الأصل الى "غياب البرنامج الوطني السياسي الجماعي النابع من الاختلاف الجوهري حول مستقبل المجموعة الفلسطينية"، ما يعني العودة الى إشكالية المواطنة "الإسرائيلية" والانتماء الفلسطيني "الأصلاني"، وهل يمكن التوفيق بينهما؟

في بحثها عن سبل تحويل سياسة العجز الى سياسة القوة، تطرح د. هنيدة غانم عدة وسائل، أولها تنظيم "العمل السياسي الفلسطيني أمام الدولة وأمام العالم على نحو جماعي" ثم "الاستناد الى المواثيق الدولية والمساندة العالمية والدعم المدني العام والاستناد الى خطاب الحق والعدالة والمساواة والمواطنة"، انطلاقا من إعادة إحياء "التصورات المستقبلية"، أي العودة الى محاولة التوفيق بين خطاب المواطنة والخطاب الفلسطيني "الأصلاني"، ما يدلّ على التخبّط في مسألة توصيف هذا الكيان ومسألة شرعية وجوده.

انشر عبر
المزيد