الدرون.. سلاح المواجهة الأحدث

09 أيلول 2019 - 12:56 - الإثنين 09 أيلول 2019, 12:56:16

بقلم: فاطمة ياسين

أُعلن، في يوم واحد، وهو 25 أغسطس/ آب 2019، عن عدة هجماتٍ قامت بها جهات مختلفة بواسطة الطائرات المسيّرة من دون طيار، والمعروفة بالـ"درون"، فقد أطلق الحوثيون في اليمن "دورناتهم" نحو السعودية، واستهدفت مناطق حيوية، وأعلنت السعودية بأنها أسقطت طائرات مهاجمة، كما أطلقت إسرائيل اثنتين من دروناتها إلى الضاحية الجنوبية في لبنان معقل حزب الله، وهاجمت، بشكل متزامن، أهدافا داخل سورية، مبررة هذا الهجوم بأنه للوقاية من هجمات "درونية" تخطط إيران لها. وتقمص رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ثوب الكاهن حين اقتبس فقرة من التلمود البابلي، تقول: إذا جاء أحد ما لقتلك، انهض واقتله أولاً. قالها في معرض تبريرِه الاعتداءات الإسرائيلية أخيرا. وقد أعلن حزب الله أنه قبض على واحدة من الطائرتين المهاجمتين، فيما انفجرت الأخرى قرب أحد مبانيه الإعلامية.

شكلت هذه الهجمات مادة إعلامية مشتعلة، ربما تفوق قوة نيرانها الحرائقَ التي أشعلتها القنابل المحمولة على متنها. وبالطبع، لم يكن الهدف الأساسي لهذه الأجهزة الطائرة والمسيرة عن بعد تجسّسيا، يقتصر على جمع معلومات وصور من الأرض، وإرسالها إلى حيث قواعد التحكم، بل حُمِّلت بمواد حربية متفجّرة، منها ما خرَّب مقارّ، أو أحدث أعطاباً في مجمّعات أسلحة. لم تكن فاعلية الهجمات التدميرية كبيرة، ولكنها كانت كافيةً لإثارة نوع من البلبلة، وإيصال رسائل سياسية.

لم تكن الشهور الأخيرة شرارة انطلاقة المواجهات بالدرونات والدرونات المضادة، بل كانت حلقةً جديدة في سلسلةٍ تشبه مسلسلات الدراما الطويلة التي تنتعش بعد عدة حلقات، فتأخذ أشكالاً وأبعاداً جديدة تطيل مدتها، وتبقيها ضمن دائرة التشويق. أسقطت إيران في إطار أزمتها الحالية مع أميركا طائرة مسيّرة من دون طيار في الخليج، ذاع أن كلفتها تفوق 200 مليون دولار، والسمعة الشهيرة لهذه الدرون العملاقة التي أُسقطت أَجبرت الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التهديد باستعمال القوة ضد إيران، فإسقاط مثل هذه الطائرة يعني أن إيران تمتلك تكنولوجيا "آنتي درون" قادرة على إسقاط طائرة مسيرة من هذا النوع، وهذا مؤشّر يجب أن يُقلِق ترامب وفريقه العسكري. وكانت إيران قد جربت استفزاز إسرائيل سابقاً، فأطلقت باتجاهها طائرةً مسيّرة، وردت إسرائيل بعنف في إبريل/ نيسان 2018 عندما قصفت مطار T4 في سورية، وهو المطار الذي خرجت منه هذه الطائرة. وكانت قوات المعارضة السورية قد استخدمت نوعاً من هذه الوسائط العسكرية الطائرة، أكثر من مرة، في الهجمات على مركز القيادة العسكرية الروسية في حميميم، ولكنها توقفت فجأة من دون أن تحرز تقدّماً فيها.

تركزت حروب "الدرونات" أخيرا، وحروب إسقاطها، في منطقة الشرق الأوسط، وتعدّدت 

ميادين حروبها فوق الحدود اللبنانية والفلسطينية الشمالية، والتخوم المشتركة بين اليمن والسعودية، وفي الخليج العربي أيضاً، حيث استعملت بكثافة وتواتر سريعين. ويعود اللجوء الكبير لهذه الوسائط الحربية إلى سهولة إجراء اختراقات عسكرية، توفرها التكنولوجيا المتقدّمة التي تعتمد عليها هذه الوسائط الذكية غير المأهولة، والتي تتيح إنجاز المهام الخطرة من دون المجازفة بحياة العسكريين، وهي ميدانٌ يمكن لمستثمر فيه أن يستعرض قوته التكنولوجية بما يعطي فكرةً عمّا خلفها من إمكانات، مع تسجيله مكاسب عسكرية تخدم الصراع الذي يخوضه، على الرغم من أن مستخدمي هذه المعدات يقرُّون بأنها سلاح تكتيكي، لا يستطيع أن يحرز النصر الحاسم، في هذه المرحلة من التطور على الأقل، ولكن "الدرونات" تُستخدم بكثرة، ليراكم مطلقها نقاطاً تكتيكية، تضاعف فرص نجاح مهامه العسكرية، وقد تستخدم هذه الطائرات لإثارة الانتباه بمقاربتها حدودا أو أهدافا مهمة، بما يوصل رسائل مبتغاة.

البدايات والمسار

استخدم نوع بدائي من "الدرونات" منذ وقت مبكر، ففي منتصف القرن التاسع عشر أرسل الجيش النمساوي بالوناتٍ محملةً بالمتفجرات، لإخضاع محاولات مدينة البندقية الانفصالية، وكان الشمال الإيطالي خاضعاً لمملكة آل هابسبرغ النمساوية حينها، ولكن العملية فشلت، وسقطت البالونات لأنها كانت أقمشة منفوخة هائمة في السماء، أجبرتها الرياح على العودة من حيث أتت، ثم انفجرت فوق رؤوس مرسليها. بعد ذلك التاريخ، وتدريجياً، اكتسبت حركة هذه الكائنات الطائرة مزيداً من التعقل، من خلال زيادة التحكّم بمسارها، والتحكّم بما تحمل، ووصلت إلى مدى ارتفاع شاهق، وفترات تحليق قياسية.

أخذ اسم درون يطلق على الطائرات من دون طيار بين الحربين العالميتين، وابتُكرت طائرات يتم التحكّم بها بموجات الراديو، إحداها كانت من اختراعات بريطانيا، واتخذت اسم "ملكة النحل". وكانت لألمانيا النازية نسختها من الدرون، بمسمى "عض البق". وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبزوغ نجم القطب الأميركي، شاركت الولايات المتحدة في هذه الصناعة،

 فجاءت مخترعاتها على شكل طائراتٍ صغيرة مزوّدة بكاميراتٍ أطلقتها فوق الصين وفيتنام والاتحاد السوفييتي السابق، بهدف التقاط الصور، أو التقاط ما يمكن لها التقاطه فوق الأرض، بغرض تجسّسي في المقام الأول، ولكن كلفتها كانت عالية، ومردودها من المعلومات كان ضئيلاً. وصارت الأقمار الصناعية حينها تقوم بهذه المهمات بفاعليةٍ نافذة، ما جعل تقدّم السيرة الذاتية للدرونات يسير ببطء شديد، ولكنها لم تتوقف تماماً.

لعب ابتكار مواد خفيفة لاحقاً دوراً في تطوّر صناعة الدرونات، وخصوصا عندما تم تصميم جناح رفيع وطويل، يستطيع حمل طائرة في السماء أربعا وعشرين ساعة بطاقة معقولة، كما كانت الحاجة الماسّة لطائرات مناوبة تبقى مدداً طويلة في السماء من دون الحاجة إلى تغيير طاقم المراقبة عدة مرات في اليوم سبباً في اللجوء إلى الدرونات من جديد. وكانت الغاية وجود عيون مراقبة حرّة الحركة وسريعة المناورة، فأدت الدرونات أدواراً في مراقبة دبابات الصرب، المختبئة في غابات البلقان الكثيفة في أثناء حرب يوغوسلافيا سابقاً. واستخدمت الولايات المتحدة هذه التقنية فوضعت عيونا واسعة الحدقة فترات طويلة فوق عراق التسعينيات، لتسجيل كل ما يجري، وكانت تعتقد أن نشاطاتٍ كثيرة غير مشروعة تتم هناك، قبل غزوها المفجع العراق.

كانت نتائج هذه التجارب حافزاً لضخ ميزانيات معقولة، للوصول إلى إنتاج طائرة من هذا النوع كلفت ما يزيد عن مئتي مليون دولار، وهو مبلغ يماثل تقريباً كلفة إنتاج طائرة مقاتلة حديثة. كانت الحاجة العملية، وتوفر المواد الخاصة الداعمة، وتقدّم التكنولوجيا، عوامل حاسمة لحصول فتوحاتٍ كبيرة في إنتاج الدرونات، وقد وصلت نسخ صغيرة منها إلى أيدي هواة التصوير، واستخدمت أيضاً في نقل المراسلات ذات الحمولات الخفيفة، فهي تتمتع بدقة عالية وإمكانات طيران واسعة، واستخدمت بكثرة في صناعة الترفيه، وتصميم الاستعراضات الصغيرة أمام السياح. أما الاستعمال الحاسم فكان عسكرياً، وقد أصبحت الدرونات وسيلةً مفضلةً في تنفيذ المهمات العسكرية الصعبة. وأصبح طاقم الهجوم مجرّد فريق مراقبة بعيد، يحمل في إحدى يديه كيسا من البوشار ربما، أو البطاطا المقرمشة، وفي يده الأخرى عصا تحكّم إلكترونية، تكفي حركةٌ منها لتنفّذ طائرة مسيرة على بعد مئات الكيلومترات الهجمات. وبذلك حوّلت هذه الطائرات الخيال الشعبي القصصي والفن السينمائي المليء بتصوُّر عن هذه

 الكيانات المتحرّكة بالإيحاء، إلى حقيقة واقعة، يتم التعامل معها في أكبر مطابخ السياسية العالمية.

الخيار الأفضل لأوباما

كانت الطائرات المسيّرة الوسائط المفضلة لدى الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، الذي فضَّل أن تقوم هذه الطائرات بالمهام "القذرة". وقد استخدمت بالفعل تحت هذا الشعار لقتل 

قيادات تعبرها الولايات المتحدة متطرّفة في باكستان وأفغانستان واليمن. ويمكن أن يكون لعقلية أوباما العسكرية دور كبير في تطوير "الدرونات"، وتفعيل استخداماتها الحربية، فقد جاء إلى الحكم بعد موجة حروبٍ أميركية خارجية، جعلت الرأي العام الأميركي يضطرب تحت وطأة الخسائر البشرية نتيجة الحروب، فكان عهد أوباما عهد انحسار للمد العسكري التقليدي القائم على جيش نظامي. وقد غيَّر التكتيك الحربي بالاعتماد على هذا النوع من الطائرات، وجعلها تحت إدارة المخابرات المركزية، وأعطى أوامر خلال أول سنتين من توليه الرئاسة، لتنفيذ نحو مئتي عملية عسكرية بالدرونات المسيّرة، وهو أكبر من العدد الذي أمر به الرئيس جورج بوش الابن خلال فترتيه الرئاسيتين أي خلال ثماني سنوات. ويوضح هذا الرقم مدى اعتماد إدارة أوباما على الطائرات المسيرة في تنفيذ سياسات أميركا العسكرية الخارجية، وقد نُفّذت معظم تلك الهجمات في اليمن والصومال وباكستان والعراق أيضاً، ووفرت هذه العمليات تكاليف كبيرة، بالمقارنة مع الغزوات الأرضية التي قام بها جورج بوش الابن في أفغانستان والعراق، ولعبت التأثيرات الجانبية لهذه الحروب دوراً في انحسار شعبيته، ولكن الهجمات المسيّرة من دون طيار لم تنجُ من الانتقادات بسبب وقوع ضحايا جانبيين كثيرين، على الرغم من أنهم أقل بكثير من الذين سقطوا بصواريخ كروز وطائرات F 16.

كان نهج أوباما حافزاً لتوجيه التركيز نحو الدرونات، وأخذت دولٌ أخرى عنه هذه الفكرة، وطوّرتها لحسابها الخاص، كإيران التي أصبح لديها تكنولوجيا خاصة بالدرونات، وأخرى خاصة بمكافحتها، فضلاً عن إسرائيل ودول أخرى متورّطة بحروب محلية. ولا يبدو أن هناك حدوداً لتقدّم هذا النوع من الصناعة، وقد أصبح يحظى بشعبية عسكرية طاغية، ولكن القانون الدولي يفتقر إلى تشريعات خاصة به، وقد لا ينطبق عليه ما ينطبق على الطائرات التي يسيّرها البشر، بما يتيح الفرصة للتمادي في استعماله إلى الحد الأقصى. ويبدو أن مستقبل الدرونات 

زاهر، وآفاق استعمالاتها واسعة، وتمتلك دول كثيرة تكنولوجيا خاصة بهذه الصناعة، وبعضها متاحٌ في الأسواق الدولية، بسبب عدم وجود قوانين صريحة بمنعه، وذلك لتداخل استخداماته العسكرية بالترفيهية بالتنموية، ولكن بعض الدول التي تسعى بقوة إلى الحصول على تكنولوجيا درون مصنفة ضمن قوائم الإرهاب، كإيران. وهذه لديها تاريخ مثير في التعامل مع الدرونات الأميركية، فهي أسقطت ثلاثاً من ست درونات هي كل الدرونات التي سقطت للولايات المتحدة في تاريخ هذه الصناعة، اثنتان منها أُسقطتا في الأشهر الأخيرة، واحدة فوق مضيق هرمز والأخرى في اليمن، أما الثالثة فأُسقطت في سورية في مارس/ آذار 2015.

وتكشف هذه السلسلة من الإسقاطات عن ملاحقة إيرانية حثيثة لتطور الدرون الأميركي. ويمكن لأي محادثاتٍ مستقبليةٍ أميركيةٍ إيرانيةٍ بشأن الأسلحة أن تشمل محادثات جانبية عن صناعة الدرونات والتكنولوجيا المضادة لها.

أسئلة المستقبل

الدرون سلاح عسكري جديد يدخل الخدمة من باب واسع ومرحّب به، فهو نتاج عقلية صناعية تخفّف من الاعتماد على الكوادر البشرية، وتحمي الأطقم المدرّبة من الأخطار، ولكنه، في الوقت نفسه، سلاح خفيف غير قادر حتى الآن على الدخول في معارك طويلة. وقد لا يكون قادراً على تغيير دفة المواجهات لصالح أي طرف، فتبعية هذا السلاح في أميركا يعود إلى 

إدارة المخابرات المركزية الأميركية. وتوضح التقارير أن التعامل به لم يتعدَ حتى الآن إحداث البلبلة، أو التخلص من شخصٍ خطر أو غير مرغوب به، أو الحصول على صور خاصة، وتشكل كثيرٌ من صور هذه الأجسام مادةً خصبة للتقارير التي تُعدها المخابرات الأميركية.

يمكن أن تنطبق قوانين التطور على الدرونات، بحيث يمكن لها، بشيء من التعديل، أن تصبح قادرةً في المستقبل على حمل السلاح النووي أو الكيميائي، وهي بقدرتها على المناورة وسهولة الحركة تستطيع أن تصل، بحمولاتها الخطرة، إلى أماكن كانت محرّمة سابقاً. ويمكن لجيوش الدرونات المستقبلية أن تعيد النظر بشكل الحروب التقليدية وتعطيها شكلاً آخر، وقد تضطر الولايات المتحدة، خصوصا، إلى صياغة قائمة المنع الخاصة لديها، لتشمل السلاح الكيميائي والنووي والبالستي، وتضيف إليه تكنولوجيا الدرون.

المصدر: العربي الجديد

انشر عبر
المزيد