الثابت والمتغير في اتخاذ القرار.. دروس للقيادة الفلسطينية

26 آب 2019 - 01:15 - الإثنين 26 آب 2019, 13:15:40

بقلم: أنيس فوزي قاسم*

المدرسة الإيرانية في المفاوضات وإدارة النزاع جديرة بالدراسة والاستلهام والاحترام. إدارة الإيرانيين ملف المفاوضات الذي انتهى إلى التوقيع، في 14/7/2015، على الاتفاق النووي مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ألمانيا (المعروف باسم 5+1) بالإضافة أيضاً إلى المجموعة الأوروبية، جديرة بالتحليل والدراسة، ذلك أن تلك المفاوضات دامت أكثر من عقد، وعبر تعرّجات عديدة. كان أساس الاتفاق هو التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم مقابل رفع الحصار عنها. وبشهادة وكالة الطاقة الذرية فإن إيران أوفت بالتزاماتها.

وبرعونة شديدة الغطرسة، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 8/5/2018، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وأعادت بلاده فرض حصارها على إيران، وزادت عليه إجراءات أخرى أشدّ خنقاً. وخشيةً من أن تطاول العقوبات الأميركية الشركات الأوروبية العاملة في إيران، انسحبت هذه الشركات، وأربكت الوضع في إيران، وسارع الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى الرد على ذلك بأن طالب الدول الأوروبية الأطراف في الاتفاق النووي بأن تحافظ على التزاماتها بموجب الاتفاق، وأن تحافظ على علاقاتها التجارية مع إيران، وأن تشتري النفط الإيراني، على الرغم من الضغط الأميركي.

وباعتبار أن الاتفاق هو "عقد" ملزم لأطرافه، فإن إخلال طرف بالتزاماته يمنح الطرف الآخر الرخصة في التحلل من التزامه كذلك. وتمارس إيران حالياً "مبدأ التبادلية" هذا بعقلانية وتدرّج، حيث منحت الأطراف الأخرى مدة ستين يوماً للقيام بالتزاماتها، فإن فشلت، فإن إيران تتحلل من التزامٍ مقابل، وإذ فشلت الدول الأطراف بالقيام بالتزاماتها خلال الفترة المحدّدة، بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم فوق نسبة 3.67%، ومنحت إيران الدول الأخرى مهلة ستين يوماً مضافة، وفشلت هذه ثانية. وتحللت إيران من التزامٍ آخر، حيث رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم، ومنحت إيران الدول الأخرى مهلة ثالثة، تنتهي في الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول المقبل. وما زال في جعبة إيران مزيد من أدوات الضغط، مثل موضوع بيع الماء الثقيل.

وعندما أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق النووي، اندلعت حرب الناقلات، وتصرّفت إيران بعقلانية وبثبات على المواقف والتمسك بالحقوق، من دون إظهار أي إشارة للمساومة على هذه الحقوق. وأولى تلك المعارك في حرب غير باردة كانت متمثلة باحتجاز بريطانيا ناقلة نفط إيرانية كانت تمر في مضيق جبل طارق، بذريعة أنها كانت تحمل شحنة نفط إلى سورية، وذلك بالمخالفة للإجراءات الأوروبية بمقاطعة سورية. وامتنعت إيران عن إعطاء تعهد بعدم تصدير النفط إلى سورية في مقابل الإفراج عن الباخرة، مدركة أن التصرّف البريطاني كان مخالفاً للقوانين الدولية ولقوانين الملاحة الدولية، فالمقاطعة الأوروبية لسورية لم تكن بأمر من مجلس الأمن الدولي، صادر بموجب الفصل السابع من الميثاق، بل كان تصرفاً أوروبياً لا يلزم إلا تلك الدول، أي أنه ليس قانوناً دولياً، ما أضعف الموقف البريطاني، وشدّ من أزر الموقف الإيراني.

وبذكاء وفطنة، احتجزت إيران ناقلة نفط بريطانية كانت تمرّ من مضيق هرمز، لمخالفتها اتباع أنظمة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بحسب طهران التي تستطيع الدفاع عن ذلك، لأن كل المشتغلين بالملاحة البحرية يدركون أن الممر البحري في الاتجاهين في مضيق هرمز ضيّق، وعرض كل ممر حوالي 3.2 كم، ما يعني أن عدم اتباع التعليمات بدقّة في الممر سوف يحدث إرباكاً في خطوط سير السفن. هذا السبب الذي تسوّقه إيران هو سبب قانوني وجيه، سيما أن الممر البحري يقع في المياه الإقليمية لإيران، ما يعني سيطرتها الكاملة على ذلك الجزء من الممر، مع حق الغير في المرور البري.

مثال آخر من المفاوضات الناجحة، تلك الجارية في الدوحة بين ممثلي حركة طالبان الأفغانية والحكومة الأميركية، لكي نستخلص الدرس الأهم، وهو أن هذه الحركة المعزولة دولياً، والفقيرة مادياً وأدبياً، ولا تجد دعماً إقليمياً أو دولياً ظلت متمسّكة، كالقابض على الجمر، بمطالبها القومية بضرورة سحب القوات الأجنبية، وفي مقدمتها قوات الاحتلال الأميركية. وقد استمر ثباتها منذ الغزو الأميركي على أفغانستان في عام 2001، وذلك بعد جريمة نكراء ارتكبتها مجموعة من تنظيم القاعدة التي يترأسها أسامة بن لادن، في تدمير برجي التجارة العالمي في نيويورك. مضى عقدان و"طالبان" ثابتة على مطالبها الوطنية، وقد تمكّنت هذه الحركة الفقيرة البائسة، والتي تشاهد مقاتليها يتسلقون الجبال، وهم بلباسهم المتواضع وسلاحهم التقليدي، من فرض إرادتها، وقد قاربت مفاوضات "طالبان" على الانتهاء، وقد تمّ الإعلان أخيرا عن قبول الولايات المتحدة على سحب قواتها من أفغانستان، والبالغ عددها 14 ألف مقاتل، ولم يبق إلاّ الاتفاق على جدول الانسحاب.

وتجدر الإشارة أن "طالبان" رفضت التفاوض مع الحكومة الأفغانية العميلة، وظلت متمسكة بخطّها السياسي من أن العدو الأول هو الولايات المتحدة، وهي التي يجب التفاوض معها، لأنها هي التي تقود عملية الاحتلال، فإذا انسحبت القوات الأميركية، انسحبت في ذيلها القوات التابعة بالضرورة.

ويمكن للمرء أن يسوق أمثلة عديدة على ثبات القيادات السياسية وصلابتها، وهي تقود المعارك الوطنية، من دون هوادة أو مساومة، ولم يكن رئيس كوبا الراحل، فيديل كاسترو، استثناءً، وهو الذي كان يحتج على وجود نظام رأسمالي بجانب بلاده، كما كانت الولايات المتحدة تحتج على وجود نظام اشتراكي بجوارها، وهذه نديّة واضحة في الخطاب. وهناك مثال آخر في زعيم فيتنام، هوشي منه، الذي كان يفاوض الاحتلال الأميركي، بينما كانت قواته تنصب مصائد الأنفاق القاتلة لقوات الاحتلال ليلاً نهاراً، وكانت مطالب الحركة الوطنية الفيتنامية الثابتة الانسحاب الأميركي، والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفيتنامي، وتحقق لها ذلك المطلب كاملاً. ولم يكن رئيس جنوب أفريقيا الراحل، نيلسون مانديلا، آخر النماذج التي تمسّكت بمطالبها الوطنية بصلابة، من دون هوادة، وأحرزت انتصاراً تاريخياً على نظام الفصل العنصري.

وبإجراء مقاربة بين هذه النماذج وتجربة القيادة الفلسطينية في اتخاذ القرارات، يُرى الفرق الشاسع فوراً. من الطبيعي أن يقال إن ظروف كل حركة وطنية تختلف عن ظروف الحركة الأخرى، وهذا صحيح، إلاّ أن المقارنات هنا ليست بين الظروف، بل بكيفية اتخاذ القرار في مسائل مصيرية، وأنت في الوقت الذي تواجه خصمك.

معلومٌ أن منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها في 1964، وإلى أن تمّ تفكيك ميثاقها الوطني في 1996، ظلت تطالب بتحرير فلسطين التاريخية، وأعلنت أن فلسطين تعرّضت "لهجمة صهيونية"، وأن تصريح بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم هي وثائق باطلة بطلاناً مطلقاً. وانضوت تحت هذا الميثاق الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، وأصبح الميثاق يشكل "العقد الاجتماعي" للفلسطينيين أينما كانوا، في داخل الوطن أو تحت الاحتلال أو في الشتات. وأنجزت منظمة التحرير الفلسطينية أوضاعاً فريدة على المسرحين، العربي والدولي، وأصبحت شخصاً من أشخاص القانون الدولي، ومنحتها هيئة الأمم المتحدة وضعاً لم تسبقها إليه أية حركة تحرير وطنية، وأصبحت تحضر كل المؤتمرات التي تعقد تحت مظلة الأمم المتحدة، واحتلت مساحاتٍ واسعة في الرأي العام الدولي، الرسمي والشعبي.

ولافتٌ للانتباه أنه مع هذا الصعود الهائل لنجم منظمة التحرير، بدأ مسلسل التنازلات التي لا ندري على وجه الدقة من قام بالتسويق، ومن قدّم الإغراءات، ومن تولى مهمة السمسرة، إلاّ أن ذلك أمر ثانوي، لأن النظر يجب أن يذهب إلى كيفية اتخاذ القرار على المستوى الفلسطيني، وما هي الخلفية الثقافية للقيادة، حين بدأت الانحدار.

وبالإمكان رصد مسلسل الانحدار إذا أخذنا ما هو معلن ومعروف، ولا ندخل في الاتصالات والسمسرات السرية، وما خلف الكواليس. وأولى خطوات الانحدار كانت في قبول القيادة الفلسطينية في عام 1974 برنامج النقاط العشر، والتي "بشّرت" بقبول إقامة" سلطة وطنية على أي أراضٍ يتم الجلاء الإسرائيلي عنها". أي أنها أعلنت، عملياً، لا تحريراً لكامل التراب. ولم يتم الجلاء "الإسرائيلي" كما سوّقه السماسرة الذين راحوا يطلبون مزيداً من "المرونة"، لكي يتم استدراج "الإسرائيليين" لقبول المفاوضات مع منظمة التحرير. وهنا اخترعت القيادة مناسبة لعقد المجلس الوطني في الجزائر في 15 /11 /1988، وأعلنت، بكل احتفالية تليق باحتفالات جوائز أوسكار في السينما، ما يسمّى "إعلان الاستقلال"، وقد صفق الحضور وتعانقوا وانهمرت دموعهم على ذلك "الإنجاز العظيم"، إلاّ أنهم لم يدركوا أنه في ذلك العرس قد تمّ دس السم في العسل، حيث تمّ تمرير قبول القيادة الفلسطينية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 الذي أوصى بتقسيم فلسطين في العام 1947، وبالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 1967، والذي رفضته القيادة الفلسطينية منذ صدوره، لأنه تجاهل كل الثوابت الفلسطينية. أي أن القيادة طهّرت "الغزوة الصهيونية"، وأقلعت عن إدانة الانتداب وقرار التقسيم.

ومن الجدير ذكره أن ما يُدعى "إعلان الاستقلال" جاء بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية في أوج زخمها، وفي وقت حظيت بدعم عالمي نادر لسلميتها وعبقريتها في استخدام أدوات بدائية، في مقارعتها الاحتلال، وشلّ قدرات إسرائيل العسكرية. وبعد صدور "إعلان الاستقلال" "المجيد" بحوالي شهر، عقد الرئيس ياسر عرفات (رئيس حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية) مؤتمراً صحافياً في جنيف، أكدّ اعترافه بالقرارين181 و242، وبحق "إسرائيل" في الوجود وبسلام ونبذ الإرهاب بجميع أشكاله.

ومكافأة للقيادة الفلسطينية على سلوكها "المؤدّب"، أعلن وزير الخارجية الأميركية في اليوم نفسه أنه أمر بفتح "قناة حوار" مع منظمة التحرير،.. مجرد حوار!، أي أن القيادة تخلّت عن الكفاح المسلح، وانحازت إلى الديبلوماسية حصراً.

وبعد خمسة أشهر، أعلن ياسر عرفات في باريس أن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح "كادوك"، مستخدماً اللفظة الفرنسية، وتعني أنه ميثاق عفا عليه الزمن، وكأنه كان يبشر بمرحلة أخرى من التنازلات، وذلك بتفكيك هذا العقد الاجتماعي، وكان هذا الانحدار الرابع.

من سلسلة هذه التنازلات، أدركت "إسرائيل" أن القيادة الفلسطينية قابلة للابتزاز، ولا تتمتع هذه القيادة بأي مناعة، ولا تعرف أي خطوط حمراء. أيقنت "إسرائيل" أن الثابت الوحيد في الاستراتيجية الفلسطينية هو "التغيّر" والتنازل. وليس بعد ذلك عجباً أن انتهى بها الأمر في مستنقع (اتفاق) "أوسلو"، والذي يمكن تلخيص ما توصلت إليه القيادة الفلسطينية هو أن تقبل تحويل الثورة، بما فيها الانتفاضة، إلى حارس للاحتلال "الإسرائيلي"، بما في ذلك مستوطنوه ومصادرة الأرض والمياه والمصادر الطبيعية الأخرى، وكل ما عدا ذلك من تبريرات وألقاب فخمة وبطاقات VIP وحكومات وانتخابات ومجلس تشريعي، ما هي إلاّ ديكورات تخفي خلفها القصد الأساسي، وهو أن تصبح الثورة الفلسطينية مقاولاً من الباطن للاحتلال. هذا الترتيب منحه "الرئيس" محمود عباس درجة القدسية، حين أعلن، في أكثر من مناسبة، أن "التنسيق الأمني مقدس"، وما زال متمسكاً بكل ما ورد من شروط في اتفاقيات أوسلو، على الرغم من أن المفاوض الفلسطيني الرئيسي أعلن، في أكثر من مناسبة، أنه رصد أكثر من 160 إخلالاً ارتكبتها "إسرائيل" تحت اتفاقيات أوسلو، ولم يمارس الجانب الفلسطيني أية ندية أو تبادلية في الرد على تلك الانتهاكات، كما فعل الجانب الإيراني، بل استمرت "إسرائيل" في عمليات مصادرة الأرض، وإقامة المستوطنات عليها، وتهويد القدس، ونهب المصادر الطبيعية، بقصد إفقار الشعب الفلسطيني.

وفوق الارتقاء بمرتبة التنسيق الأمني إلى درجة القداسة، قامت القيادة الفلسطينية بتفكيك الميثاق الوطني الفلسطيني، وبالتالي بادرت إلى حلّ العقد الاجتماعي للشعب الفلسطيني، وأصبحت "السلطة الفلسطينية" ممثل فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة (قبل الانفصال) وأخرجت فلسطينيي الشتات من مظلة السلطة، وتلبية لشروط "إسرائيلية" صريحة ومعلنة. كل هذه التنازلات من دون أن تحقق القيادة الفلسطينية أي مطلب، مهما كان متواضعاً.

وبعد ذلك كله، هل يعتقد الفلسطينيون أن بإمكان هذه القيادة أن تقود مقاومة لـ "صفقة القرن"، وهي رهينة في معبد "التنسيق الأمني" المقدس؟

*خبير فلسطيني في القانون الدولي

انشر عبر
المزيد