اللاجئون يواجهون تصفية القضية الفلسطينية

23 آب 2019 - 01:09 - الجمعة 23 آب 2019, 13:09:31

بقلم: راغدة عسيران

في مخيمات اللجوء في لبنان وفي قطاع غزة، يواجه الشعب الفلسطيني "صفقة القرن" أو الحلّة الجديدة لمشروع تصفية القضية الفلسطينية، الذي يعني إلغاء فلسطين القضية والأرض، والفلسطينيين كشعب واحد، وتمكين السيطرة الصهيو- أميركية على المنطقة. أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فهو يعني إلغاء حق العودة الى الوطن، وتوطينهم حيث يتواجدون أم بعثرتهم في دول العالم. الخطة جهنمية كما هي خطط الاستعمار عادة، الذي لا يبالي بالشعوب والمجتمعات، ولا تهمه المجازر التي ترتكب ولا تدمير نسيج المجتمعات.

مشروع إلغاء حق عودة اللاجئين الى فلسطين ليس جديدا، لقد مهّدت له اتفاقيات أوسلو ولقاء جنيف في التسعينيات من القرن الماضي، وقبلها مشاريع تعويض تدفعه الدول العربية بدل العودة، وتقليص أعداد اللاجئين لتسهيل مهمة توطينهم، وغيرها من المشاريع الاستعمارية التي تهدف الى طمأنة الصهاينة بأن مشكلة اللاجئين لن تؤرقهم وهم يحتلون بيوتهم ويزرعون أرضهم ويقطفون ثمرات أشجارهم.

بقيت هذه المشاريع في الأدراج، بسبب عوامل عدة، أهمها الرفض الفلسطيني الشعبي الحاسم لإلغاء حق العودة، لا سيما بعد اتفاقيات أوسلو، الفترة التي شهدت صعود حركات جماهيرية في مخيمات اللجوء وفي الأراضي المحتلة عام 1948، للتأكيد على حق العودة وامكانية العودة بالنسبة للاجئي الداخل.

ولكن، في ظل الهجمة الصهيو- أميركية الأخيرة، المتمثلة ب"صفقة القرن" اتخذت الولايات المتحدة إجراءات عملية لتصفية قضية اللاجئين، أولها وقف تمويل الأونروا، والسعي فيما بعد لشد الخناق على اللاجئين الفلسطينيين لترحيلهم عن الدول المجاورة لفلسطين، ومنها لبنان.

تنبّه الشعب الفلسطيني الى كل ما يحاك ضده، لا سيما بعد تدهور الوضع العربي واصطفاف بعض الأنظمة الى جانب المشروع الأميركي. فخرجت مسيرات العودة في قطاع غزة، التي أصبحت فيما بعد "مسيرات العودة وكسر الحصار" التي تنطلق أسبوعيا، منذ يوم 30 آذار 2018، نحو الشريط الفاصل بين قطاع غزة وكيان الاحتلال، للتأكيد على حق عودة اللاجئين الى وطنهم فلسطين، وأن الشعب الفلسطيني لن ينسى ولن يتخلى عن حقه بأرضه وأملاكه التي استولى عليها الصهاينة. تواجه هذه المسيرات كيان العدو مباشرة، وتفعّل قضية اللاجئين، وتمنع تصفيتها رغم الإجراءات الأميركية ضد الأونروا ورغم التصريحات الصهيونية الأخيرة حول مساعي العدو لتهجير فلسطينيي القطاع، من خلال التجويع والإفقار والحصار.

لم يتمكّن اللاجئون الفلسطينيون في لبنان مواكبة مسيرات العودة، على الشريط الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، رغم النداءات المستمرة من أجل تفعيلها في كل الدول المحيطة بفلسطين، ورغم تشوّق اللاجئين الى المشاركة فيها. لقد مُنعوا من التوجّه الى الجنوب اللبناني، بعد مسيرة أيار 2011، والمجزرة التي ارتكبها

العدو بحق اللاجئين العزّل الذين حاولوا اجتياز الشريط، والتي أثبتت أن مسألة عودة اللاجئين تشكّل كابوسا حقيقيا للصهاينة، حيث تعيدهم الى العام 1948، عام النكبة الأولى، وتذكّرهم أنه لولا ارتكابهم المجازر واقترافهم الفظائع، لما استطاعوا إقامة كيانهم الإجرامي على أرض فلسطين.

عدم المشاركة في مسيرات العودة على الشريط لم يمنع الفلسطينيين في لبنان من المشاركة في التحركات الفلسطينية المندّدة ب"صفقة القرن" في فلسطين وتهويد القدس،على المستوى الجماهيري في المخيمات، والسياسي من خلال اللقاءات مع الأحزاب والقوى اللبنانية، رغم الأوضاع الصعبة التي يعيشها اللاجئ، بسبب حرمانه من حقوقه المدنية والاجتماعية، وعزلته النسبية عن الجوار اللبناني.

لكن منذ استهداف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، من خلال استبدال صفة اللجوء بالعمالة الأجنبية، الذي قرّره وزير العمل في الحكومة اللبنانية ومطاردته للعمال وأرباب العمل الفلسطينيين، أصبحت مشاركة اللاجئ في مواجهة "صفقة القرن" مباشرة وأساسية ومفصلية، لأن قرار وزير العمل باعتبار اللاجئ "عامل أجنبي" يتوجب عليه الحصول على إجازة للعمل في لبنان، يلغي صفة اللجوء عنه ويمهّد لتصفية المخيمات وما تمثله من حفظ الهوية الوطنية، رغم تردي الوضع فيها بسبب إهمال الدولة اللبنانية لها وتهميشها. ولأن لبنان الرسمي يرفض "التوطين" الذي لم يطالب به أصلا ولا يسعى اليه اللاجئ الفلسطيني، المعتز بوطنه فلسطين والذي تربى على حبه والانتماء اليه، كما يؤكّد ذلك يوميا، لم يبق أمام الفلسطيني، إلا التهجير الى ما وراء البحار، وهذا ما تحلم به "إسرائيل" ويتمناه كل من يدعمها ويسير في مخططاتها، أو مواجهة القرار بشكل حازم والتصدي له، كونه قرار يخدم العدو الصهيوني والمخطط الأميركي.

"صفقة القرن" في مسألة اللاجئين تعني إلغاء صفة اللاجئ وهذا ما يقوم به قرار وزير العمل اللبناني الذي ينفي من جهة أخرى، أن قراره سياسي ومتعلّق بهذه الصفقة. جاء هذا القرار في سياق جوّ مشحون بالعنصرية اتجاه "الأجنبي"، وفي سياق تسابق أحزاب تدافع عن "الخصوصية اللبنانية"، غير أنه يمسّ قبل كل شيء وضع اللاجئين الفلسطينيين كحاملي قضية وطنية، عربية وإسلامية، تربطهم بالمواطنين اللبنانيين علاقات أخوة ومصاهرة ونضال مشترك ضد العدو، إذ هم ليسوا جماعة غريبة فضّلت العيش في لبنان لأسباب معيّنة، كما يفترضه قرار الوزير، بل أصحاب قضية مركزية عربية وانسانية، يجب إسنادها بتوفير مقوّمات الحياة الكريمة لشعبها.

رفضا لهذا القرار المعارض لموقف لبنان الرسمي من صفقة القرن، اجتاحت الاحتجاجات الشعبية السلمية مخيمات اللجوء، للمطالبة بإلغاء القرار المتآمر على قضية اللاجئين، ثم إقرار حقوقهم المدنية والاجتماعية، وهي حقهم بالعمل والتعليم والطبابة والتملك، إذ لا يمكن منع تهجير الفلسطينيين والتمسّك بحق العودة الى

الوطن إلا من خلال العيش الكريم في الدول "المضيفة".

في مخيمات لبنان وفي قطاع غزة، برهن الفلسطينيون عن وعيهم العميق لما يحاك ضدهم وضد القضية، وعن أهمية وحدة صفوفهم ومواجهة محاولات تيئيسهم وتمزيق وحدتهم، تارة باختراع صراع بين الفصائل والجمهور، وتارة أخرى بين الفصائل ذاتها، ومحاولة تهميش ومحاصرة تحركاتهم، من خلال تعتيم إعلامي ومحاصرة التحركات الشعبية داخل المخيمات في لبنان، أو تعتيم إعلامي عربي لمسيرات العودة في قطاع غزة، ونصب الفخاح عبر التفجيرات والاغتيالات وبث الإشاعات، لإثارة البلبلة والصراعات ووقف هذه المسيرات المزعجة لكل من يقف ضد الحق الفلسطيني.

برهن الشعب الفلسطيني في لبنان وفي قطاع غزة عن عمق فهمه للأمور، بل هو يميّز بين مواجهة العدو المباشرة في القطاع ومواجهة قرار صادر عن وزير لبناني. لم يستخدم الآليات السلمية ذاتها، ولم يرد على الاستفزازات بنفس الطريقة. فلم يسقط في الفخاخ المنصوبة له، إذ يدرك أنه يقف اليوم في الصف الأمامي لمنع تطبيق الشق المتعلق بقضية اللاجئين في "صفقة القرن"، عبر المطالبة بحياة كريمة بلا حصار وبلا تضييقات على حياته وتنقلاته، بانتظار العودة الى الوطن، التي ستؤمنها المقاومة المسلحة بمساندة الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الحرة في العالم.

انشر عبر
المزيد