قضم استيطاني برعاية أمريكية يحرم الفلسطيني من إمكانية العيش على أرضه

17 آب 2019 - 07:27 - السبت 17 آب 2019, 19:27:27

بقلم: حلمي موسى

تستغل الحكومة «الإسرائيلية» الظروف الإقليمية والدولية لتكريس سيطرتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومواصلة سياسة فرض الوقائع على الأرض، لمنع قيام دولة فلسطينية، عن طريق تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتجد حكومة نتنياهو الفرصة سانحة لها اليوم أكثر من أي وقت مضى، بسبب التأييد الأمريكي الأعمى لها من جهة، وبسبب الانشغال العربي والدولي بقضايا أخرى لا تقل سخونة، ما يجعل الفلسطيني وحيداً تقريباً في مواجهة العنجهية الصهيونية، من جهة أخرى. وقد بدا كل ذلك واضحاً عندما أقدم بنيامين نتنياهو على المشاركة في وضع حجر الأساس ل 650 وحدة استيطانية في حي جديد في مستوطنة «بيت إيل» على مرمى النظر من مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.

مشاركة نتنياهو في حفل وضع حجر الأساس لتوسيع مستوطنة بيت إيل كانت مجرد طرف خيط لمخطط استيطاني جرى كشف النقاب عنه مؤخراً، من جانب حركة «السلام الآن»، بعد أن صادق المجلس الوزاري المصغر على بناء 2430 وحدة استيطانية جديدة. وقد أدانت السلطة الفلسطينية والعديد من الدول، بينها الاتحاد الأوروبي، مخططات الاستيطان الجديدة، لكن ذلك لم يمنع مواصلة الاستيطان وتعزيزه. واعتبرت الرئاسة الفلسطينية وضع حجر الأساس للحي الاستيطاني في بيت إيل «خرقاً فاضحاً للقانون الدولي، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء». وناشدت الأمم المتحدة العمل على وقف هذه الأعمال الاستفزازية والمخالفة لقرار مجلس الأمن الدولي 2334 الذي أكد عدم شرعية الاستيطان الصهيوني. ولم تتوقف السلطة عند هذا الحد، بل أتبعت ذلك بتقديم إحاطة للمحكمة الجنائية الدولية لتسريع اتخاذ القرار بهذا الشأن.

ورأت عضوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، أن تصريحات نتنياهو خلال وضعه حجر الأساس للحي الاستيطاني في بيت إيل أنها «حملت تزويراً مقصوداً للحقائق والتاريخ، وقلبت حقيقة الواقع رأساً على عقب». وأكدت أن «هذا السلوك الاستعماري للمستوطن نتنياهو يأتي في سياق الدعاية للانتخابات» "الإسرائيلية" المقبلة التي تجري دائماً بين القوى المتطرفة والمعادية للسلام على حساب حقوق، وحياة، ومقدرات الشعب الفلسطيني، وتعزيز وجود المستوطنين المتطرفين، وفرض "إسرائيل الكبرى" على "فلسطين التاريخية". ولاحظت أن هذا الاستيطان "يأتي بغطاء أمريكي سياسي، وقانوني، ومالي، إذ إن هذه المستوطنة تلقت دعماً من السفير الأمريكي في «إسرائيل»، ديفيد فريدمان، ومن زوج ابنة الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، اللذين تبرعا لها بهدف تعزيز الاستيطان فيها على حساب أراض فلسطينية مغتصبة".

وقد أعلن نتنياهو أثناء حفل وضع حجر الأساس أن "شعب «إسرائيل» لا يحيا فقط، بل هو يزدهر في أرضه، هنا في بيت إيل، وفي بقية أجزاء أرضه". وقال إن ما يبنى الآن هو جزء صغير مما يخطط له، وإن "كلمتنا كلمة... وقد وعدنا ببناء مئات الوحدات في بيت إيل، ونحن ننفذ الوعد". وأشار إلى رمزية المكان قائلاً إن للبناء في بيت إيل "مغزى تاريخياً فعلياً لأنه أول مكان وصل إليه أبونا إبراهيم عند دخوله هذه الأرض، ونحن لا ننسى ذلك" موحياً بأن ذلك هو السبيل لإعادة بناء الهيكل ومغزى وجود "إسرائيل".

وكانت حكومة الاحتلال أعلنت عن منح تراخيص بناء ل700 وحدة سكنية للفلسطينيين في المنطقة "ج" لأول مرة منذ سنوات طويلة. وأشار معلقون صهاينة إلى أن القرار الذي اتخذ بالإجماع، في الكابينت الصهيوني، انطلق من خشية من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية من جهة، ومن رغبة في تسهيل مهمة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في زيارته الأخيرة للمنطقة. غير أن معلقين صهاينة آخرين أشاروا إلى أن قرار الكابينت جاء لتقليص ردود الفعل الدولية على المصادقة على بناء 2430 وحدة في العديد من مستوطنات الضفة المحتلة.

وقد أعلنت حركة "السلام الآن" أن الإدارة المدنية الصهيونية في الضفة الغربية تعمل على بناء ما لا يقل عن 2430 وحدة استيطانية في المستوطنات، بينها إنشاء أربع مستوطنات جديدة تحت غطاء أنها أحياء لمستوطنات قائمة. وبحسب حركة "السلام الآن" فإن قائمة التوسع الاستيطاني المقرة تضم 354 وحدة في مستوطنة نيلي، و346 في بيت إيل، و215 في أسبر، و207 في براخا، و194 في جاني موديعين، و168 في طلمون، و132 في كفار أدوميم، و98 في معابه عاموس، و96 في كريات مطفيم، و94 في بيت حجاي، و80 في ياكير، و70 في شيمع، و66 في إفرات، و61 في ألون سافوت، و51 في شيلا، و29 في عتنئيل، و19 في بدوال، و18 في معاليه أدوميم، و11 في عيناب. وأشارت الحركة التي تراقب عن كثب منذ عقود تغوّل الاستيطان في الضفة، إلى أن لدى الإدارة المدنية خطة أدراج لبناء 6 آلاف وحدة استيطانية أخرى، وأنها تسعى للحصول على أذونات بشأنها من سلطة الأراضي.

وتتصرف حكومة نتنياهو بارتياح شديد في ظل إدارة الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب التي لم تعد ترى في الضفة الغربية أرضاً محتلة، ولم تعد تدين الاستيطان، أو تعتبره عقبة أمام السلام. ويشجع هذا الموقف حكومة نتنياهو، خصوصاً في ظل معركة انتخابية جارية، على تعميق الاستيطان لكسب أصوات اليمين المتطرف، وهي تعلن جهاراً نهاراً أنها ليست في وارد إخلاء أي مستوطنة، أو مستوطن، في أي حل سياسي مستقبلي، كما أن هذه المستوطنات ستبقى تحت السيادة "الإسرائيلية" في كل الأحوال.

ولا تكمن خطورة الاستيطان في أنه يشكل أرضية مصادرة الأراضي فقط، بقدر ما يتمثل في واقع أنه يترجم مبدأ تبديد حق الفلسطيني في الحياة على أرضه. وحيث يوجد الاستيطان تنعدم فرص الحياة للفلسطيني الذي يطرد من أرضه، وهو ما يتم بطرق كثيرة، بينها مصادرة الأراضي لأغراض أمنية تمهيداً لتحويلها إلى أراض للمستوطنات. وليس صدفة أن حمى الاستيطان مؤخراً، قادت الحكومة "الإسرائيلية" إلى هدم مئات الوحدات السكنية للفلسطينيين في حي وادي الحمص قرب صور باهر. وكانت الذريعة قربها من الجدار الفاصل الذي قضم جزءاً كبيراً من أراضي الضفة الغربية.

وتهدد إجراءات الهدم التي بدأت في صور باهر آلاف الفلسطينيين المقيمين على مقربة من الجدار الفاصل، من صور باهر إلى العبيدية وبيت ساحور في محافظة بيت لحم. وتتناسب إجراءات العدو هذه مع مخططات تفريغ القدس الشرقية من أهلها العرب، كما يجري في سلوان وأحياء البلدة القديمة، خصوصاً القريبة من الحرم القدسي.

عموماً، تتواصل سياسة القضم التدريجي لأراضي الضفة الغربية والقدس ضمن منهجية محددة ترمي ليس إلى منع قيام دولة فلسطينية فقط، وإنما أيضاً إلى حرمان الفلسطيني من فرص البقاء، والعيش على أرضه.

helmi9@gmail.com

انشر عبر
المزيد