أطفال فلسطين .. أبطال رغم تنكيل الاحتلال

08 آب 2019 - 12:13 - الخميس 08 آب 2019, 12:13:16

بقلم: حلمي موسى

لفتت «إسرائيل» مؤخراً الأنظار إليها باستهدافها الأطفال الفلسطينيين، وخصوصاً في القدس المحتلة، بالملاحقة والتنكيل ما استدعى مناقشة الأمر في الأمم المتحدة. وقد استدعت شرطة الاحتلال ببلاغ رسمي الطفل محمد ربيع عليان البالغ من العمر أربع سنوات إلى مركز التحقيق، بشبهة إلقاء حجر على مركبة صهيونية أثناء اقتحامها بلدة الطفل، العيساوية. وقد أتبعت هذا الفعل باستدعاء طفل آخر من القرية نفسها، يدعى قيس عبيد ويبلغ من العمر ست سنوات للتحقيق معه بتهمة مشابهة.

كثيراً ما امتلأت وسائل الإعلام الدولية بصور جنود صهاينة مدججين بالسلاح يقتادون أطفالاً فلسطينيين دون العاشرة من عمرهم إلى مراكز الاعتقال، ما يؤكد أن استهداف الأطفال ليس خطأ إدارياً؛ بل هو جزء من سياسة متبعة ترمي إلى غرس مفهوم الردع في الفلسطيني منذ طفولته.

وقال والد الطفل محمد ربيع عليان إن الشرطة الصهيونية «تضيف إلى سلسلتها القمعية ضد الفلسطينيين عامة ومدينة القدس خاصة، ترهيب الفتية والأطفال والتشديد على اعتقالهم أو اقتيادهم للتحقيق في مراكز الشرطة». وأوضح أن «هذه الإجراءات لن ترهب الطفل الفلسطيني وهو ماضٍ في رفض الاحتلال". والمضحك المبكي في نظر والد الطفل أن شرطة الاحتلال اقتحمت قريته بقصد اعتقاله، فتصدى لها أبناء القرية فعادت إلى استدعائه ببلاغ رسمي للتحقيق معه بعد أن صار مطلوباً. وأضاف أنهم في العائلة لم يصدقوا في البداية أن شرطة الاحتلال تريد اعتقال ربيع؛ إذ إن «الأمر مضحك من جهة، ومحزن من جهة أخرى، ولكن هذا الاحتلال يتوقع منه كل شيء، بما يشمل اعتقال الأطفال والحوامل والمسنين، فهو لا يراعي المشاعر ولا الحقوق الإنسانية».

وكان لافتاً أيضاً أن سكان قرية العيساوية الذين يتصدون بشكل دائم لاعتداءات قوات الاحتلال توجهوا إلى مركز شرطة باب الساهرة برفقة الطفل ربيع وبمصاحبة إعلاميين، ما دفع الاحتلال إلى إنكار استدعاء الطفل وطلب التحقيق معه. ولكن نشر مذكرة الاستدعاء الرسمية في وسائل الإعلام، فضح أكاذيب الاحتلال الذي لم يتورع في اليوم التالي عن استدعاء الطفل قيس عبيد أيضاً للتحقيق.

وتقفز سلطات الاحتلال باستدعائها الأطفال للتحقيق معهم عن القوانين الدولية وحتى عن القانون «الإسرائيلي» ذاته الذي يحظر استجواب أطفال دون سن 12 عاماً. ولكن مثل هذه الاستدعاءات هي جزء لا يتجزأ من سياسة ممنهجة ترمي إلى تشكيل رادع نفسي لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يقوم على فكرة أن الاحتلال لا يرحم أحداً إذا ما قاومه. وبعد أن رأت سلطات الاحتلال أن فرض العقوبات على عائلات الأطفال لم يردع الأطفال عن المشاركة في أعمال مقاومة صارت تميل إلى استهداف الأطفال أنفسهم. ويشهد تاريخ الصراع ضد الاحتلال أن نسبة الأطفال بين ضحايا القمع عالية سواء في صفوف الشهداء أو الجرحى والمعتقلين.

وقد حمل رئيس هيئة الأسرى الفلسطينية، قدري أبو بكر، في بيان أصدره على الكيان معلناً أن «الاحتلال يرتكب جرائم علنية وواضحة بحق القاصرين، والطفولة الفلسطينية تتعرض للخطر الشديد والدائم في ظل صمت المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية».

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فإن قوات الاحتلال اعتقلت 908 من الفتية والأطفال الفلسطينيين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً في العام 2018، كما تعتقل قوات الاحتلال 3 أطفال فلسطينيين في اليوم، بما يعادل 90 طفلاً في الشهر. كما أصدرت محاكم الاحتلال "الإسرائيلية"، خلال السنوات الثلاث الماضية، أحكاماً بحق نحو عشرين طفلاً، غالبيتهم من القدس، ومن بين هؤلاء الطفل أحمد مناصرة، الذي حُكم عليه بالسجن الفعلي لمدة تسع سنوات ونصف السنة، وفق هيئة الأسرى.

وواضح أن استهداف الأطفال في القدس خصوصاً، صار أكثر جلاء منذ انتفاضة القدس في العام 2015 بعد حرق الطفل الفلسطيني محمد خضير على أيدي مستوطنين. وقد أشارت الإحصاءات إلى اعتقال ما لا يقل عن 1899 من الأطفال في تلك الفترة وأبقت سلطات الاحتلال في سجونها ما لا يقل عن 450 تتراوح أعمارهم ما بين 12-18 عاماً. وشكلت هذه الاعتقالات زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف عن الأعوام التي سبقتها.

وتشهد صحيفة «هآرتس» على الدائرة المفرغة التي يعيشها التنكيل الصهيوني بأطفال القدس. إذ نشرت الصحيفة تقريراً يفيد بأن الاعتقالات للأطفال وخصوصاً دون سن 15 عاماً لا تحقق أية فائدة وتعرض الكثير من التساؤلات حول جدواها ومدى مخالفتها للقوانين. وقالت إن اعتقال الأطفال ليس رادعاً وأن احتمال ابتعاد من تعمد السلطات إلى اعتقاله عن العنف ضئيل بسبب ما يعانيه هؤلاء أثناء التحقيق معهم. وقالت الصحيفة إن «مشاركة الأطفال في أعمال العنف تكشف أكثر شيء عن عدم فائدة سياسة «إسرائيل» في شرقي القدس، وبعد 50 عاماً من الاحتلال والسلب والضم والاستيطان، وبعد سنوات من إقامة السور الفاصل الذي عزل القدس الشرقية عن الضفة، نشأ في الأحياء الفلسطينية للعاصمة، جيل شاب مستعد لأن يدفع الثمن والمراهنة على مستقبله من أجل أن يعبِّر عن الإحباط والغضب من ظروف حياته».

وقد أثير موضوع اعتقال الأطفال في (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67) عموماً وفي القدس خصوصاً في جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي بشأن الأطفال في حالات النزاع المسلح. وأشار تقرير خاص مرفوع إلى الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن عام 2018 سجل أعلى نسبة في استهداف الأطفال الفلسطينيين منذ العام 2014. وأن 59 طفلاً فلسطينياً استشهدوا فيما أصيب 2756 طفلاً آخرين بجروح معظمها كانت خلال مسيرات العودة في قطاع غزة وفي القدس.

ووفق تحقيقات الأمم المتحدة، فإن 203 من الأطفال يقبعون في سجون الاحتلال معظمهم قيد الاعتقال الإداري، أي دون محاكمة، وحتى نهاية كانون الأول 2018، سجّل التقرير وجود 87 طفلاً في سجون الاحتلال بحكم قضائي، ويخضع هؤلاء الأطفال لظروف اعتقال صعبة وسوء معاملة.

وبسبب أن جلسة مجلس الأمن الخاصة بالأطفال هذه عقدت بمناسبة إحياء مرور عشر سنوات على القرار 1882 الذي أضاف طائفة من المعايير على «قائمة العار» التي ترصد الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال طالب المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور بإدراج «إسرائيل» ضمن هذه القائمة. واستغرب منصور عدم إدراج الأمم المتحدة، «إسرائيل» ضمن قائمة العار الدولية رغم كل الأرقام والإحصائيات الواردة في تقارير الأمم المتحدة بشأن انتهاكات الاحتلال لحقوق أطفال فلسطين.

في كل حال، من الجلي أن الطفولة الفلسطينية مستهدفة «إسرائيلياً» بشكل منهجي ومدروس ولكن هذا الاستهداف ولد أبطالاً يحتذى بهم. فأطفال مثل محمد ربيع عليان وقيس عبيد يذهبون إلى التحقيق بشعور أنهم رجال كبار يتحملون مسؤولية شعب وهو ما يجعلهم مثالاً يحتذى لآلاف الأطفال الآخرين. وهذا ما يفسد على الاحتلال فرحته بقوته ويثير علامات استفهام حول مستقبله.

انشر عبر
المزيد