"صفقة الغاز".. إخضاع الأردن وتمويل الإرهاب الصهيوني

06 آب 2019 - 02:14 - الثلاثاء 06 آب 2019, 14:14:17

بقلم: راغدة عسيران

تعتبر اتفاقية شراء الغاز من العدو الصهيوني "أهم من اتفاقية وادي عربة لأن اتفاقية وادي عربة بقيت على مستوى سياسي، بين سلطة وسلطة، ولم تستطع عبر عشرين عاما، ان تنزل الى الشارع والى الناس. لأول مرة، ستمس هذه الاتفاقية كل الأردن وكل مواطن. كل البيوت والمتاجر ستصبح متشابكة وتابعة لـ"إسرائيل". هذا ليس فقط احتلال بل دخول عضوي "في المجتمعات العربية المحيطة بالكيان. بهذا الكلام الخطير، يصف د. هشام البستاني - المنسق العام للحملة الوطنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني - تبعات الاتفاقية على الاردن ومواطنيها.

تضيف "الحملة" على موقعها للتواصل الاجتماعي "أن هذا الفعل (الاتفاقية) سيُحوّل المواطنين جميعًا بلا استثناء إلى مُطبّعين غصبًا عنهم ورغمًا عن إرادتهم... هذه اتفاقية تنفذُ إلى العمق الشعبي دفعةً واحدةً، وتُحوّل المواطنين بالجملة إلى مُطبّعين داعمين للإرهاب الصهيوني، وخاضعين لابتزازه، بعد أن فشلت كلّ المحاولات لإلحاق الأردن الشعبي بالكيان الصهيوني منذ 1994."

الاتفاقية ومحتواها

رغم توقيعها في العام 2016، لم يحصل النواب الأردنيون على نص اتفاقية استيراد غاز العدو إلا بعد تسريبها مترجمة الى اللغة العربية، في بداية شهر تموز (يوليو) 2019، الى النائب المحامي صالح العرموطي (كتلة الإصلاح). فتوقيت التسريب مهم، حيث لم يبق إلا بضعة شهور قبل بداية ضخ الغاز المنهوب الى الأنابيب الجاهزة في الأردن.

ولكن، رغم هذه السريّة التي أحاطت بالاتفاقية "العار"، كانت الجهة المعارضة لها، وهي تمثل أغلبية شرائح المجتمع في الأردن، على علم بأهم محتوياتها، كونها كانت تتابع المقالات والتسريبات من الصحف الأجنبية والصهيونية، وكانت قد بدأت حملتها المناهضة للاتفاقية منذ العام 2014، أي منذ توقيع "رسالة النوايا"، في شهر أيلول (سبتمبر) 2014 بين شركة الكهرباء الوطنية من جهة، وشركة نوبل إنيرجي الأميركية من جهة أخرى.

يوضّح د. البستاني أن الاتفاقية مرت بثلاث مراحل، أولها، "رسالة النوايا "التي وقعت في العام 2014 بين شركة الكهرباء الوطنية المملكومة 100% للحكومة الأردنية، وشركة نوبل إنرجي الأميركية المكلّفة باستخراج الغاز المنهوب من حقل لفياثان مقابل سواحل مدينة حيفا المحتلة. وتمثّلت المرحلة الثانية بتوقيع اتفاقية الغاز في العام 2016 من قبل الحكومة الاردنية التي تسترت على محتواها الخطير لمنع الاحتجاجات الشعبية عليها، ثم بدأت المرحلة الثالثة بعد فضح محتواها في تموز/يوليو 2019، أي قبل شهور فقط من بدء ضخ الغاز المنهوب.

يجب الإشارة الى أن هذه الاتفاقية كانت قد سبقتها اتفاقية استيراد الغاز المنهوب من حقل "تمار" في شباط (فبراير) 2014، وقعتها شركة البوتاس الأردنية مع شركة نوبل إنرجي بقيمة بين 500-700 مليون دولار.

بموجب اتفاقية 2016، تشتري شركة الكهرباء الأردنية 1,6 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي المستخرج من حقل لفياثان بمبلغ 10 مليار دولار، على مدى 15 عامًا. في حال ظهر في الأردن أي حقل غاز، فلا يحق له تخفيض نسبة الاستيراد بأكثر من 20% فقط، بعدما يشتري 50% من كامل الكمية التعاقدية، وهذا ما اعتبره النائب صلاح العرموطي أحد "ألغام" الاتفاقية، إذ أن الألغام الأخرى تتعلق بتهميش السيادة الأردنية من خلال اللغة المستخدمة (الانكليزية)، وجهة التحكيم (قانون إنجلترا وويلز لحل أي نزاع بين البائع والمشتري)، والعملة (الدولار والشيكل "الاسرائيلي")، وكون المشتري يحتاج الى ضامن وكفيل وهو الولايات المتحدة الأميركية، ما يعني أن أي خلل في الدفع من قبل الأردن سيتم تسديده من قيمة "المساعدات" الأميركية للأردن، وفي المقابل، لا يحتاج البائع الى أي ضامن، إضافة الى أن سعر الغاز المنهوب يفوق السعر العالمي المعتمد. ومن بنود الاتفاقية الفاضحة، أنه تم التوقيع عليها مع شركة وسيطة مسجّلة في جزر الكيمان ومقرّها الرئيسي في كيان العدو، مملوكة من قبل الشركاء في حقل لفياثان، وهم شركة نوبل إنرجي الأميركية وشركات صهيونية تفوق حصتها في الحقل على 60%.

كيف ولماذا تمت الاتفاقية ؟

بعد اكتشاف حقل لفياثان على الساحل الفلسطيني في تموز (يوليو) 2010، الذي يعتبر أكبر حقل غاز استولى عليه كيان العدو، تعاقدت شركة نوبل إنرجي الأميركية وشركات "إسرائيلية" لتشغيله واستخراج الغاز الطبيعي منه. لكن، في حال غياب منشآت لتسييل الغاز لتوريده عبر المحيط الى العالم، لا يمكن استخراجه إلا بعد ان يتم بيعه الى جهات معينة، عبر الأنابيب. والأردن هو البلد الأقرب الى فلسطين المحتلة والوحيد بسبب اتفاقية وادي عرابة (1995) الذي يمكن بيعه الكميات الضرورية لبدء استخراجه واستغلاله داخل كيان العدو لتطوير استيلائه على فلسطين.

مارست الولايات المتحدة ضغوطا كبيرة على الأردن لكي توافق على توقيع هذه الاتفاقية، واستغلت وقف ضخ الغاز المصري بعد 2011 بسبب تفجير الأنابيب في سيناء لحث الحكومة الأردنية على التوقيع. لعب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري دور مفصلي في إدارة المفاوضات بين الطرفين الأردني والصهيوني، بسبب امتلاكه أسهم في شركة نوبل إنرجي واعتقاده، من جهة أخرى، أن هذه الاتفاقية ستفتح آفاق جديدة "للسلام والاستقرار" في المنطقة.

وواصلت السفيرة الأميركية أليس ويلز ضغوطها على الأردن لإبرام الاتفاقية بعد تمكّن الأردن من توفير احتياجاته من الغاز المسال في ميناء العقبة في العام 2015، بالقول إن "الحل الدائم لمشاكل الطاقة في الأردن هو استيراد الغاز من "إسرائيل". وكان سايمون هيندرسون، مدير برنامج سياسة الخليج والطاقة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قد صرّح: "ان إسرائيل تقدم خدمة للولايات المتحدة من خلال استخدام الغاز كوسيلة للاندماج الاقليمي: الاندماج الاقتصادي بكل تأكيد، وربما الاندماج السياسي".

حاولت الحكومة الأردنية التستر على بنود الاتفاقية، متذرعة تارة بأن المشتري هو شركة الكهرباء الأردنية، وأنها غير ملزمة بنشر بنود الاتفاقية، وكأن الشركة مستقلة عن الحكومة، في حين تملكها مئة بالمئة، وكون الحكومة مشاركة في الصفقة، كما ورد في نص الاتفاقية "إبرام الحكومة الأردنية وحكومة "إسرائيل" اتفاقية تغطي عدة مسائل تتعلّق بتدفق الغاز بين البلدين"، وتارة أخرى بأن البائع هو شركة أميركية، دون الإفصاح عن الشركاء الصهاينة في حين يمثلون الأكثرية.

أسباب الرفض

لا يمكن اعتبار اتفاقية شراء الغاز المنهوب من الكيان عملية تطبيع فحسب، كالمناورات العسكرية المشتركة بين الكيان والإمارات، مثلا، أو زيارة الكيان وإدلاء تصريحات معادية للفلسطينيين، أو شراء منتجات الكيان، حيث يمكن للمواطنين رفض ومقاطعة البضائع الصهيونية...

تتجاوز اتفاقية الغاز مسألة التطبيع من ناحية أن الغاز المنهوب يدخل الى كل بيت، ويساهم المواطن الأردني، عبر الفواتير التي يدفعها الى شركة الكهرباء، بتمويل العدو ومستوطنيه ومشاريعه الاستيطانية في فلسطين المحتلة، كما كتبت "الحملة": "هي ليس تطبيعًا ‏وشرعنةً لكيان غاصب مستعمر فحسب، بل وتؤثر بشكل مباشر على قوتنا وأمننا المعيشي".

تحوّل هذه الاتفاقية الكيان الصهيوني الى قوة أقليمية أيضا، تتحكّم بشعوب المنطقة عبر الغاز المنهوب، حيث أنه سيمّر عبر "خط الغاز العربي" الممتد من الجنوب الى الشمال، ليختلط بالغاز العربي، ويتم توريده الى الدول العربية شمالا، أي العراق وسوريا ولبنان لاحقا، كما ورد في نص الاتفاقية "يقر الطرفان بأنه يجوز استخدام نظام المصبّ ومنشآت المشتري لنقل وشراء وبيع الغاز الطبيعي من مصادر أخرى غير حقل لفياثان". تساهم مصر، من ناحيتها، في تمكين العدو، من خلال استيراد الغاز المسروق وتسييله في منشآتها الجاهزة، كخط إضافي لتسويق هذا الغاز الى الدول الأوروبية وغيرها من الدول البعيدة.

عندما تتجوّل وزيرة الطاقة الأردنية في البلدان العربية (لبنان في شهر حزيران (يونيو) 2019) وتعرض ربط "شبكة الغاز مع مصر وسورية ومنها للبنان"، هل تنوي تصدير الغاز المنهوب الى الدول العربية وجعلها تشارك في نهب فلسطين؟

من خلال هذه الاتفاقية، سيتحوّل العدو من "الوجود بقوة القوة إلى الوجود بقوة الضرورة" كما كتب د. البستاني قبل سنوات.

والأهم يبقى أن الاردن ليس بحاجة الى استيراد الغاز الطبيعي منذ العام 2015، كما أقرت تصريحات حكومية أردنية. فبات مكتفيا لمصادر الطاقة، بعد توقيع اتفاقية لشراء الغاز المسال من قطر، وتوفّر البدائل المحلية من طاقة متجددة كالطاقة الشمسية، التي تستخدم أحدث التقنيات في الأردن، والصخر الزيتي، وافتتاح ميناء الغاز المسال في العقبة. إضافة الى أنها تلغي الحاجة الى الغاز المنهوب، تؤمن هذه المصادر فرص عمل في الأردن الذي يعاني من نسبة عالية من البطالة.

لكن، وبسبب الضغوط الأميركية ومصالح بعض المتنفذين، تورّط الأردن بشراء غاز ليس بحاجة اليه، وتنوي الحكومة الأردنية "خلق الحاجة الى الغاز "الإسرائيلي" من خلال وقف التراخيص لمشاريع الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية، وإقفال منشأة الغاز المسال في العقبة، أي إلغاء مصادر الطاقة السيادية لخلق احتياج لغاز" العدو، كما أفاد د. البستاني.

حملة "غاز العدو احتلال".. وامكانية إلغاء الاتفاقية

تضم "الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني" (غاز العدو احتلال) أحزاب سياسية، معارضة و"وسطية"، ومجموعات وحركات شعبية وشخصيات وطنية، وفعاليات نيابية و33 نقابة عمالية ومهنية.

منذ "رسالة النوايا "لعام 2014، تسعى الحملة الى فضح ما تعتبره جريمة بحق فلسطين والأردن، من خلال نشر ما يتسرب من أخبار حول الاتفاقية، ومطالبة الحكومة بالإفصاح عن محتوها وبنودها، وتحشيد الجمهور ضدها، باستخدام لغة علمية واضحة تفضح تواطؤ الحكومة والضغط الأميركي، وعدم الاكتفاء بالشعارات. لقد بيّنت الكلفة السياسية والأخلاقية والمادية لهذه الاتفاقية على المواطن في الأردن، وبرهنت عدم حاجة الأردن الى هذا الغاز المسروق.

رغم الإجماع الشعبي الأردني حول رفض اتفاقية "العار"، تحاول الحكومة المراوغة، كما فعلت وزيرة الطاقة هالة زواتي التي صرحّت قبل أسابيع بأن إلغاء الاتفاقية سيلحق الضرر بالمواطن الذي سيضطر الى دفع مليار ونصف المليار دولار، بسبب، وجود شرط جزائي يحمّل الطرف المنسحب غرامة مكلفة.

ردا على هذا التهويل، قدّم محامون أردنيون، ومنهم النائب صالح العرموطي، مخارج عدة لعدم دفع المليار ونصف المليار دولار، أولها "وقوع المشتري في إعسار مالي"، إذ أن شركة الكهرباء الوطنية مديونة، وحسب القانون الأردني، لا يمكن لشركة مديونة أن توقّع على اتفاقيات، إذ تعتبر محلولة. ثم أن الاتفاقية لم تعرض على "مجلس الأمة" ولم تمرّ بالقنوات الدستوريّة، ما يشكل "انتهاكا صارخا لأحكام الفقرة 2 من المادة 33 من الدستور الاردني". ويضيف د. هشام البستاني "وإن كان لا بدّ من دفع المليار ونصف المليار دولار، فليدفعها من ورّط الأردن في هذه الاتفاقية".

تطلب "الحملة" من الحكومة: "وقف كافة الأعمال القانونية و/أو المادية التي تتعلّق بتنفيذ هذه الاتفاقيّة فورا، بما فيها أعمال الحفر وتمديد الأنابيب، وإلغاء قرارات الاستملاك الصادرة لهذه الغاية، وإعادة الأراضي إلى أصحابها ومالكيها، وأن تنصاع الحكومة للإرادة الشعبية الرافضة للاتفاقية، خصوصا أنّ في بنودها ما يتيح إمكانيّة إلغائها دون تحمّل شروطها الجزائية، وأخيرا، إحالة كل من ساهم في إبرام هذه الاتفاقية، و/أو التوقيع عليها إلى المُساءلة والمحاسبة". كما ورد على حساب التواصل الاجتماعي للحملة، المسؤولون هم: روساء الوزارات الثلاثة عبد الله النسور، هاني الملقي، عمر الرزاز (من 2014 الى 2019)، وزراء الطاقة في هذه الوزارات، والناطقون الرسميون باسم الحكومة، أعضاء مجلس إدراة شركة الكهرباء الوطنية (من 2014 الى 2019) ومدراءها العامون، إضافة الى أعضاء مجلس إدارة شركة البوتاس ومديرها العام.

رغم الإجماع الشعبي على رفض الاتفاقية، هل يمكن للحكومة الأردنية، التي تشعر بأنها تورّطت بمسألة كبيرة جدا، أن تأخذ قرار الإلغاء؟

بالنسبة للدكتور البستاني، "الحكومة في الأردن لا تأخذ القرارات، فالقرارات الاستراتيجية الكبرى تأخذ في أطر أخرى، أولها الولايات المتحدة، ثم الديوان الملكي، ثم جهاز المخابرات الأردني." والآن، توجد خلافات بين هذه الأطر أو في داخلها، "الخلاف واضح"، ومن مؤشراته، غياب السفير الأميركي في الأردن منذ سنة ونصف، وعدم اهتمام الرئيس الأميركي الحالي بالأردن، ما يضعف الضغط الأميركي في هذه الفترة. ثم صدر مؤخرا تصريح من الملك عبد الله يقول بضرورة إعادة النظر ببعض بنود الاتفاقية، ما يعني أن ثمة امكانية لإلغائها. يجب إضافة الى ذلك أن ورشة المنامة التطبيعية لم تقدّم للأردن إلا 6 مليارات ونصف المليار دولار، وأكثر من نصف المبلغ على شكل ديون، ما يعني أن الدول العربية المطبّعة غير مستعدة لمساعدة الأردن في مجال هذه الاتفاقية. لهذه الأسباب، كما يرى د. البستاني، المرحلة مناسبة لتكثيف الحملة ضد الصفقة، وإلغائها.

انشر عبر
المزيد