الولايات المتحدة و"إسرائيل": بتغيير الرواية الفلسطينية.. نحقق "السلام"!

01 آب 2019 - 11:17 - الخميس 01 آب 2019, 11:17:57

وكالة القدس للأنباء - متابعة

قالت "إسرائيل" والولايات المتحدة إنه لن يكون هناك أي تقدم مهم في المفاوضات حول "السلام" بدون توجيه جهد كبير من أجل تغيير الرواية الفلسطينية، لأنها العائق الأساسي أمام التوصل إلى اتفاق دائم. حسب هذه الرواية لا يوجد شعب يهودي ولم تكن هناك سيادة يهودية في "أرض إسرائيل". وبناء على ذلك لا يوجد أي مبرر لإقامة دولة يهودية قومية في المنطقة التي يعدّ الشعب الأصلي الوحيد فيها هو الشعب الفلسطيني. الصهيونية -حسب رأيهم- هي حركة كولونيالية أقامها الأوروبيون من أجل التخلص من اليهود الفظيعين، ولا يوجد أي سبب كي يتحملهم الفلسطينيون في أوساطهم، في الوقت الذي يواصلون فيه التصرف بصورة مثيرة للصدمة ويخلقون دولة عنصرية في فلسطين، دولة ابرتهايد، وكل أنواع الكفاح ضد الصهيونية شرعية. لذلك، يدفع الفلسطينيون رواتب كبيرة لـ"الإرهابيين" (المقاومين) المسجونين وعائلات "الإرهابيين" (الشهداء) الذين قتلوا (استشهدوا). الفلسطينيون هم ضحايا النزاع الوحيدون، لذلك يجب عدم المس بمكانة اللاجئين إلى حين اعتراف "إسرائيل" بحق العودة. ويجب عدم الطلب من الفلسطينيين تقديم تقرير عن أفعالهم؛ النضال الفلسطيني الذي هو وطني وإسلامي في الوقت نفسه مفروض على كل فلسطين. لذلك، يرفض الفلسطينيون الاعتراف بـ"إسرائيل" على اعتبار أنها الدولة القومية للشعب اليهودي

.
القسم الاقتصادي في خطة السلام الأمريكية هو الجزرة للفلسطينيين من أجل تغيير روايتهم. يتكون السوط من المس بمداخيل السلطة والمساعدة الأمريكية المقدمة لها طالما أنها تواصل دفع الرواتب للإرهابيين (للمقاومين)، ومن تصميم الولايات المتحدة على تأسيس سياستها على الوقائع (الأمر الذي أدى إلى الاعتراف بالقدس كعاصمة (للكيان) ونقل السفارة الأمريكية إليها) ومن محاولة التوضيح للفلسطينيين بأن الوقت لا يعمل في صالحهم، بما في ذلك شطب حل الدولتين حسب الصيغة الفلسطينية (دون الاعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي) من جدول الأعمال، وتنازل الدول العربية المعتدلة عن اشتراط التقدم في التطبيع مع "إسرائيل" بتنازلات من قبل "إسرائيل". وفوق كل ذلك (في ظل غياب احتمال تقدم العملية السلمية)، فرض القانون الإسرائيلي على المستوطنات الإسرائيلية في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة) (الأمريكيون لا يكلفون أنفسهم عناء منع الانطباع بأنهم سيسلمون بهذه الخطوة).
الفلسطينيون من ناحيتهم يتمسكون بمواقفهم، على أمل تغييرات سياسية في (الكيان) وفي الولايات المتحدة. إذا واصلوا ذلك فقد يجري تفعيل خطة، حتى قبل الانتخابات الأمريكية، يحافظون في مركزها على الوضع الراهن بينما يجري تحسينه لصالح المستوطنين من خلال فرض القانون "الإسرائيلي" في المستوطنات الموجودة في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة)، ولصالح الفلسطينيين من خلال إضافة تصاريح عمل ونمو اقتصادي في قطاع غزة والضفة الغربية.

إن من هبوا للتحذير من الأخطار الكامنة في هذه السياسة بالنسبة لإسرائيل هم جهات في الوسط – يسار في "إسرائيل"، ومنهم من يسمون “قادة من أجل أمن إسرائيل”. في وثيقة قاموا بنشرها هم و”منتدى سياسة إسرائيل” (منظمة يهودية أمريكية لها رؤية مشابهة)، قالوا إن فرض القانون "الإسرائيلي" على المستوطنات الذي يسمونه ضماً، سيؤدي بشكل مؤكد إلى ضم كل أراضي 1967، وتحويل "إسرائيل" إلى دولة ثنائية القومية، غير يهودية وغير ديمقراطية. وهذا الأمر هو الذي سيؤدي إلى انتهاء الصهيونية. هذا إضافة إلى الادعاءات الخطيرة التي ستكون لذلك على الوضع الأمني (تجدد الانتفاضة)، وعلى مكانة "إسرائيل" الدولية والإقليمية، وعلى علاقتها مع يهود الشتات وعلى وضعها الاقتصادي (خاصة إذا أوقفت السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني، وبعد ذلك كفت عن الوجود). لذلك، من الأفضل الموافقة على طلب الفلسطينيين أو اقتراحات “القادة” لتقديم تنازلات أحادية الجانب وعلى رأسها تفكيك المستوطنات كخطوة أولى قبل الانفصال عن الفلسطينيين. لأنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق معهم كما يبدو.

هذه الرؤية تعاني من عيوب كثيرة، لكن لأن الرسائل الموجودة فيها تحولت إلى شعارات لليسار، فمن الجدير الإشارة إلى بعض هذه الأمور: النظر إلى فرض القانون "الإسرائيلي" على المستوطنات في المناطق على أنه ضم، هو أمر مضلل. ثمة فرق قانوني جوهري بين فرض القانون والضم. لا يدور الحديث عن خطوة تغير الواقع على الأرض وتفرض على المستوطنات المكانة السيادية لأراضي "إسرائيل" داخل الخط الأخضر وفي القدس. وهي لا تغير الرؤية الأساسية المتضمنة في اتفاقات أوسلو، فالحديث يدور عن منطقة مختلف عليها، تنتظر المفاوضات على تحديد مكانتها الدائمة.
احتمالية تحقق التطورات التي يتوقعها معدو الوثيقة ليست مؤكدة. سواء بسبب أن الأغلبية الساحقة في إسرائيل لا تؤيد الضم، ولا حتى مناطق ج. أو أنه ليس في نية "إسرائيل" ضم مناطق فلسطينية مأهولة باكتظاظ وعلى رأسها مناطق السلطة الفلسطينية نفسها (مناطق “أ” و”ب”)، أو أن تفرض عليهم القانون الإسرائيلي، أو لأن وجود السلطة الفلسطينية هو الإنجاز الأكبر للفلسطينيين وهم لا ينوون التنازل عنه. أما التنسيق الأمني فهو حيوي للسلطة في مواجهتها مع خصومها من الداخل، وليس بسهولة أن يقوم الفلسطينيون بشن نضال إرهابي (مقاوم) واسع، لأن الانتفاضة الثانية في ذاكرتهم القومية تعتبر فشلاً كبيراً.
من المحتمل أن عدداً من التوقعات المثيرة للقلق التي تصفها الوثيقة سيتحقق بهذا القدر أو ذاك من القوة، وخاصة أن المكون الليبرالي في أوساط يهود الولايات المتحدة سينتقد بشدة أكبر سياسة "إسرائيل".

ولكن مع الأخذ في الحسبان مواقف أمريكا والدول العربية المعتدلة، يمكن لإعداد صحيح لخطوة كهذه مع التوضيح بأن الأمر لا يتعلق بضم وإغلاق الباب أمام المفاوضات، سيخفف من شدة الردود وسيسمح باستخدامها من أجل البرهنة للفلسطينيين بأن الوقت لا يعمل في صالحهم.

المتشائمون اليوم اعتقدوا في حينه أن اتفاقات أوسلو ستؤدي إلى شرق أوسط جديد، وعندما خاب تقديرهم الذي ارتكز على الجهل والعمى الذاتي، لم يفتحوا عيونهم كي يفهموا جذر المشكلة. من شبه المؤكد في هذه المرة أيضاً أنهم سيرفضون الفهم بأنه من غير المنطقي تقديم تنازلات خطيرة أحادية الجانب من أجل تحقيق فصل غير ممكن، وسينضمون إلى الجهود من أجل تغيير مواقف الفلسطينيين، أو بدلاً من ذلك.. الحفاظ على تحسين الوضع القائم وليس تغييره إلى واقع أكثر سوءاً.

(المصدر: هآرتس 31/7/2019)

انشر عبر
المزيد