قراءة في كتاب: "درب الصادقين".. الضفة الغربية منبت الثوار

30 تموز 2019 - 11:54 - الثلاثاء 30 تموز 2019, 11:54:26

بقلم: راغدة عسيران

كشف كتاب "درب الصادقين" الصادر عن "دار الشهيد نعمان طحاينة" في الضفة الغربية (المحتلة)، عن فصل مهم من تاريخ المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لا سيما خلال انتفاضة الأقصى، من خلال سيَر بعض المجاهدين المعتقلين في سجون العدو.

يركّز الكتاب على مجاهدي "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" وجناحها العسكري، "سرايا القدس" وقبلها "قسم"، إلا أنه يمكن توسيع الدائرة الى معظم الأجنحة المقاومة، ليتبيّن حجم التضحيات التي قدّمها أبناء الضفة الغربية، من شمالها الى جنوبها، لإزالة الاحتلال عن فلسطين، ومدى التنسيق بين الأجنحة المقاومة، واستجابة الشعب لها. كما يكشف، من جهة أخرى، عن عمق تورط الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مع أجهزة الاحتلال، لضرب المقاومة والمقاومين، ما سمح بالتغلغل الصهيوني والتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية.

تُطرح، من خلال الكتاب، أسئلة كثيرة حول الحالة التي وصلت اليها الضفة الغربية اليوم، بعد الإجهاز على انتفاضة الأقصى.

ما الذي قتل الانتفاضة والمقاومة؟..

هل استطاع التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة وأجهزة العدو من قتل روح المقاومة لدى أبناء الضفة الغربية، ولو مرحليا؟..

هل القمع الهمجي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني المستمر الى اليوم، هو المسؤول الوحيد عن تراجع أداء المقاومة؟.. ألم تساعده وتدعمه السلطة الفلسطينية، لا سيما بعد استلام محمود عباس الرئاسة، في هذه المهمة الملطخة بدماء الشهداء وبعذابات الأسرى، أي بملاحقة المجاهدين وزجهم في السجون، ومنع الانتصار للمقاومين ومحاولة عزلهم عن شعبهم، وبثقافة الاستسلام أمام العدو ومشاريع التسوية؟

يؤكد منع تداول هذا الكتاب في الضفة الغربية واعتقال مدير النشر بعد صدوره، على أن أجهزة السلطة الفلسطينية ما زالت الى يومنا هذا تلاحق الفكر المقاوم وترفض تغيير مسارها المرفوض فلسطينيا.

ما الذي جعل هؤلاء الشباب يضحون بحياتهم وأعمارهم من أجل التحرير وإعلاء كلمة الحق خلال هذه الفترة؟.. أهو ايمانهم بالمثل العليا أم تفاؤلهم بحتمية النصر أم أمور أخرى؟..

هل البديل عن المقاومة الذي فرضته السلطة بقوة السلاح والملاحقة، بدعم المجتمع الدولي، تمكّن من ترويض الشعب الثائر؟

في المقابل، يجيب الكتاب على أسئلة مطروحة في الساحة الفلسطينية، حول وحدة الشعب الفلسطيني

وفصائله المقاومة، إذ أثبتت المرحلة الماضية أن خيار المقاومة يوحّد الشعب، في حين تنفصل فئة عن

الشعب عندما تطرح خيارات أخرى، وحول الفصل بين المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية، حيث يتضح أن من حمل السلاح هم من رشقوا الحجارة على جنود الاحتلال ومن انتفضوا بوجهه وتصدوا لتوغله ووزعوا البيانات وتحملوا مسؤوليات نضالية في الجامعات الفلسطينية، أي أنهم ربطوا الفكر بالممارسة، وأن اختيار اسلوب المقاومة متعلّق بالظرف والإمكان، وليس بالتوجيه السياسي المسبق.

كما يجيب على السؤال حول العمليات "الفردية" التي تكثفت في انتفاضة القدس: هل هي فردية بسبب تراجع "التنظيمات" وعدم الثقة بها، كما تشيع المنظمات التابعة للتمويل الخارجي، أم أن التنسيق الأمني مع المحتل وتغلغل "المخبرين" التابعين للاحتلال وللأجهزة الفلسطينية، أوصلا الفدائيين الى تدبير عملياتهم بمفردهم؟ ألم تكن العديد من العمليات خلال انتفاضة الأقصى "فردية" بمعنى أن المجاهد كان يبحث عمن يساعده على تنفيذ العملية الفدائية التي خطّط لها بمفرده، وعمن يعطيه السلاح المناسب لها؟ ما يدلّ، من جهة أخرى، على جهوزية الشعب الفلسطيني، بكل فئاته العمرية، رجالا ونساء، على التضحية والقتال، وأن التنظيمات الفدائية تعبّر عن وجدانه واستعداده للقتال، ولم تكن جمعيات هبطت على المجتمع بتمويل أجنبي، كما تسعى ايحائه تصريحات من لا يؤمن بالمقاومة.

تؤكد سيَر المجاهدين على استمرارية الروح الوطنية والجهادية من جيل الى جيل، ولا يمكن أن ينقطع إلا بزوال الكيان المحتل، كما تؤكد على أن الضفة الغربية، وفلسطين كلها، تولّد الأبطال في كل مخيم وكل حارة وكل قرية، وأن المقاومين، رغم ضعف إمكانياتهم، يصنعون الكثير من لا شيء، ويبدعون في مواجهة الاحتلال، كما أنهم يخطئون ويفشلون أحيانا، فيجرّبون ويبحثون عن الحلول، تأكيدا على حيوية الشعب الفلسطيني.

1- من هم أبطال الضفة الغربية ؟

من خلال سيَر الأسرى المجاهدين الواردة في الكتاب، يمكن التعرّف على مواصفات هؤلاء الأبطال وغيرهم المنتمين الى التنظيمات المجاهدة الأخرى، الذين هدّدوا أمن الكيان الصهيوني بسلاح الايمان بالحق والعزيمة والشجاعة، وهو سلاح الشعب الفلسطيني، رغم إمكانياتهم المادية المحدودة. ولدوا في مخيمات اللجوء (لاجئين من قرى ومدن فلسطين المحتلة عام 1948) وفي قرى وبلدات الضفة الغربية، أغلبها مهدّدة بالمستوطنات اليهودية والطرق الاستعمارية الالتفافية.

تشير العيّنة التي شكّلت محتوى الكتاب أن معظم هؤلاء الأبطال، الى جانب الشهداء الذين قاتلوا معهم، من مواليد بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

عاشوا في حضن عائلات مؤمنة ووطنية، مكافحة وغالبا فقيرة، حيث عمل بعضهم منذ الصغر لتأمين قوت العائلة واضطروا الى العمل في الأراضي المحتلة عام 1948. بسبب أوضاع العائلة المأساوية، اضطر الأسير محمد كامل خليل عمران (قرية سنجر، محافظة الخليل) الى ترك المدرسة للعمل في تنظيف الأراضي الزراعية وفي أحد مصانع الحلويات ثم في البناء. كما ترك الأسير عبد الله وحش برغيش (مخيم جنين) المدرسة في الصف التاسع أساسي بسبب مرض الوالد والأوضاع المعيشية الصعبة. واتجه الأسير محمد ساري محمد حسين (مخيم نور شمس، محافظة طولكرم) للعمل في مجالات متعددة وهو لا يزال في سن الخامسة عشرة، داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

بشكل عام، كان هؤلاء الأبطال من رواد المساجد، دخلوا المدارس وواصل بعضهم الدراسة حتى الجامعة. تعرّفوا باكرا على بطش الاحتلال (خلال انتفاضة الحجارة) وعلى سجونه بسبب رشق الحجارة أو غيرها من المواقف النضالية، كما ذاقوا باكرا ألم فراق الأحبة من الأخوة والأصدقاء، الذين استشهدوا برصاص الاحتلال، أو الذين زجوا في سجونه.

تأثر الأسير محمد قاسم أحمد عارضة (بلدة عرابة، محافظة جنين)، باستشهاد ابن عمه الشهيد حمد عارضة ("ملك الزجاجات الحارقة") بتاريخ 24/7/1989. ويذكر الأسير حسام عدنان توفيق عابد (قرية كفردان، محافظة جنين) استشهاد صديقه ابن القرية نامق ملحم عام 1988 عندما كان يتصدى لجيش الاحتلال في القرية. أما الأسير زيد بسيسي (قرية رامين، محافظة طولكرم)، فقد تأثر بخبر استشهاد المجاهد الكبير الشهيد عصام براهمة خلال اشتباك مسلح مع العدو في قرية عنزة بمحافظة جنين، في نهاية العام 1992.

لقد تمنى بعضهم أن تؤمن السلطة الفلسطينية بعد 1994 انهاء الاحتلال والقتل والاعتقال، وإزالة المستوطنات، ولكن سرعان ما تبخّرت أمانيهم بعد مشاهدة تغوّل العدو في أراضي السلطة وتعاون أجهزة السلطة معه بضغط من المجتمع الدولي. لم تكن ظروف حياتهم أقسى من التي يعاني منها بشكل عام الشعب الفلسطيني، غير أنهم قرروا التصدي له ومحاربته.

2- من جيل الى جيل

لم يخرج الفدائيون والمجاهدون من بيئة عقيمة، بل هم استمرار لتاريخ طويل من الجهاد والتضحية في سبيل الوطن والحرية. الأسير المجاهد بهاء يوسف شبراوي، من قرية قاقون في فلسطين المحتلة عام 48، واللاجئ في مخيم نور شمس، يذكر يوم استشهاد اخيه عبد القادر، الفدائي الفتحاوي في العام 1992.

انتمى أخوة الأسير سمير عبد الفتاح رضا طوباسي (مخيم جنين) الى الجبهة الشعبية وحركة فتح، وتم اعتقالهم خلال انتفاضة الحجارة. ينتمي الأسير شاهر عزيز محمود حلاحله (بلدة خارس، محافظة الخليل) الى عائلة مناضلة. اعتقل جدّه في سجون الاحتلال لمدة خمسة أعوام، ثم اعتقل والده بعد مطاردة دامت سنين، وخلال اعتقاله، أصيب بثلاث طلقات نارية خلال انتفاضة الأسرى في 16/8/ 1988.  كان الاسير سامح سمير محمد الشوبكي (مدينة قلقيلية) طفلا عندما تم الإفراج عن أعمامه من السجون الصهيونية في عملية تبادل الأسرى عام 1985، وفيما بعد تم اعتقال والده. وخلال انتفاضة الحجارة، تم مطاردة أخوال الأسير أحمد دهيدي (عرابة، محافظة جنين)

تؤكد هذه الأمثلة على أن أبناء فلسطين يتوارثون الثورة ومقاومة الاحتلال أبا عن جد وأن سيرة الأبطال المقاومين تبقى حيّة وتنير الطريق، وأن المقاومة هي حكاية شعب بأكمله يرفض وجود الكيان الصهيوني على أرضه ويقاتل من أجل استرجاعها الى حضن الأمة.

3- السجون والجامعات: ملتقى المجاهدين والفدائيين

يعتقد المحتل أن إلقاء القبض على المناضل الفلسطيني واعتقاله سيثنيه عن مواصلة الكفاح، غير أن سِيَر المجاهدين أثبتت العكس، حيث يشكل السجن مدرسة يلتقي فيها المجاهد بمعتقلين ينتمون الى تنظيمات ثورية، وعندما يتم الإفراج عنه بعد بضعة شهور، ينضم الى الثوار ويحمل السلاح.

التقى الاسير محمد أبو طبيخ (مخيم جنين) مع المجاهدين محمد سدر ومصطفى عوض وأيمن اطبيش وغيرهم، في سجن مجدو في نفس القسم من أواخر العام 1999 وبداية العام 2000، وخططوا للعمل الجهادي المستقبلي، بعد الإفراج عنهم، إذ تجاوزوا حاجز الخوف من السجن. خلال اعتقاله الإداري في سجن مجدو في شهر 12/2003، التقى الأسير وجيه جلال وجيه ابو خليل (بلدة عتيل، محافظة طولكرم) بالمجاهد لؤي السعدي، وبعد الإفراج عنهما في صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله، شكّلا مجموعة مع آخرين لمحاربة الاحتلال.

وجد الأسير زيد بسيسي نفسه عام 1995 في سجن الفارعة، الى جانب قادة وكوادر حركة الجهاد الإسلامي، محمد فارس وأسعد دقة وأيمن دراغمة، وغيرهم. وفي سجن أريحا التابع للسلطة الفلسطينية، التقى بالمجاهدين أسعد دقة وخالد زكارنة وإياد حردان في العام 1998، كما التقى بالمجاهدين نعمان طحاينة وأنور حمران في سجن الجنيد. وفي سجن بيتونيا، التابع أيضا للسلطة، التقى الأسير زيد بسيسي بقيادات حركة حماس، ومنهم الشيخ محمد جمال النتشه ونشأت جبارة وابراهيم حامد وغيرهم. وتعرّف الأسير محمد ساري محمد حسين على المجاهدين المعتقلين في سجون السلطة، عندما كان يعمل في جهاز حرس الرئاسة.

خطط المجاهدون، أثناء اعتقالهم في سجون العدو وسجون السلطة، لعمليات هروب، كما حصل في سجن الجنيد حيث تم إعداد خطة من أجل تهريب المجاهدين أسعد دقة وأحمد مهداوي وإياد حردان. وبعد فترة، تم تهريب أيضا المجاهد جميل جاد الله من سجن الجنيد وتوصيله الى طولكرم. استطاع الأسير مهنا شعبان شفيق زيود (سيلة الحارثية، محافظة جنين) الهروب من سجن عوفر مع المجاهد بلال ياسين (قرية عانين، محافظة جنين) في يوم 21/1/2003. توجها الى بيتونيا في رام الله، ثم أوصلهم أحد الرجال الى حاجز قلنديا، ومن بعدها، وصلا الى مدينة نابلس. فساعدهما شباب في السكن الجامعي الذين أوصلوهما الى البلدة

القديمة حيث استقبلهما المقاومون بحفاوة قبل أن يعودا الى جنين مع طلبة جامعة النجاح.

تمتاز الجامعات بأنها تضم طلابا من كافة المناطق، ما يسهّل انتشار الأفكار من جامعة الى أخرى ومن منطقة الى أخرى، كما تعتبر مختبرا للطروحات السياسية المتواجدة على الساحة، حيث تتشكّل الأطر الطلابية التابعة للتنظيمات الثورية.

شكّلت الجامعات ملتقى للمجاهدين، لا سيما جامعة النجاح في نابلس وجامعة الخليل. لقد انتظم هؤلاء المجاهدون في الأطر الطلابية وناضلوا من خلالها للتعريف على خطهم السياسي وبث أفكارهم، وكتبوا المنشورات ووزّعوها، وخلال دراستهم، تعرّفوا على مجاهدين آخرين وشكّلوا معهم أطر جهادية كـ"سرايا القدس". في العام 1998، تعرّف الأسير زيد بسيسي في جامعة النجاح، على المجاهدين نعمان طحاينة وخالد الزواوي وغيرهم. والتقى الأسير عرفات الزير(قرية رابود، محافظة الخليل) في جامعة الخليل على المجاهد ماجد ابو دوش من بلدة دورا (الخليل) ليبدأ مساره الجهادي الى جانب نضاله الطلابي ودراسته الجامعية. في جامعة الخليل، تعرّف الأسير أحمد ذيب عبد الرحمن دهيدي (بلدة عرابة، محافظة جنين) على المجاهد في "سرايا القدس" دياب الشويكي، وعلى المجاهد يوسف بشارات من جنين، وأصبح حلقة الوصل بين "سرايا القدس" في الخليل و"سرايا القدس" في جنين.

4- التواصل والتنسيق بين التنظيمات الثورية

تظهر متابعة سيَر المجاهدين مدى التعاون بين التنظيمات الثورية المختلفة التي تضم أبناء فلسطين. فالسلاح كان ينتقل من تنظيم الى آخر، حسب الحاجة ومن أجل عملية فدائية ما، وكان أبناء هذه التنظيمات يأوون من يلجأ اليهم (وخاصة في المخيمات) خلال مطاردتهم من قبل قوات الاحتلال أو الأجهزة الأمنية الفلسطينية. كانوا يلتقون من أجل التنسيق فيما بينهم لعملية مشتركة أم للمساعدة على القيام بعملية جهادية ضد الاحتلال، في حين كانوا يتنافسون من أجل القيام بأكبر عدد ممكن من العمليات. سادت العلاقات الأخوية والجهادية بين التنظيمات، لا سيما وأن العديد من العائلات كانت تضم أفرادا من تنظيمات مختلفة،  كما أظهرت سيرة الأسير أحمد محمد زهدي مرشود (مخيم بلاطة، محافظة نابلس). فهو ابن عائلة مجاهدة، يعتبر أخوه خليل أحد مؤسسي كتائب "شهداء الأقصى" وكان ابن خاله الشهيد أحمد مرشود أبرز قادة حركة "حماس". ولكن حصلت في هذه الفترة بعض التوترات بين التنظيمات، سريعا ما تم ضبطها من قبل القياديين، بسبب تبنّي عملية استشهادية أو جهادية من قبل تنظيم آخر، في أغلب الأحيان.

كانت تربط المجاهدين علاقة صداقة أو زمالة في المدرسة أو الجامعة، أو علاقة الانتماء الى منطقة (مدينة، مخيم أو قرية)، وكان الكثير منهم يترددون الى نفس المسجد في القرية أو الحيّ، كما كان للسجون الصهيونية دور في التعارف الى بعضهم البعض وعلى أوضاعهم وبحثهم عن إمكانية العمل المشترك.

في بعض الحالات، ينتقل المجاهد من تنظيم الى آخر، دون أن يقطع علاقاته مع أفراد التنظيم القديم، كما كان حال الأسير القيادي علي السعدي الصفوري (مخيم جنين) الذي جمع خلال سيرته النضالية في مخيم جنين أعضاء من كتائب "شهداء الأقصى" وآخرين من كتائب "عزالدين القسام"، وكانت علاقاته الطيبة مع المجاهد عبد الكريم عويس (مخيم بلاطة) من كتائب "شهداء الأقصى" معروفة، وكان المجاهد ناصر عويس (كتائب شهداء الأقصى) قد ساعده على العودة الى مخيم جنين بعد هروبه من المقاطعة التي قصفها العدو. ولكن تبقى "حركة الجهاد الإسلامي" وذراعها العسكري "سرايا القدس" من أبرز التنظيمات التي وسّعت دائرة عملها اتجاه التنظيمات الأخرى، لا سيما كتائب "شهداء الأقصى" وكتائب "عزالدين القسام"، رغم عزلتها بعد العام 2005، حيث دخلت التنظيمات الأخرى، بطريقة ما، في المسار السياسي وقبلت بالتهدئة، التي فرضها المجتمع الدولي على السلطة الفلسطينية، والتي استجابت لها بملاحقة المجاهدين.

أمثلة العمل المشترك بين التنظيمات كثيرة، ومنها أن الأسير أحمد دهيدي خاض الى جانب ابن كتائب "شهداء الأقصى" ثائر السحو اشتباكات مسلحة مع الدوريات الصهيونية في منطقة جنين، ونفذ أيضا مع ثائر ابو الكامل، من "شهداء الأقصى"، عملية  إطلاق نار على حاجز الجلمة حيث استمر الاشتباك مع الصهاينة لفترة ليست قصيرة.

حين كان الأسير محمود عطية حسن كليبي (ضاحية شويكة، محافظة طولكرم) ملاحقا من قبل الأجهزة الأمنية (السلطوية) في طولكرم، بقي في ضيافة القائد الفتحاوي محمد أبو ربيعة، إلا أن الأجهزة الأمنية غدرت بالمجاهدين ورغم مساعدة محمد أبو ربيعة المجاهد محمود كليبي للإفلات من قبضتها، تم إلقاء القبض عليه والتقى بالشهيد رياض بدير في مقر السلطة. عندما سمع الخبر، هدّد القائد الشهيد رائد الكرمي بخرق التهدئة (التي طالبت بها السلطة ووقعت عليها حركة فتح) إن لم يتم الإفراج عن المجاهدين (رياض بدير ومحمود كليبي). ثم نفذت "سرايا القدس" عملية للانتقام من اغتيال القائد رائد الكرمي في شهر كانون الثاني 2002. كانت تربط الأسير مهند محمود محمد ابو عيشة (بلدة بيت وزن، محافظة نابلس) علاقة صداقة مع المجاهد خالد ريان من كتائب القسام، الذي ساهم في تدريب المجاهد مهند أبو عيشة على استعمال السلاح، وقام الأسير مهند بمساعدة المجاهدين القساميين خالد ريان ومجدي خلوص في زرع عبوة ناسفة لإحدى الدوريات الصهيونية شرق قرية زواتا (نابلس)، فيما ساعد الأسير وجيه أبو خليل شابين من حركة "حماس" هربا من الجيش الصهيوني، فنمت علاقة ثقة بينهم وقاموا بتحضير لعملية استشهادية.

5- تصنيع الأسلحة والمواد المتفجرة وتأمين السلاح

بسبب الحاجة الى السلاح والمواد المتفجرة لمقاتلة المحتلين، وعدم توفرها بالأعداد الكافية، حيث كان الشباب الفلسطيني المجاهد يتزاحم للحصول عليها، أقيمت ورشات تصنيعها في عدة مناطق من الضفة الغربية. أما السلاح، فكان المجاهد يحاول تأمينه أما عن طريق شرائه من تجار الأسلحة، أما بصنع ما يشبه المسدس، كما روى أحد المجاهدين الذي صنع "الدفاش" وهو أشبة بمسدس، وعبارة عن ماسورة حديدية. يروي الأسير محمد أبو طبيخ أنه كان يجمع المصروف اليومي لشراء الرصاص لهذا "الدفاش"، واشترى القائد الشهيد محمد سدر سلاحا من ماله الخاص بعد خروجه من السجن عام 1999. لكن استطاع جهاز الشاباك بيع صواريخ "لاو" للمجاهدين بعد تفخيخها. أدى استخدامها من قبل المجاهدين الى سقوط شهيدين خلال انتفاضة الأقصى (الشهيد خالد زكارنة في يوم 22/5/2002، والشهيد رامي أبو بكر في يوم 13/1/2003).

استطاعت "سرايا القدس" (الحاج علي السعدي والشهيد محمود طوالبة) تصنيع الهاون، بعد الاستعانة بمن لديه الخبرة في ذلك. تمكّن الحاج علي من صناعة القاذف والقذائف. ثم انضم الى عملية التصنيع عدد من أبطال كتائب "شهداء الأقصى" (عبد الكريم عويس وغيره) من أجل تطوير عمل الهاون بعد الفشل الأول في إطلاقه.

فيما يخص صناعة المتفجرات، لقد أقيم مصنع في مخيم جنين لصناعة المتفجرات عمل حتى اجتياح المخيم عام 2002، فتم نقله الى مدينة جنين ومن ثم إعادته الى المخيم. عمل الشهيد خالد زكارنة فيه وعلّم المجاهدين على مادة متفجرات جديدة من نوع "اليوريا". ساهم الشهيد محمود طوالبة والأسير محمد أبو طبيخ في صناعة هذه المادة. لقد تم تعليم العديد من المجاهدين على صناعة المتفجرات، وتم تقسيم المهام، منهم من يحضر المواد الأولية كالسماد وحامض النيتريك، ومنهم من يقوم بعملية التصنيع، ومنهم من يقوم بتجفيف المواد بواسطة المروحيات، ومنهم من يشرف على تخبئتها في أماكن سرية.

كان يتمّ تصنيع الحزام الناسف من مادة  TNT. يذكر الأسير إياد أبو الرب أن الشهيد القائد نعمان طحاينة كان قد علّمه في العام 2004 على صناعة المتفجرات وقام هو بدوره تعليم التصنيع الى المجاهد معتز أبو خليل، وأضاف نوعيات جديدة منها. كان المجاهدون يحضرون مادة حامض النيتريك من الداخل المحتل، في حين كانت السلطة تلاحق من يبيع هذه المادة في الأسواق الفلسطينية.

في منطقة طولكرم، استطاع الشهيد لؤي السعدي والأسير وجيه أبو خليل تصنيع المتفجرات والأحزمة الناسفة في جبال بلدة عتيل، ثم إخفاءها في الجبل أو في السهول أو البيوت البلاستيكية الزراعية، كما أنه تم تصنيع المواد المتفجرة أيضا في مدينة نابلس.

6- مجاهدون في الأجهزة الأمنية الفلسطينية

انتمى عدد من المجاهدين الى الأجهزة الأمنية الفلسطينية وغالبا قبل أن ينضموا الى التنظيم الثوري. رغم عدم موافقتهم على الخط السياسي للسلطة الفلسطينية، كان بعضهم يأمل بأن تسير الأمور نحو "الدولة المستقلة". كان البعض يريد تأمين قوت عائلته، وتمنى البعض الآخر التعلم على السلاح والأمور الأمنية، كما ذكر المجاهد الأسير محمد حسين فايز جرادات الذي انتمى الى جهاز الاستخبارات العسكرية عام 2001. تلقى المجاهدون المساعدة من قبل أفراد من الأجهزة الأمنية عندما كانوا ملاحقين من قبل هذه الأجهزة أم من قوات العدو، ما يدلّ على انتمائهم الوطني، وهم من أبناء فلسطين وعائلاتها المجاهدة.

الأسير محمد ساري محمد حسين الذي عمل في جهاز حرس الرئاسة، تعرّف على المجاهدين المعتقلين في مقرات السلطة. احتاج المجاهد عبدالله الوحش الى السلاح وتمنى الحصول على دورة تدريب عسكري ليتعلّم على استخدام السلاح وتفكيكه، فأصبح موظفا في جهاز المخابرات العامة في جنين. عمل الأسير إياد محمد أحمد أبو الرب (قرية جلبون، محافظة جنين) في جهاز المخابرات في السلطة ولكنه استقال عام 1999 بعد اكتشاف الدور القمعي للسلطة وأجهزتها، وتنسيقها مع الاحتلال. وانتمى الأسير عبدالله برغيش الى المخابرات العامة في جنين، وتعرّف خلال عمله على الشيخ علي الصفوري ومجموعة من المجاهدين، وبسبب تعاونه معهم، تم حبسه ثلاثة أسابيع وطُلب منه الابتعاد عن "حركة الجهاد الإسلامي" قبل أن يُفصل نهائيا عنها.

7- مقاومة العدو: العمليات الاستشهادية والعمليات الأخرى

تميّزت فترة انتفاضة الأقصى بعدد العمليات الاستشهادية الى هزّت أمن الكيان الصهيوني وجعلته يتألم كما يتألم الشعب الفلسطيني. لم تنجح كل العمليات التي خطط لها المجاهدون، وذلك لأسباب كثيرة، منها قلة الخبرة في تجهيز المتفجرات، وملاحقة العدو والأجهزة الأمنية الفلسطينية للمجاهدين، حيث ضاقت مساحة العمل والتحرك كلما تقدّم الزمن، لا سيما بعد 2005. تشير سِيَر المجاهدين أن الاستشهاديين كانوا يلحّون على المسؤولين لتجنيدهم وإرسالهم في هذه العمليات، وأنهم كانوا واعين تماما لما كانوا يقومون به، حتى آخر لحظة من حياتهم، لم يجنّدهم أحد غصبا عن إرادتهم، بل على العكس، لقد رفض المجاهدون عدة مرات إرسال استشهاديين بسبب أعمارهم أو وضع عائلاتهم، فقد كان يتم دراسة كل حالة بتمعّن قبل الموافقة على العملية.

اختار العديد من المجاهدين مقاتلة العدو بطرق مختلفة، منها الكمائن المنصوبة على طرقات الضفة الغربية، أو اقتحام المستوطنات واغتيال المستوطنين، أو قنصهم، أو الاشتباك مع العدو في حال الهجوم أم الدفاع عن النفس. تنوعّت الأساليب والأسلحة وعدد الأفراد في المجموعات المقاتلة. فكانت كل مجموعة تدرس امكانياتها وظروفها، وتخطط لتكبيد العدو أكبر عدد ممكن من الخسائر.

في مدينة قلقيلية يروي المجاهد سامح الشوبكي أن قيادة الحركة كانت تفضّل، حتى العام 2003،  تعميق العمل السياسي في المدينة حيث لم تترسخ فيها الحركة بعد، قبل الانتقال الى العمل العسكري، خاصة وأن عددا من العمليات كانت بحاجة الى خبرة أكبر. ولكن بعد إقامة الجدار وشارع "عابر اسرائيل" على أراضي قلقيلية، قام المجاهدون بعملية جريئة تطلبت عدة شهور من التحضير في العام 2003 تقضي بالهجوم على الدوريات الصهيونية في شارع "عابر اسرائيل" بعد التسلل عبر نفق أسفل الجدار. استهدفت المجموعة سيارة جيب للمستوطنين بإطلاق النار عليها وانسحبت من الموقع عبر النفق الذي لم يتم كشفه قبل ساعات طويلة، مما أدى الى إرباك أمني في الكيان. لم تعلن "سرايا القدس" عن العملية إلا بعد اسبوع.

في 2005، قرّر الأسير مهنا زيود إطلاق نار على مستوطنة زابد التي تبعد عن بلدة سيلة الحارثية كيلو مترين، ساكنوها من المستوطنين الشرسين. أصاب العديد منهم بالرصاص. ومن بين العمليات الجريئة، تلك التي أصابت مستوطني "عتنائيل" والتي نفذها في 27/12/2002 المجاهدان الشهيدان أحمد الفقيه ومحمد شاهين (بلدة دورا، محافظة الخليل)، حيث قتل عدد من المستوطنين.

8- الإخفاقات والعملاء

لقد أخفق المجاهدون في عدد كبير من العمليات التي كانوا ينوون القيام بها، وأسباب هذه الإخفاقات كثيرة: قلة الخبرة، حيث دشّن أكثريتهم عملهم الجهادي في تلك الفترة، ما بين أواخر التسعينيات من القرن الماضي وبداية انتفاضة الأقصى. وقلة الإمكانيات، فقد كانت السيارات المستخدمة تتعطل مرارا، كما حصل مع الأسير محمد حسين فايز جرادات يوم كان يخطط لتوصيل استشهادي الى مكان العملية. ومع مرور الوقت، ازدادت يقظة الصهاينة الذين غيّروا مسارات دورياتهم وأصبحوا يتنقلون في أماكن غير اعتيادية، يفاجئون المجاهدين بها، كما حصل مع مجموعة الشهيد لؤي السعدي التي كانت تستعد لتفجير حافلة في معسكر "مابودوتان"، فإذ تفاجأ يوم 25/2/2005 بمرور قوة صهيونية كبيرة حاصرت المجاهدين الذين اضطروا الى الفرار، تاركين وراءهم السيارة المفخخة. خلال عملية استشهادية في مستوطنة نتانيا، شارك الأسير بهاء يوسف شبراوي في تحضيرها، لم تنفجر العبوة الناسفة، إذ كان فيها خلل، ولكن تبيّن بعد تفجيرها من قبل الشرطة الصهيونية، انها كانت شديدة الفعالية.

أعاقت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية العمل الجهادي في الضفة الغربية، فكانت تضيّق على المجاهدين وتفسد تنقلاتهم وتمنعهم من اللقاء وتلاحقهم وتزجهم في سجونها. لم تكن تلاحق فقط مدبّري العمليات الاستشهادية، وتحاول منع وقوعها، بل كانت تحاول منع أي عمل جهادي ضد الاحتلال، ولم تخفّ الملاحقات والتضييقات إلا فترة قصيرة، مع بدء انتفاضة الأقصى. عانى عدد كبير من المجاهدين من تصرفات الأجهزة الأمنية، من مختلف التنظيمات، إلا أن مجاهدي "سرايا القدس" ذاقوا الأمر من هذه الملاحقات، ولم يفلت منها إلا القليل. بعد أن تمكّن من الهروب من السجون الصهيونية، كوّنت السلطة جهازا خاصا لملاحقة القائد الجهادي صالح طحاينة (سيلة الحارثية)، وتم استدراجه الى رام الله حيث وجد مقتولا في شقة خُصصت له.

اعتُقل الأسير زيد بسيسي مرات عدة في سجون السلطة وفي إحدى المرات، استمر التحقيق معه 65 يوما. لقد تم اغتيال القائد الشهيد إياد حردان عندما كان محتجزا في مقر السلطة في مدينة جنين لدى الأجهزة الأمنية. وضايقت هذه الأجهزة عمل الأسير القائد علي الصفوري وحاولت تشويه سمعته أمام الجمهور الفلسطيني.

تجدّد نشاط هذه الأجهزة بعد العام 2005، فكانت تحبط العمليات الاستشهادية التي كانت تعلم بها، من خلال العملاء لديها، كما حاولت زرع عميل في "سرايا القدس" لمعرفة مخططات التنظيم.

لكن مثّلت ظاهرة العملاء الخطر الأكبر على المجاهدين، وهم من النفوس الضعيفة التي استطاع العدو تجنيدها، قبل وخلال انتفاضة الأقصى. كانوا يتابعون نشاط المجاهدين في منطقتهم، ويستدرجونهم الى أماكن يسهل اعتقالهم من قبل الأجهزة الصهيونية، كما استدرج العميل محمود الكمال من مصمص (الداخل المحتل) القائد صالح طحاينة ليتم اصابته ثم اعتقاله. واستدرج عميل آخر الأسير بهاء شبراوي بحجة شراء أسلحة، الى خارج مدينة طولكرم ليتم اعتقاله، في العام 2001. وقصة المجاهدين مع العملاء طويلة، وتم التعامل معهم بطرق مختلفة بعد كشفهم وضبطهم. لكن الأسير أمين أحمد جميل شقيرات (السواحرة، محافظة القدس) قرّر اغتيال العميل بعد خطفه "خلافا للتعليمات"، لأنه تحوّل من العمالة للشاباك الى العمالة للموساد، واخترق "منظمة التحرير الفلسطينية".

في الختام، يتضح من خلال سيَر المجاهدين المعتقلين في سجون العدو، أن عائلات الضفة الغربية، بما فيها القدس، قدّمت الكثير من أجل حرية الوطن وإعلاء صوت الحق في فلسطين، ولم تبخل يوما عن أداء الواجب اتجاه شعبها ومعتقداتها. لقد تعثّرت المسيرة الجهادية بعد موافقة السلطة الفلسطينية على الإملاءات الخارجية والصهيونية، التي طالبتها بمواجهة وملاحقة المجاهدين ومنع المقاومة من ضرب الاحتلال. ولكن، وبسبب فشل البديل عن المقاومة التي حاولت السلطة تقديمه الى الشعب الفلسطيني، تبقى المقاومة الوسيلة الوحيدة لتحرير الأرض من الغزاة، بشرط أن لا يتم اختطاف المسيرة النضالية والجهادية واستثمارها في مشاريع سياسية مشبوهة، كما حصل مع انتفاضة الحجارة واتفاقيات أوسلو، أو مع انتفاضة الأقصى ومشاريع التهدئة لبناء "الدولة" ومؤسساتها.

إن انتقال ثقل المقاومة من الضفة الغربية الى قطاع غزة، بعد 2005، وتطوير الأسلحة والصواريخ التي باتت تضرب تل أبيب وغيرها من المستوطنات الصهيونية، لا يغني عن تطوير المقاومة في الضفة الغربية وكافة الأراضي الفلسطينية، لا سيما وأن الخطر الصهيو-أميركي لابتلاع الضفة الغربية، بما فيها القدس، واضح، كما صرّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مذكرا "أن المشروعَ الصهيوني قام على أساس أن الدولة اليهودية أساسها ومركزها الضفة الغربية، وما أطلقَ عليه اليهود اسم "يهودا والسامرة"". المطالبة الشعبية بوقف التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والعدو الصهيوني، الذي يشكّل خطرا على مستقبل الأرض والقضية والشعب، تمثّل أهم الشروط لتطوير هذه المقاومة، ولا بدّ أن يكون السعي لتحرير كل الأبطال من سجون الاحتلال، بكل الطرق الممكنة، ضمن أولويّات العمل الجهادي.

انشر عبر
المزيد