تجويع الفلسطينيين في لبنان قرار سياسي

17 تموز 2019 - 01:13 - الأربعاء 17 تموز 2019, 13:13:17

إضراب
إضراب

وكالة القدس للأنباء - متابعة

بقلم: راغدة عسيران

منذ اشتعال قضية عمل الفلسطينيين في لبنان، بعد إقفال عدد من المحلات وورش يملكها فلسطينيون، من قبل وزارة العمل، صدرت بيانات وتصريحات تناقش قانونية وشرعية قرارها بفرض إجازة عمل على الفلسطينيين الذين يعملون ويفتحون متاجر ومشاغل. يتمسك الوزير كميل أبو سليمان بقراره حتى الآن، مرددا أنه يوافق فقط على تخفيف العبء المالي على "إخواننا" الفلسطينيين، وأنه سيمدّد المهلة للحصول على هذه الإجازة.

في المقابل، فهم الفلسطينيون وإخوانهم اللبنانيون تماما أن المسألة ليست قانونية، بل سياسية أولا، ولذلك رفضوا وسيرفضون وسيواجهون هذا القرار المذلّ (للجانبين اللبناني والفلسطيني) وسيمنعون تطبيقه.

يختبئ وزير العمل وراء القانون ويناقشه البعض، مسؤولون سياسيون وصحافيون، حول قانونية وشرعية هذا القرار، لتصبح القصة متداولة بين أخصائيين قانونيين، يرجعون الى أرقام وقوانين ومراسيم سابقة للتأكيد على وجهة نظرهم، في حين أن كل الخطاب القانوني المؤيد أو المناهض لقرار وزير العمل لن يقدّم أو يؤخّر شيئا، لأن من اتخذ القرار بتطبيق "إجازة العمل" على الفلسطينيين في لبنان، في الظروف الحالية، يعرف تماما أن خطوته هي سياسية بالمقام الأول، يلفها بخطاب قانوني لتعزير موفقه وموقف كل الذين يحاربون الوجود الفلسطيني في لبنان ويلتفون على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم المسلوب.

القرار سياسي لأنه ينكر صفة اللجوء، وهذا ما تطمح اليه الإدارة الأميركية التي وضعت خطة لتجويع الفلسطيني لإرغامه على الموافقة على تصفية قضيته. القرار سياسي لأنه يتنكّر الى العلاقة التاريخية بين أبناء الأمة، ومنهم الفلسطينيين واللبنانيين، والى العلاقة الأخوية التي جمعتهم وتجمعهم في محاربة العدو الصهيوني ومشاريعه في المنطقة. القرار سياسي لأنه يتنكّر لمسألة اللجوء الفلسطيني، والنكبة التي سبّبت هذا اللجوء، كما ينتكّر لعروبة لبنان لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار واجب لبنان اتجاه اللاجئين، أي أولا استضافتهم بكرم، ثم مساعدتهم وتأمين لهم حياة كريمة (وكرامة الفلسطيني من كرامة كل عربي، أي كل لبناني لا يتنكّر لعروبته)، ثم العمل سويا لتثبيت حق عودتهم الى وطنهم ودعم مساعيهم لتحرير فلسطين، الأرض العربية المحتلة.

لكن، منذ اتفاقيات "أوسلو" وما تبعها من تراجع عربي، حيث اعتبرت كل دولة عربية أنها غير ملزمة باستعادة فلسطين، وأن خطابها "الوطني" يكفي، لأنها تتمسك بما يسمى "الشرعية الدولية" وخطابها القانوني، أصبحت العلاقة بين الشعوب العربية، من وجهة النظر الرسمية، تمرّ عبر القوانين الدولية، ولم يعد التاريخ المشترك والجغرافيا الجامعة ومواجهة العدو المركزي، لها أي قيمة، على عكس ما يشعر به المواطنون العرب في كل مكان.

انطلاقا من هذا الفصل التعسفي بين الدول العربية وقضاياها، اتخذت الدولة في لبنان قرارات تمنع اللاجئين من الحصول على حقوق تتيح لهم العيش بكرامة بانتظار العودة الى الوطن، التي لن تؤمنها إلا المقاومة المسلحة والدعم العربي والإسلامي لها. فهي الطريق الأسرع لحلّ كل القضايا العالقة في المنطقة، أهمها قضية اللاجئين التي قد تعاني منها بعض الدول.

في لبنان، منع الفلسطيني من العمل في عدة مجالات، ومنع من التملك، ومنع من حقوقه الاجتماعية والسياسية، بحجة منع "التوطين". تم حصر الفلسطينيين في المخيمات لكي لا يخرج صوت فلسطين والمقاومة الى خارجها، ولا يتشارك مع اللبناني هموم الوطن المسلوب. وبدلا من دعم حق العودة في أروقة الأمم المتحدة وفي الاجتماعات الدولية الخاصة بلبنان، وفي الاجتماعات مع المسؤولين في الولايات المتحدة والدول الغربية، تمسك السياسيون ب"رفض التوطين"، علما أن رفض التوطين لا يعني تلقائيا دعم حق العودة، بل يفترض أيضا امكانية الترحيل. الى أين ؟

بين رفض التوطين ودعم حق العودة، فرق شاسع يعبّر عن رفض لبنان الرسمي تحمّل مسؤولياته اتجاه اللجوء الفلسطيني والقضية الفلسطينية. 

التمسك بالخطاب القانوني لمواجهة قضية سياسية، أي وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وحقوقهم الاجتماعية والمدنية والسياسية، هو بمثابة غطاء لمواصلة سياسة التضييق على الفلسطيني وتجويعه، بهدف ترحيله عبر القنوات الشرعية وغير الشرعية، والقضاء على حقه بوطنه الكامل، من الناقورة الى أم الرشراش، ومن النهر الى البحر.

هذا ما فهمه تماما الفلسطينيون في احتجاجاتهم الحالية، لأن المسألة ليست قانونية، بل سياسية، تمس حقه بوطنه ورفضه لـ"صفقة القرن" وتبعاتها الاقتصادية. لقد رفضت الدولة اللبنانية هذه الصفقة، ولكن قرار وزير العمل بالتضييق على الفلسطينيين واعتبارهم "عمال أجانب" يتماشى معها، رغم التصريحات "الوطنية" الجامعة التي صدرت مؤخرا عن الكل السياسي.

لتكن هذه الأزمة الأخيرة فاتحة لتأمين كافة حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فتكون الدولة اللبنانية قد اتخذت قرارها بدعم الشعب الفلسطيني في تصديه لهذه الصفقة، عندما تلغي قرار وزير العمل وتؤمن له كافة حقوقه، لأن التصريحات لم تعد تكفي أمام الهجمة الصهيو-أميركية على المنطقة.

انشر عبر
المزيد