الأسير المحرّر أمير مخول: أسعى لإبراز حياة الاعتقال

10 تموز 2019 - 11:50 - الأربعاء 10 تموز 2019, 11:50:44

الداخل المحتل - وكالات

مرّ أكثر من شهرين على تحرير الأسير أمير مخول في 5 مايو/أيار الماضي، بعد قضائه تسع سنوات في المعتقلات "الإسرائيلية"، بعد إدانته بالتعاون مع "حزب الله". مخول الذي بدأ مسيرته السياسية والنضالية في الحركة الطلابية للداخل الفلسطيني أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، نشط في مجال المجتمع المدني وبناء جمعيات أهلية فلسطينية في الداخل (المحتل عام 48). شغل حتى اعتقاله ودخوله السجن منصب مدير عام جمعية "اتجاه"، ثم بات أول رئيس للجنة الحريات في لجنة المتابعة لفلسطينيي الداخل. وكانت له صفة استشارية خاصة في الأمم المتحدة. وتلقى مخول آلاف الرسائل من المتضامنين معه في العالم التي أرسلت إلى منزله ولم يرها خلال فترة أسره، كما يواصل استقبال المهنئين بتحريره.

ولد أمير مخول في قرية البقيعة في الجليل الغربي عام 1958 وانتقل للعيش بحيفا عندما بدأ دراسته في جامعة المدينة عام 1979، متخصصاً في موضوع علم الاجتماع. عُرف بنشاطه السياسي في الجامعة، وكان رئيس الحركة الطالبية في الجامعات بين عامي 1981 و1986، ثم نشط في الحزب الشيوعي وبعدها حركة الميثاق والمساواة وبعدها كان من مؤسسي التجمع. شارك مخول أيضاً في المؤتمرات والندوات الدولية وترأس وفداً فلسطينياً في مؤتمر دوربان في جنوب أفريقيا ضد العنصرية عام 2001، فدافع عن الحقوق الفلسطينية، معرّياً سياسات التمييز العنصري لدولة الاحتلال. كما شغل منصب رئيس لجنة الحريات في لجنة المتابعة العليا لشؤون الفلسطينيين في الداخل إلى أن تم اعتقاله.

اعتُقل أمير مخول عام 2010 بعد منعه من مغادرة البلاد، ولفّق له الاحتلال تهماً أمنية بالاتصال بـ"حزب الله" والتجسس لصالحه. وجاء تلفيق الملف الأمني في سياق سياسة الاحتلال في تلك السنوات بتضييق الخناق على النشطاء الفلسطينيين من الداخل، وتجريم أي اتصال بينهم وبين أفراد وجمعيات من الوطن العربي. وأصدرت المحكمة المركزية في حيفا في 30 يناير/كانون الثاني 2011 حكمها على مخول، بالسجن الفعلي مدة 9 سنوات، وسنة إضافية مع وقف التنفيذ.

تحدث مخول في منزله لـ"العربي الجديد"، فقال إن "أهم ما ينقصنا في المعتقل هو توسيع الهامش الموجود في داخل السجن، لأن الحرية هي الهدف الأساسي. وهذا الهامش يتطلب أحياناً معرفة الحصول على حقوق معينة. السجّان لا يتعامل مع الحقوق كحق بل يتعامل معها كصلاحية له. وهو سيد نفسه في السجن، حتى حين يذهب الأسير ليرافع قانونياً ضد السجن في محكمة إدارية، لكنه عملياً يُعَاقّب في السجن لأنه قدّم شكاوى ضده. الأسير بحاجة دائماً إلى التقليل من حالة الحصار الموجود فيها. وأهم مطلب في الصيف هو التخلص من الحر القاتل، فالأسرى يطالبون بالتهوئة المعقولة وتوفير المياه الباردة في المرافق العامة".

وأضاف أن "التفاصيل هي أهم ما يؤثر في حياة الأسير اليومية، مثل وصول الخبز في الوقت المحدد صباحاً، وألا تكون المواد الغذائية سيئة، بل نحاول إرجاعها حتى إحضار بديل عنها، ويصل الأمر إلى حدّ تنظيم احتجاج أو إضراب. ومن التفاصيل هو عدم التأخر في إحضار رسائل البريد، لأن الأسير يعلم أنه أرسلت له الرسائل ولم يستلمها بعد. الزيارات هي خط أحمر عند الأسير، خصوصاً في التعامل مع عائلات الأسرى. وعندما نسمع عن إهانة عائلة في التفتيش، نتخذ إجراء احتجاجيا مثل إعادة جماعية لوجبات الطعام أو إغلاق القسم، ونرفض الخروج إلى الساحة. والمحتل يخشى الخطوات الجماعية، حتى لو كنا نعاقب أنفسنا فيها، لكن مردودها سياسي ولها مفعول قوي، لقدرتها على إرهاب السجان".

بالنسبة إلى مخول أن "السجن منفى كبير. والمنفى في المكان صعب جداً، خصوصاً بانقطاع الأسرى عن عائلاتهم. السجن صعب جدا على والدي الأسير. وفي إطار جدران يفرضها سجان وتحت علم "إسرائيل"، كان تحدّي المنفى هو الصمود والبقاء وأيضاً تطوير المناعة الجماعية، في فهم كيفية عمل السجان والاستعمار ودولة الاحتلال. في نهاية المطاف، أن ما يعزز وجود الإنسان وحضوره، هو قدرته على التأقلم ومنح ذاته معنى. السجن هو فراغ، إما يملأنا هذا الفراغ بالفراغ وإما نملأه بالمعنى. نحن نبني ذاتنا وكياننا في السجن وليس السجان. هو يملك القدرة على القهر ونحن نملك القدرة على تحرير الذات".

وتابع مخول "من يستطع التأقلم داخل السجن يستطع التأقلم أسرع خارجه، ولكن الصعوبة في السجن تكمن بمن لا يقرأ. هناك سياسة إلهاء لدى استخبارات السجون، مثلاً يمكننا مشاهدة أفلام لكنهم حجبوا عنا في المقابل كل شيء إلا فضائية العربية وأحياناً محطة "إسرائيل" بالعربي أو محطة فلسطين الرسمية. الأخيرة جيدة ولكنها ضعيفة نسبياً من الناحية الإعلامية. مع العلم أنه في السجون حالة أمية منتشرة للأسف. إجمالاً المتعلمون والأغنياء لا يدخلون السجون. عملت كثيراً في السجن في التعليم ومحو الأمية. وصلتنا حالات بدت المعرفة باللغة العربية فيها معدومة. ونحن نتحدث عن فئات عمرية بين 18 و22 سنة وأحياناً أكبر. هناك عدم معرفة في الجغرافيا السياسية لفلسطين، إذ لا يعرفون حدود فلسطين، ولا يعرفون ماذا يعني عرب 1948. أغلب الأسرى من الجيل الذي نشأ ما بعد الجدار لكنه بات واضحاً بالنسبة لي اليوم أن الجدار مزروع في وعيهم".

واعتبر مخول أن "هؤلاء الشباب هم ضحايا الوضع الفلسطيني العام وضحايا الوضع الفلسطيني

الداخلي. فقد قال لي أحد الطلاب إن (مدير المدرسة في القدس قال له تغيّب عن المدرسة ونحن نسجل حضورك. وبعدها هربت من البيت إلى السجن)". ورأى مخول أن "الواقع الفلسطيني اليوم خطير داخلياً أكثر من المواجهة مع "إسرائيل". داخلياً إذا لم نكن أقوياء نكون معرضين لأي ابتزاز احتلالي.

"إسرائيل" تستغل ذلك جيداً فتخلق هويات داخلية أو تعزز الهويات الموجودة على مستوى مدن، مدينة مقابل مدينة، فأقسام السجون موزعة بحسب أسماء المدن: قسم نابلس وقسم جنين وقسم قلقيلية وقسم الخليل وغيره". وكشف مخول أنه "كنت أقرأ في السجن، والكتب التي استلمتها كانت من دون غلافها الخارجي، وفقاً لقوانين السجن ومن منطلقات أمنية. حصلت على آلاف الرسائل من المتضامنين من المجتمع الدولي من مختلف أنحاء العالم، وتلقيت رسائل من المجتمع الفلسطيني، حتى أن "الإسرائيليين" المعادين للصهيونية عبّروا عن تضامنهم معي".

وعن عمله في المستقبل وكيف يراه قال مخول: "سأعود إلى الحياة العامة في الداخل الفلسطيني وعلى مستوى الشعب الفلسطيني وعلى مستوى الحضور العربي. وسأحاول استرجاع جزء من حضوري العالمي بمفهوم الكتابة والتفاعل وإلقاء المحاضرات، والتواصل مع حركات التضامن على تنوعها. وأصبو إلى إبراز حياة الاعتقال وكل النماذج التي تطورها "إسرائيل" للسيطرة على الشعب الفلسطيني بغية تشتيت قضيته. سأصدر كتابا يروي تجربتي في الأسر، لكنني أبحث عن تمويل لأني لا أعمل حالياً".

وشدّد مخول على أنه "مستقل، لأنني غير موجود في إطار حزبي بل متحيز للقضية الفلسطينية، ولقضايا المرأة. لدي علاقة قوية وجيدة مع كل التيارات، وقد انعكس ذلك في مهرجان استقبالي الذي كان جامعاً لكل القوى السياسية والاجتماعية. وهو أمر مهم بالنسبة لي".

لا يغفل أمير مخول أهمية البعد العربي والتأييد العربي للشعب الفلسطيني وقضيته، ويعتبر ذلك من أهم ما يحتاجه الشعب الفلسطيني: "ما نحن نحتاج إليه كشعب فلسطيني هو البعد العربي الذي يجب عدم إهماله، وفي الداخل الفلسطيني نحن بحاجة إلى كل القوى الموجودة، وإلى تعزيز كياننا كجزء منظم من الشعب الفلسطيني. اليوم أعتقد أن أكثر جزء منظم في الشعب الفلسطيني هو في أراضي 1948. هناك تعويل كبير في بناء الأمل على التضامن مع الأسرى انطلاقاً من أراضي 1948، أكثر من أي طرف فلسطيني آخر، وذلك لأننا في الداخل تجاوزنا موضع التجزئة الكبيرة بين فتح وحماس. من ينظر إلى لجنة المتابعة (لجنة جامعة لشؤون العرب في الداخل) ورغم الانتقادات لها، إلا أنه لا يمكن إغفال كونها تنظيما كيانيا لجزء من الشعب الفلسطيني، ولد من خلال نضال هذا الشعب بعد يوم الأرض. فنحن في حاجة للحفاظ على الكيان لكونه مرجعية طوعية لا تلزم أحدا، ولكننا جميعنا نلتزم أن نكون جزءا من هذه المرجعية الطوعية وهي أهم من القائمة المشتركة بكثير".

المصدر: العربي الجديد اللندنية

انشر عبر
المزيد