أطفال غزة والضفة في القدس المحتلة.. رحلات علاج مؤلمة بين المستشفيات

05 تموز 2019 - 11:07 - الجمعة 05 تموز 2019, 11:07:55

أطفال غزة والضفة
أطفال غزة والضفة

وكالة القدس للأنباء - متابعة

انتقال أطفال قطاع غزة المحاصر إلى مستشفيات القدس المحتلة بحثاً عن علاجات تختلف طبيعتها، أمر شاق، ولا سيّما أنّ هؤلاء يعانون من جرّاء الأمراض التي أنهكت أجسادهم الصغيرة.

في مستشفى المطّلع -أوغستا فيكتوريا-، كانت الطفلة سارة أسامة أبو ضباع، من مدينة رفح في قطاع غزة المحاصر، تتلقّى علاجها، برفقة جدّتها التي سمحت لها سلطات الاحتلال (الصهيوني) بالبقاء مع حفيدتها الصغيرة طيلة فترة العلاج بدلاً من أمّها، شأنها شأن أطفال آخرين من غزة انتقلوا إلى القدس المحتلة للحصول على علاج ما. وتلك السلطات تمنع الأمهات والآباء من مرافقة أولادهم لـ"دواعٍ أمنية"، بحسب ما تدّعي.

سارة مصابة بسرطان الدم وهي تحت رعاية الجدّة وفاء أبو ضباع التي لا تخفي ألمها، في حين تخبر "العربي الجديد" عن حال حفيدتها التي تُكثر السؤال عن أمّها البعيدة عنها، شارحة أنّها "لم تتمكّن من مغادرة القطاع بسبب قيود الاحتلال ولأنّها مسؤولة كذلك عن أفراد الأسرة الباقين". تضيف الجدّة أنّ "الهاتف الخلوي هو وسيلة التواصل الوحيدة بين سارة وأمّها"، مؤكدة أنّ "الصغيرة تفرح حين تتحدّث إليها. لكنّها تنزوي في بعض الأحيان، ولا ترغب في التحدّث إلى أيّ كان حتى أمّها، مفضّلة البقاء في سريرها والنوم".

محمد سامر عبد الحميد طفل آخر من غزة، كان قد انتقل إلى القدس المحتلة قبل مدّة برفقة جدّته لأمّه بهدف الخضوع لعملية جراحية في مستشفى المقاصد، تكللت بالنجاح. تخبر الجدّة "العربي الجديد" أنّ "الاحتلال لا يسمح إلا لكبار السنّ بمرافقة أطفال غزة، ونحن من جهتنا بتنا ندرك شروط الاحتلال المتعلقة بالمرافقين.. الجدّة أو الجدّ أو عمّة متقدّمة في السنّ أو غيرهم". تضيف: "تأقلمنا مع تلك الشروط على الرغم من معرفتنا بالأثر السلبي الذي يخلّفه في نفوس أطفالنا بسبب بعدهم عن والدَيهم. لكنّ المهمّ بالنسبة إلينا هو الوصول إلى القدس وتلقّي العلاج". يُذكر أنّ محمد وجدّته اللذَين كانا يهمّان بالعودة إلى غزة، سوف ينتقلان إلى القدس من جديد بعد أربعة أشهر لمزيد من الفحوصات الخاصة بالصغير المتحمّس للقاء والدَيه قريباً.

سارة ومحمد من الأطفال الناجين، فيما تتعدّد قصص صغار لم يحالفهم حظّ الأوّلَين. عائشة اللولو، من جهتها، تلقّت في مستشفى المطّلع - أوغستا فيكتوريا- علاجاً أوليّاً قبل أن تعود إلى عائلتها في غزة وتُعلَن وفاتها هناك قبل نحو شهرين. وقد أثار ذلك حالة من الحزن والغضب الشديدَين في أوساط الفلسطينيين الذين رأوا أنّها توفيت في ظروف غير عادية سببها منع الاحتلال أمّها من مرافقتها إلى القدس، فعادت من هناك لتفيض روحها في حضن والدَيها. يُذكر أنّ قصّة عائشة سلّطت الضوء على معاناة عشرات من أطفال غزة المصابين بأمراض الكلى والسرطان وغيرها والذين يتلقون علاجاتهم في مستشفيات القدس، وتحديداً في مستشفى المطّلع برفقة جدّات وعمّات، بينما يُحظر على الأمّهات والآباء دخول القدس، علماً أنّ الاحتلال لا يوضح ماهيّة الخطر الذي تتسبب فيه أم أو أب من حقّهما أن يرافقا طفلهما المريض في خلال علاجه للاعتناء به وتقديم الدعم النفسي إليه.

أطفال الضفة الغربية

لا تختلف حال أطفال الضفة الغربية المحتلة المرضى عن حال أقرانهم من قطاع غزة المحاصر الذين يتلقّون علاجاتهم في مستشفيات القدس المحتلة، فرحلاتهم تتشابه لجهة التعب الذي تتسبّب به وكذلك الشقاء الذي يخبره الصغار وكذلك مرافقيهم. ولا يمكن هنا إهمال معاناة الأمّهات والآباء الذين يعجزون عن مرافقة أولادهم، حتى لو كان هؤلاء يقضون أيامهم الأخيرة.

في مستشفى المطّلع، ترقد منذ أشهر الطفلة ليال جمال سعد، من قرية المزرعة الشرقية الواقعة بالقرب من رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، هي تعاني من سرطان الدم نفسه، ولم يُسمح لأمّها بمرافقتها لـ"دواعٍ أمنية" كذلك. لا تدرك العائلة شيئاً عن تلك الأسباب أو الدواعي غير أنّ الأمّ هي شقيقة مناضل وأسير فلسطيني محرّر من ضمن صفقة "وفاء الأحرار"، وقد أُبعد إلى غزة وما زال مقيماً هناك بعيداً عن عائلته.

المرض الخبيث جمع بين الفلسطينيتَين الصغيرتَين سارة وليال، فالتقتا في القدس عند أعلى الجبل الذي يطل على بلدتها القديمة. من جهتها، تمضي ليال وقتاً طويلاً أمام لعبتها الإلكترونية المفضلة في ذلك المستشفى، علماً أنّ عمّتها رافقتها في رحلة علاجها. وتتحدّث العمّة لـ"العربي الجديد" عن ألم أمّ ليال العاجزة عن مرافقة ابنتها والبقاء إلى جانبها في مرضها، فتخفف عنها وترفع معنوياتها. تضيف: "أتناوب مع شقيقتي على مرافقة ليال، نظراً إلى منع الاحتلال أمّها من ذلك. لكنّ الأخيرة تتصل باستمرار للاطمئنان على الصغيرة، كذلك الأمر بالنسبة إلى أبيها العاطل من العمل".

مرافقون في حاجة إلى عناية

تلقّي العلاج وتحديد مواعيده في مستشفيات القدس المحتلة ليسا أمراً سهلاً ولا بديهياً، فالمرضى الصغار في حاجة إلى موافقة مسبقة قد تتطلّب وقتاً طويلاً. وإلى حين إصدار التحويلة بذلك، يضطرون إلى الانتظار على مدى بضعة أشهر. الأمر ينطبق كذلك على مرافقيهم، الذين لا يحصلون على موافقة إلا بعد ثمانية أشهر في بعض الأحيان، وهي معاناة تضاف إلى ما يشعر به الأطفال المرضى من ألم أو معاناة نفسية نظراً إلى بعدهم عن ذويهم.

في مستشفى المطّلع، يتلقّى 25 طفلاً مصاباً بأمراض الكلى و45 آخرون مصابون بالسرطان علاجهم. وهؤلاء حُرموا من مرافقة أقاربهم من الدرجة الأولى، أي أحد الوالدَين، فيما تسمح سلطات الاحتلال لكبار السنّ من أقاربهم فقط بمرافقتهم.

وتشير في السياق مسؤولة قسم الأطفال في مستشفى المقاصد، الممرضة سمر سعيد، التي ترأس طاقماً تمريضياً مؤلفاً من 22 ممرّضة، إلى أنّ "بعض هؤلاء المرافقين تجاوز السبعين من عمره". وتوضح سعيد لـ"العربي الجديد"، أنّ "المرضى يصلون إلينا وهم غالباً في ظروف صحية سيئة، الأمر الذي يتطلب عناية خاصة جداً بهم، وكذلك اهتماماً بمرافقيهم من كبار السنّ. لا بدّ من تقديم المساعدة إلى المرافقين حتى يتمكّنوا من الوقوف إلى جانب الأطفال المرضى". تضيف أنّ "كثيرين من المرافقين مصابون بأمراض من قبيل ارتفاع ضغط الدم والسكري، بالتالي نحن ملزمون بتقديم العلاج لهم". وتؤكد سعيد أنّ "مرافقة الطفل المريض من قبل أحد والدَيه تؤمّن له الراحة والمساعدة في علاجه والدعم النفسي".

وجود الأهل داعم نفسي للطفل المريض

يتفق رئيس طاقم التمريض في قسم الأطفال بمستشفى المطّلع، محمد قباجة، مع ما ذكرته سعيد حول مرافقي الأطفال المرضى، مشدداً على معاناة الصغار من جرّاء عدم وجود أمهاتهم أو آبائهم إلى جانبهم، سواء أكانوا من قطاع غزة المحاصر أم من الضفة الغربية المحتلة ويتلقون علاجهم في مستشفيات القدس.

ويتحدّث قباجة لـ"العربي الجديد" عن الطفلة سارة أبو ضباع من رفح ومعاناتها، مشيراً إلى أنّ "المشكلة الأساسية التي نواجهها تتمثل في عدم وجود أمّها معها". ويؤكد قباجة أنّ "وجود الأمّ هو داعم نفسي وعامل رئيسي في مساعدة الطبّ بالعلاج"، قائلاً إنّ "سارة أدخلت إلى المستشفى للمرّة الأولى في 28 يناير/ كانون الثاني الماضي، وكانت ترافقها حينها أمّها، قبل أن ترافقها جدّتها لأبيها لاحقاً. وأخيراً، لم تعد الصغيرة تتفاعل مع مرافقتها ولا مع الفريق العامل في المستشفى الذي يقدّم كل ما في استطاعته لتوفير أفضل ظروف العلاج لها".

الحال مشابهة بالنسبة إلى الطفلة ليال سعد، من المزرعة الشرقية، المحرومة من مرافقة أمّها منذ البداية. ويوضح قباجة أنّ "ليال منعزلة اجتماعياً، على الرغم من تناوب اثنتَين من عمّاتها على رعاية شؤونها، ويعود ذلك إلى أنّ علاقتها مع العمّتين اضطرارية". ويؤكد قباجة أنّ "الأطباء والممرضين وموظفي الخدمة الاجتماعية يعملون معاً لتعويض الفراغ لسارة وليال وغيرهما من الأطفال المرضى، لكنّهم لا يستطيعون توفير ما تقدّمه الأمهات لأطفالهنّ".

(المصدر: العربي الجديد اللندنية)

انشر عبر
المزيد