لا يمكن للمال شراء حبّ الفلسطينيين

01 تموز 2019 - 03:19 - الإثنين 01 تموز 2019, 15:19:24

وكالة القدس للأنباء - ترجمة

باريس ــ جاء في الكتاب: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"؛ هكذا يقول يسوع في إنجيل متى ــ الأصحاح الرابع، الفقرة الرابعة. غير أن حكمة الكتاب المقدس، على ما يبدو، قد غابت عن منظمي المؤتمر الاقتصادي الذي عُقِد يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من حزيران/يونيو في البحرين، حيث عرض جاريد كوشنر، صِهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره الأساسي لشؤون السياسة الخارجية، أخيراً، الخطوط العامّة لخطته التي حملت عنوان: "من السلام إلى الازدهار"، بهدف إنهاء الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني.

اقتصرت محادثات المنامة على "البُعد الاقتصادي" من الخطة ــ بعبارة أخرى، وضعت الجزرة قبل العصا. تقضي الخطة بتوفير 50 مليار دولار على مدار عشر سنوات للمنطقة (أي ليس للفلسطينيين فقط)، مع تحميل دول الخليج الثرية قسما كبيرا من الفاتورة. من المتوقع أن يُقَدَّم الشِق السياسي الأكثر صعوبة من الاتفاق الخريف المقبل، بمجرد أن تتولى حكومة "إسرائيلية" جديدة السلطة بعد الانتخابات المقررة في السابع عشر من أيلول/سبتمبر.

شبّه بعض المعلقين الأميركيين المقربين من إدارة ترمب خطة كوشنير بخطة مارشال التي قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وفقاً لذلك، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أنقذت أوروبا الغربية من الشيوعية والإمبريالية السوفييتية خلال الحرب الباردة، توشك أخيراً على القيام بعمل شجاع بالمقدار نفسه في الشرق الأوسط للتصدي للتهديد المزدوج المتمثل في الأصولية الإسلامية والإمبريالية الإيرانية.

بهدف إطلاق هذه الخطة، يبدو أن الولايات المتحدة تطالب الدول العربية السُنّية التي تولت حمايتها لفترة طويلة برد الجميل. إضافة إلى ذلك، يصبّ حل الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني بدوره في صالح هذه الدول، ذلك أنه يزيل مصدراً محتملاً لزعزعة الاستقرار في الداخل.

إن لم يكن هذا هو "فن الصفقة"، فماذا يكون؟ يبدو الحل عقلانياً ومغرياً وبسيطاً إلى حد لا يمكن رفضه. بوجود أموال حقيقية على الطاولة، سينتقل المشاركون إلى مناقشة الشروط السياسية، التي تشكل الثمن الذي يتعين على الفلسطينيين دفعه مقابل الفوز بعرض سخي كهذا. وهنا تكمن المشكلة.

سعت خطة مارشال إلى تشجيع الأوروبيين على التكاتف لتلقي الأموال الأميركية. في ذلك الوقت، كانت الأحزاب الشيوعية، التي دعمها الاتحاد السوفييتي وأدارها، توشك على الاستيلاء على السلطة في العديد من الدول الأوروبية الغربية. وبدلاً من ذلك، عملت خطة مارشال الفذّة على دعم الهويات الوطنية لتلك البلدان وتعزيز سيادتها.

على النقيض من ذلك، من شأن خطة كوشنر أن تفضي إلى العكس؛ فهي تتجاهل قضية السيادة الفلسطينية في الأساس. الأمر الأهم هو أن خطة الولايات المتحدة تثير مسألة وجودية: هل يستطيع المرء أن يشتري العواطف والالتزامات الوجدانية الكامنة في صميم الهوية الجمعية للبشر؟

يبدو ذلك أمر غير مرجح إلى حد بعيد؛ تجد الحكومات صعوبة كبيرة في شراء مواطنيها. في أعقاب ثورات الربيع العربي في العام 2011 في تونس ومِصر، على سبيل المثال، أنفق حكام الجزائر بسخاء لحماية أنفسهم من شيء مماثل. لكن، ورغم أن ذلك كان كافياً لشراء بعض الوقت للنظام، فإن المشاكل البنيوية، كالفساد وانعدام الكفاءة، لم تختف، بل ازدادت حِدة ببساطة؛ الأمر الذي صبّ المهانة على الغضب العام، فأفضى ذلك، في نهاية المطاف، إلى استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في نيسان/أبريل، بعد عشرين عاماً قضاها في السلطة.

إذا لم يكن شراء ولاء شعبك بالمهمة السهلة، فلا بد أن شراء ولاء شعب آخر مهمة أشد صعوبة. بل ربما يكون الأمر، في الواقع، مهمة مستحيلة، على نحو ما اتضح في قمة المنامة. رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في القمة؛ وتبعاً لذلك، لم تمثل "إسرائيل" بدورها على مستوى رسمي. دأب حكام الدول العربية على خيانة القضية الفلسطينية في السابق، لكن ليس إلى هذا الحد المذهل الذي نشهده اليوم. على سبيل المثال، خرج المتظاهرون إلى الشوارع في المغرب للتنديد بما أسموه "قِمة العار".

من الواضح أن كوشنر لم يشاهد الفيلم الفلسطيني "مِلح البحر" الذي عُرِض في العام 2008، والذي يصوّر محنة امرأة أميركية من أصل فلسطيني تبحث عن بيت جدّها في يافا في "إسرائيل" الحالية. رسالة الفيلم هي أن ليس بمقدور أي شيك ضخم سمين أن يعوّض عن خسارة السيادة.

الواقع هو أن إدارة ترمب بذاتها قد لا تكون مؤمنة حقاً بخطة السلام التي خرجت بها علينا. وبناء عليه، ربما تكون مبادرة كوشنر مجرد حيلة لتمهيد الأرض لفك ارتباط الولايات المتحدة المحتمل بالشرق الأوسط ــ للسماح للإدارة بمطاردة شكل جديد من أشكال العزلة، أو ربما تركيز كل جهودها على احتواء نفوذ الصين المتنامي عالمياً.

إن الفشل شبه الحتمي لخطة كوشنر من شأنه أن يسمح لترمب بالقول لناخبيه، قبل الانتخابات الرئاسية في العام 2020، إنه بذل قصارى جهده لإحلال السلام "الإسرائيلي" الفلسطيني، ولم يكن بوسعه أن يفعل أي شيء آخر. ربما يزيد على ذلك أنه تمكن من تعزيز التعاون الطويل الأمد القائم بين ركيزتي الغرب للأمن الإقليمي: "إسرائيل" والمملكة العربية السعودية. وبمساعدة من الولايات المتحدة من وراء الستارة، فإن كلاً منهما سيمتلك القوة اللازمة لاحتواء إيران، في حال لم تنجح عقوبات ترامب الاقتصادية الأخيرة في الإطاحة بالنظام في طهران.

لم تتغير أسس الوضع "الإسرائيلي" في المنطقة. إذ يعتمد أمنها على شرعيتها، التي تظل بدورها بحاجة إلى وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة. ومع ذلك، فإنّ الوضع الراهن مريح في نظر غالبية "الإسرائيليين" إلى الحد الذي يجعلهم غير راغبين في إحياء "حلّ الدولتين". لكن، وعلى نقيض ما يتصوّر ترامب فإن سياساته تجعل مستقبل إسرائيل أشدّ تعقيداً وأكثر إشكالية.

في المقابل، لا يزال الفلسطينيون متمسكين بالأمل في أن تصبّ الاتجاهات الديموغرافية لصالحهم في الأمد المتوسط. في الوقت ذاته، تبدو احتمالات السلام في المنطقة ضئيلة للغاية. ولم يحقق عرض كوشنر الأخير في البحرين أي شيء لتغيير هذا الواقع.

العنوان الأصلي: Money Can’t Buy Palestinians’ Love

الكاتب: DOMINIQUE MOISI

المصدر: The Australian Strategic Policy Institute BLog

التاريخ: 28 حزيران/يونيو 2019

انشر عبر
المزيد