متحف التاريخ الطبيعي.. رحلة ملايين السنوات إلى الماضي

17 حزيران 2019 - 10:14 - الإثنين 17 حزيران 2019, 10:14:39

بينما تنتظر في الصف الطويل الداخل إلى إحدى أشهر قاعات متحف التاريخ الطبيعي، تجد مجسم حيوان الماموث بنابيه الضخمين في حديقة المدخل فتخمن ما ينتظرك في الداخل. ولكن الواقع مختلف، فما أن تخط قدمك الصالة حتى تظن أنك دخلت إلى عالم آخر.

قطيع من الهياكل العظمية التي تملأ المكان بأحجام متفاوتة، تبدأ بالفعل من أصغر حيوان رأيته إلى أكبر حيوان لم يحدث أن التقى بشرا.

المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي يجمع صالات عدة وله أيضا فروع أخرى في أنحاء فرنسا، وعلى مدار أربعة قرون، كان مصدرا للاكتشافات العلمية الرئيسية في العلوم الطبيعية.

فمن حديقة نباتية لا تخلو من الطلاب والباحثين والرسامين والسياح، إلى صالات الحيوانات الحية والمتاحف العلمية للأطفال والكبار، رحلة لا تخلو من الدهشة والجمالية والمعرفة في آن واحد.

كانت فكرة رؤية هياكل الديناصورات والحيوانات المنقرضة هي التي قادتني إلى مبنى الهياكل العظمية والحفريات.

نظرة إلى الماضي السحيق

المتحف الذي يحتوي هياكل يتخطى عمرها ستمئة مليون عام أنشئ عام 1793، لكن المعارض افتتحت عام 1898 في باريس، وتحول المتحف إلى موقع للبحث العلمي في القرن 19.

عمارة المتحف قصة أخرى من الإبداع، مبنى رائع مصنوع من الطوب والمعادن والزجاج صممه المهندس المعماري فرديناند دوتير، يبلغ طول المعرض حوالي ثمانين مترا، وهو مزين بعدد كبير من المنحوتات المستوحاة من الطبيعة.

أواخر القرن 19 تعهد أستاذ علم الحفريات في فرنسا ألبرت جودري بتزويد باريس بموقع جديد مخصص للتشريح المقارن وعلم الحفريات، قائلا "على الرغم من أنه لا يمكن للإنسان أن يرى المستقبل، وهي واحدة من أصعب المحاولات التي يواجهها مصيره، فإنه يمكن أن يحاول النظر إلى الماضي".

يحتل المتحف موقعا مرجعيا من خلال مجموعة متنوعة من المهام، كالبحوث الأساسية والتطبيقية، وحفظ وإثراء المجموعات، والتعليم، والخبرة ونشر المعرفة.

للمتحف نشاطه في أكثر من 13 موقعا في جميع أنحاء فرنسا. يقع قلبه التاريخي في باريس، ويستضيف المختبرات والمعارض والمواقع التعليمية.

إضافة إلى منتزه باريس للحيوان ومتحف الإنسان، والمشتل، وحديقة الحيوانات، والحدائق النباتية، وموقع الحفريات ما قبل التاريخ، والمختبرات.

تحتوي صالات المعرض على حوالي 67 مليون قطعة ونوع، تضم عينات من المعادن والصخور وحجارة النيازك والمستحاثات والفطريات والطحالب وأنواع من النباتات الحزازية والمزهرة والسراخس والمحار وقناديل البحر والمرجان والحشرات والأسماك والزواحف والبرمائيات والطيور والثديات، بالإضافة إلى النباتات والحيوانات الحية والجماجم البشرية.

الديناصورات نجوم المتحف

اعتقد الصينيون القدماء عندما وجدوا عظام الديناصورات أنها عظام تنانين، فطحنوها واستخدموها في الطب التقليدي. أما الأوروبيون في القرون الوسطى فاعتبروا أن هذه البقايا من العظام الضخمة تعود لعمالقة نفقت أثناء طوفان سيدنا نوح عليه السلام.

وفي القرن 17 أزاح العلماء في إنجلترا الغموض معتبرين أنها عظمة فخذ لحيوان ضخم جدا لا يمكن أن تعود لأي حيوان معاصر، وسمي ديناصورا عام 1842 بعد أن أطلق عليه عالم الأحياء الإنجليزي السير ريتشارد أوين هذا الاسم.

دراسات كثيرة وأفلام ألبست للديناصورات أجسادا وألوانا معتمدين على شكل العظام التي وجدت مجتمعة أو متفرقة.

في معرض علم الحفريات والتشريح المقارن هياكل عظمية لحيوانات عديدة، أضخمها على الإطلاق الديناصورات المنقرضة منذ أكثر من ستين مليون سنة، والذي يجذب كاميرات السياح لالتقاطه من زوايا وطوابق مختلفة، إذ يبدو أنه نجم الصالة الأول من دون منازع.

نجوم أخرى عبارة عن هياكل لحيتان وماموث ووحيد القرن وتماسيح وحيوانات وطيور وأسماك، منها ما انقرض قبل ملايين السنين ومنها ما انقرض مؤخرا مثل نمر تسمانيا الذي توفي عام 1961.

من خلال مراقبة هذه الهياكل البالغ عددها حوالي 650 حيوانا، يمكن معرفة تكيف المخلوقات مع بيئات المعيشة، وفهم كيف عاشت على الأرض، في الهواء أو الماء، وكيف حركت أقدامها وأجنحتها وزعانفها. ومن خلال مراقبة مجموعات الأعضاء، مثل الرئتين والقلب والكبد، يمكنك التعرف على التنفس والدورة الدموية والهضم.

وفي جوانب الصالات العظمية أعضاء منتشرة في الزوايا مع تعريفات مفصلة عنها، من القلوب والأكباد والأدمغة وأمعاء ورئات وغيرها، موضوعة إما محنطة أو في وعاء زجاجي ضمن سوائل حافظة.

إضافة إلى حيوانات ونباتات محنطة ولوحات جدارية، وتماثيل لعلماء ساهموا في إثراء هذا الصرح العلمي البحثي.

المتحجرات والأحافير تحتل معظم زوايا طبقات المتحف، إضافة إلى عدد لا يحصى من اللافقاريات التي عاش بعضها على كوكبنا منذ 3.5 مليارات سنة.

ما يؤخذ على المتحف أنه رغم أهميته العلمية والتاريخية، فإن منشوراته الدعائية والسياحية كلها باللغة الفرنسية حصرا، مما يفوت على السائح متعة التعمق والتعرف على موجوداته القيمة.

ومهما يكن من أمر، ورغم ازدحام المكان بالعظام والأعضاء فإن زيارة هذا المتحف تجعلنا فعلا ننظر إلى ماضي كوكبنا وكائناته قبل وجودنا فيه، وتجعلنا ربما نتساءل: ماذا لو عايشنا الديناصورات مثلا؟ وكم من الكائنات لم نكتشفها بعد؟ وكم من الأنواع سائرة للزوال؟

المصدر: الجزيرة نت

انشر عبر
المزيد